زمن الردة

 

بقلـم : محمـود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

mahmoudshanap@gawab.com

 

أمريكا فى غمرة دفاعها عن إسرائيل نسيت أمنها القومى وأعطت الأولوية المطلقة لأمن وسلامة إسرائيل ، وهى فى سبيل ذلك تعمل ليل نهار دون كلل من أجل اخماد المقاومة الإسلامية وكسر شوكتها ، وقد اهتمت بذلك أكثر من اهتمامها بمعالجة آثار أحداث 11 سبتمبر ، وباتت تـُسخر كل من هم تحت امرتها من الملوك والرؤساء العرب من أجل تحقيق هذا الهدف ، بعدما ارتد حكامنا عن ديننا .. وانضموا إلى معسكر الكفر ما بين مؤيد ومساعد ، وأصبحوا ما بين مسيلمة وسجاح والأسود العنسى وطليحه الأسدى وغيرهم ممن ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول وامتنعوا عن إخراج الزكاة .

والواقع يؤكد أن لا أمريكا ولا إسرائيل ولا كل الحكام العرب يستطيعوا ردنا عن ديننا أبدًا ، كما أنهم لن يستطيعوا إيقاف تلك العمليات الاستشهادية لأنها حق ، والحق لا يمكن خنقه أو اخماده .

إن الطفل الذى يقف أمام الدبابة ويرجمها بالحجارة لا ينتظر من الحكام العرب شيئـًا ، والأم التى تجهز ابنها للشهادة وتودعه وهى تعلم إلى أين يذهب .. لا تريد من الحكام العرب شيئـًا ، والمجتمع الذى يتكافل فيما بينه ويسد احتياجاته لا ينتظر أى مساعدة من العالم الظالم الذى تقوده أمريكا ، والبنت التى تفجر نفسها وسط حشد من أبناء القردة والخنازير لن تجد ثوب زفاف أفضل مما اختارته ..

كل هذه الأمور وغيرها هى المخاض الذى يسبق ميلاد فجر الحرية والكرامة ورفع راية الإسلام والعيش فى عبودية الخالق وحده .

ومهما تأخرت النتائج يظل وعد الله هو الحق ويظل الإيمان بذلك يمثل العقيدة الراسخة التى تنطلق منها كل العمليات البطولية التى ينفذها الآن أفضل شعب على وجه الأرض ؛ ولولا تخاذل الحكام العرب وعدم نصرتهم لدين الحق ومخالفة كتاب الله وسنة رسوله لسارت الأمور إلى الأفضل بما لا يُقاس ولتحقق وعد الله .

يقول الله تعالى : (( وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر )) ، ويقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم : (( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم )) ، ولقد انصرف كل القادة العرب عن نصرة الإسلام ، وانغمسوا فى ملذات الدنيا وعشق أمريكا ـ رغم أنهم بوضعهم الحالى لن يقدموا ولن يؤخروا ، وقبلوا أن يحملوا أوزارهم وأوزار شعوبهم ببعدهم عن الجهاد ونصرة دين الحق .

ولقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية أن الغرب ـ بقيادة أمريكا ـ قد راهن على الحصان الخاسر ـ عندما اتجه إلى امتلاك الحكام العرب متصورًا أنه امتلك بذلك زمام كل شئ ، والواقع انه اشترى الوهم و"الترماى" وتجاهل الحقيقة ، لأنه راهن على أردئ ما فينا ـ فكل إنسان مسلم يتمنى الشهادة ، ويتمنى أن يقابل ربه وهو راض عنه ، وسيظل الجهاد هو روح الإسلام وما يتميز به عن باقى الديانات .

وانسان الغرب ـ أو الغابة ـ لا يريد إلا الحياة الدنيا ، ويتمنى لو يعمر ألف سنة هروبًا من لقاء الحق ... يقول الله تعالى ـ فى سورة البقرة ـ الآية 96ـ (( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون )) ولذلك لن تجد على وجه الأرض من يفجر نفسه وسط عدوه إلا المسلم ، وهذا شرف لا يستحقه غيرنا ، وعندما يصفون هذا العمل بالعمل الإنتحارى فانهم يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون ، فالمنتحر ـ كما يصفه علماء النفس ـ إنسان فاشل يائس يعيش بلا عقيدة ولا إيمان تمزقت علاقاته بالآخرين .. ولذلك لا يعرف الإسلام شئ من ذلك مهما كانت الدوافع والأسباب ، لكن المسلم عندما يفجر نفسه فانه يموت دفاعًا عن فضيلة تستحق ذلك لإيمانه بأن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة ، وايمانه بقول رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم : (( من مات دون ماله فهو شهيد ، ومن مات دون أهله فهو شهيد )) أخرجه مسلم ... وهكذا ، أما الإنتحار فهذا شئ آخر يعرفه الغرب المادى الملحد ولا يعرفه المسلم ، وقد بلغت نسبة الإنتحار فى كندا ـ مثلاً ـ 13% بين الشباب الذى يتراوح عمره ما بين 14 : 24 سنة لأسباب دنيوية بعيدة كل البعد عن العقيدة والجهاد ونصرة الحق ـ منها العاطفى ومنها الفشل التعليمى والمرض والبطالة ... ولذلك يجب ألا نغضب من وصف الغرب لهذه العمليات الإستشهادية ـ بالعمليات الإرهابية ـ لأنها فعلاً عمليات قصد بها ترويع العدو وارهابه أمرنا بها الله تعالى فى كتابه الكريم (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ))... ويقول محمد بن الحسن فى آية النهى عن التهلكة : ( إن كان قصده إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين فى الدين فلا يبعد جوازه ) .

أما وصف هذه العمليات بأنها لن تقدم ولن تؤخر وأنها تضر بالقضية أكثر مما تنفعها فتلك مقولة كاذبة ، والدليل يكمن فى سر اتحاد الغرب كله ووقوفه فى وجه هذه العمليات واستعانتهم بالأصدقاء العرب لايقافها بشتى الطرق .

ولقد أدرك المسلم ـ والمسلم كَيس فـَطِن ـ أن الجيوش العربية لن تحارب من أجل قضيته وأن الحكام العرب لن يجاهدوا أبدًا وقد احتواهم الغرب ، وأن من ينام فى القصور لا يشعر بمن ينام فى المخيمات ... عندها حمل أكفانه على يده وسار بنفسه إلى عدوه ليقلب حياته جحيمًا ، وليجعل استقراره على أرضه مستحيلاً ، ولا يلزمه فى ذلك مدرعات ولا طائرات ولا صواريخ ولا بوارج ، ولا سبيل أمامه غير ذلك فنحن فى زمن يشبه "زمن الردة" الذى جاء بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد ارتد من ارتد من قبائل العرب وظهر أدعياء النبوة الكاذبة ، وانضم اليهم مانعوا الزكاة وأصبحت فتنة عارمة ومحنة قاسية جعلت بعض صحابة رسول الله يقولون لأبى بكر : ( يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاقة لك بحرب العرب جميعًا ـ إلزم بيتك وأغلق بابك وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) وهذا ما يقوله لنا اليوم حكامنا وقاداتنا ومثقفونا .. "إلزموا مصـر واغلقوا عليكم الأبواب ولا طاقة لكم بحرب إسرائيل وأمريكا" فهل نستجيب ؟!!!!       أم نفعل مثلما فعل أبو بكر الصديق الذى أبى أن يستسلم وثبت على الحق وجهز الجيوش لمحاربة المرتدين ومانعى الزكاة ، وقامت المعارك الضاربة وانتصر الإسلام ورجع المرتده إلى حظيرة الإسلام تائبين منيبين إلى الله وقد انضموا لصفوف المسلمين فى قتال فارس والروم وظل الإسلام عزيزًا شامخًا ، وهذا ما يجب علينا فعله أمام جيوش المرتدة ـ حكام كانوا أم عملاء .. وكتاب كانوا أم وزراء .. رواد تنوير أم رواد تزوير ..

فى حروب الردة الأولى ـ أيام أبى بكر ـ أقر المرتده بالصلاة ولم يقروا بالزكاة .. اليوم لا يقر المرتده بشئ من الإسلام بالمرة ـ غير الدعوة إلى التسامح والتعقل وقبول الهوان والصبر على الذل وحكمة الحكام ، وهم يملكون القوة والسلطة والإعلام ، لكنهم مجردين من كل فضيلة أو شرعية تجعلنا نلتزم بخطهم المعوج ، لقد فعلوا كل شئ ولم يعد باقيًا منهم إلا أن ينطقوا بكلمة الكفر ، وقد قالوها بأفعالهم وتصرفاتهم ومواقفهم الخسيسة التى لا تحتاج لمزيدًا من الايضاح أو الفهم ـ قالوها يوم خذلوا الإسلام فى البلقان .. فى البوسنة وكوسوفا والشيشان ... قالوها يوم اشتركوا فى ضرب العراق تحت مبرر زائف وكاذب ... قالوها يوم تركوا أمريكا تقصف أفغانستان ... قالوها يوم ساروا على هدى أمريكا وتركوا القرآن ... قالوها من خلال قوانين الطوارئ والمعتقلات وتزوير الانتخابات ... قالوها يوم عادوا الاخوان المسلمين دون ذنب أو جريرة ... قالوها يوم ضربتهم أمريكا بالحذاء وخروا لها ساجدين ...

ليس شرطًا أن يعلن المرتد كفره وهو المجاهر بفعله ، وليس شرطًا أن ينطق الحاكم بأنه قد كفر بدين محمد وآمن بالنظام العالمى الجديد ... فقد فضحته اهتماماته ومؤتمراته ونزواته واتفاقاته وحاشيته وأعوانه .

إن زمن الردة الأولى كان من الرعية حتى وان كانوا شيوخ قبائل ... اليوم تأتى الردة من أولى الأمر والحكام ، ومثلما أحل الله قتالهم فى الأولى أحل ـ أيضًا ـ مقاتلة أولياء الكفر وردعهم وتنقية المجتمع الإسلامى منهم ، والله غالب على أمره ولو كره الكافرون .