في
أول تقرير للتنمية الانسانية العربية ينشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي:
فيما يلي ما ورد في التقرير الذي نشره برنامج
الامم المتحدة الانمائي عن الدول العربية و الذي فضح حال الانسان في العالم العربي
و كشف الانهيار الذي تعيشة الدول العربية اقتصاديا و سياسيا و
ثقافيا .
الخلاصة
1 – ينشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أول تقرير حول التنمية
الإنسانية العربية
ضمن سياق
عام يقول أن: " التنمية الإنسانية في هذه المنطقة لا ترقى لمستوى غناها
"
2 - العالـم العربي: لنـدع الأرقـام تتحـدث
3 - أسلوب جديد لقيـاس التنمية الإنسانـية
4 - النساء العربيات يتقدمن بسرعة ولكن مازال الطريق أمامهن طويلاً
5 - المعرفة العربية في الوطن وخارجه
6 - تحتاج الاقتصادات العربية إلى نمو سريع يقوم على قاعدة متينة من
المعرفة
7 - الحكم في العالم العربي
8- التعـاون العربي : كان حلماً وأصبح ضرورة للبقاء والمنافسة
تقرير
التنمية الإنسانية العربية لعام 2002
الخلاصة
ينسج "تقرير التنمية الانسانية
العربية لعام 2002" التنمية، في أبعادها الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية،
والثقافية، حول الناس. فهم أسس
بنائها وقواعد قيامها، وهم مصبات روافدها، وإليهم ينبغي أن تنسال منافعها. ويتيح هذا التقرير منتدىً موضوعياًً يقيس
درجات التقدم ويتقصى مواطن النقص، ويبسط أمام أنظار صانعي القرار استراتيجيات
لتحقيق التنمية الإنسانية، ويشد الانتباه إلى مشاكل البلدان التي يمكن أن تجد
علاجا لها في إطار العمل العربي الجماعي. وقد أرشد التقرير في مقاربته القناعة بأن
التشخيص الدقيق للمشكلة جزء من حلها.
ويكشف التقرير جوانب التقدم البين في
إرساء قواعد متينة في قطاعات الصحة والسكن والتعليم. ويشهد على ذلك ما أنجزته
البلدان العربية في مضماري الحد من الوفيات والتوسع الكمي الضخم في التعليم. فقد
ارتفع مثلا، معدل توقع الحياة عند الميلاد بنحو 15 عاماً خلال العقود الثلاثة
الأخيرة، وانخفض معدل وفيات الأطفال بنحو الثلثين. لكن ما يضيء طريق الاستبشار أن النمو في المنطقة قد
نزع إلى محاباة الفقراء، حيث أن
مستويات الفقر المدقع في المنطقة العربية (المعرف بدخل يقل عن دولار واحد في
اليوم) الأقل بين جميع مجموعات الدول النامية.
إلا أن إمارات النذر واضحة. فقد كان
معدل نمو الدخل للفرد العربي الأقل في العالم ماعدا أفريقيا جنوب الصحراء، حيث لم
يتجاوز نصف بالمئة سنويا خلال العقدين الماضيين. وإذا استمر نهج النمو على حاله من
التدني فسيحتاج المواطن العربي إلى 140 عاما ليضاعف دخله، بينما يستطيع المواطن في
مناطق أخرى من العالم من مضاعفة دخله مرة كل 10 سنوات. وما قد يوطد هذا الميل
علائم نذير أخر. فإنتاجية العامل العربي ما زالت متدنية وتتجه نحو الانخفاض ومن
أهم المؤشرات على ذلك:
·
انخفضت إنتاجية عناصر الإنتاج بمعدل
سنوي يعادل 0,2% خلال الفترة 1960-1990 في الوقت الذي تسارعت فيه في مناطق أخرى في
العالم، والفجوة آخذة في الاتساع.
·
تضاءل الناتج المحلي للفرد إلى نصف
مثيله في كوريا، بينما كان أعلى من معدل الناتج للفرد في منطقة النمور الآسيوية في
عام 1960.
·
انحفضت إنتاجية العامل الصناعي
العربي من 32% من إنتاجية مثيله في أمريكا الشمالية عام
1960 إلى 19% منها عام 1990 ولا زالت تتدنى.
وقد صاحب الانخفاض في إنتاجية العامل
تدهور في الأجور الحقيقية، الذي فاقم بدوره من الفقر. وهكذا يميط استخدام المعايير
الكمية والنوعية أن البلدان العربية لم تنم بالسرعة التي نمت فيها المناطق النامية
الأخرى. فحين ننظر بعيون التنمية
الإنسانية، ستبدو لنا مشاهد التنمية الإنسانية في البلدان العربية وقد اكتنفتها
عوامل إضعاف تحتاج إلى إملاء النظر وإجراء العمل.
لقد كانت إنجازات الدول العربية وفق
مقاييس التنمية البشرية، خلال العقد الأخير، أقل من المتوسط العالمي. غير أن
إنجازات الدول العربية على صعيد مؤشرات الدخل كانت أفضل منها على صعيد مؤشرات
التنمية الأخرى. وبهذا يمكننا القول بأن المنطقة العربية هي أغنى مما هي نامية.
ولا يمكن لأي مجتمع أن يرقى درجات سلم
التقدم ما لم يحسن تهيئة إمكانياته البشرية، وما لم يعزر ملكة المعرفة، وما لم
يطور أنساق الحكم بما يعزز ويدعم ويصون رفاه الإنسان، ويؤدي إلى تطوير قدرات البشر وتوسيع خياراتهم
وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالذات لأكثر أفراد المجتمع
حرماناً. ولا بد من التصدي للنقص في
تمكين المرأة.
فعلى الرغم من انخفاض معدل الفقر
مقارنة مع أجزاء أخرى في العالم، ما زال الوطن العربي مكبلا بأغلال أخرى من الفقر
تتمثل في فقر القدرات والفقر في الفرص، والتي تنجم عن ثلاث نواقص، هي نقص في الحرية،
وفي تمكين المرأة وفي حقول
المعرفة. ولن يغيـّب النمو وحيدا
هذه النواقص، ولن يضع المنطقة على طريق التنمية المستدامة.
الأسـس
السكان:
لقد غطى هذا التقرير 280 مليون عربي يقطنون 22 دولة عربية في عام 2000، ويشكلون 5%
من سكان العالم. والسكان في العالم العربي أصغر سنا من المتوسط من سكان العالم
بأسره. وتشكل الهجرة داخل البلدان العربية ومنها وإليها مظهراً ديموغرافياً هاماً،
إضافة إلى التحضر، حيث نجد أن نصف عدد السكان يعيش اليوم في المدن بينما لم تتجاوز
هذه النسبة الربع في عام 1950.
ومازالت نسبة النمو السكاني عالية حيث من المتوقع أن يصل عدد السكان إلى ما
بين 410 و 459 مليوناً في عام 2020، ضمن هيكل جديد للأعمار تزداد فيه نسبة المسنين
وتقل فيه نسبة الأطفال. وبقدر ما
تطرح السمات السكانية الجديدة تحديات متعددة بقدر ما توفر في الوقت نفسه فرصا كثيرة.
فحجم السكان والنمو السكاني والتوزيع العمري، يمكن أن تكون نعمة أو نقمة
ديمغرافية، وسيحسم أي السبيلين ستنتهج، قدرة البلدان العربية على بناء القدرات
البشرية وإفلاحها في استخدامها لتلبية تطلعات الشعب لحياة رافهة.
الصحــة:
يتمتع الناس في معظم الدول العربية بمعدل توقع للحياة عند الميلاد أعلى من المعدل
العالمي الذي هو 67 سنة. لكن الأمراض والإعاقة يخفضان من معدل العمرالخالي من
الإعاقة من 5 إلى 11 سنة. ويقل معدل العمر للنساء العربيات عن المعدل العالمي
ويعود ذلك جزئياً لمعدل الوفيات العالي لدى النسـاء الحوامل. كما أن نسبة الإعاقة
أعلى منها عند النساء من الرجال مما يجعل من صحة المرأة أولوية من أولويات صانعي
السياسات. لقد تم إحراز إنجازات جيدة في تخفيض معدلات وفيات الأطفال دون سن
الخامسة. فقد كانت المنطقة العربية أول منطقة في العالم النامي قلصت فيها أغلب
البلدان معدلات وفيات الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات إلى المعدل العالمي
وهو 70 لكل 1000 طفل بحلول عام 1990.
ولكن ما زال هناك تفاوت كبير بين الدول
العربية وفي كل منها. فهناك تفاوت ملحوظ في نسبة وفيات الأطفال دون الخامسة. وهناك
تحد صحي خطير هو ارتفاع نسبة توقف النمو (التقزم) التي قد تتجاوز 50% من الأطفال
دون الخامسة في بعض البلدان الفقيرة وتلك التي تعاني من النزاعات. وتعتبر حوادث الطرقات والتدخين من
المسببات الهامة للوفاة، ففي عام 1998 لقي 182,000 عربي حتفهم من أمراض تتعلق بالتدخين.
وفي حين أن مرض نقص المناعة المكتسبة أندر وجوداً في المنطقة منه في باقي المناطق
إلا أنه ما زال أمرا يدعو للاهتمام.
وتنفق معظم الدول العربية 4 % من الناتج الإجمالي المحلي على الصحة
وهذا أقل من إنفاق الدول ذات الدخل المتوسط التي تنفق 7,5%. وتؤثر برامج إصلاح القطاع الصحي
سلبا على الفئات الضعيفة في المجتمع.
كما يتركز اهتمام النظم الصحية في
البلدان العربية على الصحة البدنية دون الصحة العقلية والاجتماعية مما يغفل قياس
تبعات عدم الراحة والإحساس بعدم الرضى التي تؤدي بدورها لكثير من الأمراض العضوية.
وفي كثير من البلدان العربية لا يستفيد كبار السن من مزايا الضمان الاجتماعي لعدم
كفايتها ومحدوديتها.
ويركز النظام الصحي في
البلدان العربية أيضا بشكل رئيسي على الصحة العلاجية خاصة في المرحلتين الثانية
والثالثة. ويؤدي هذا إلى ارتفاع التكلفة لا سيما عند اللجوء إلى استخدام
التكنولوجيا، الذي يقود إلى إهمال مرافق الخدمات الصحية لنسبة مرتفعة من السكان.
ولا يقتصر التحدي الذي يواجهه النظام الصحي في العديد من الدول العربية على رفع
المستوى الصحي العام، بل يشمل تقليل التفاوت وضمان العدالة للجميع في تلقي الرعاية
الصحية الملائمة.
البيئة
: تقع 15 دولة عربية تحت خط الفقر
في مصادر المياه - أقل من 1000 متر مكعب للشخص في السنة – ونجد أن تلوث اليابسة يحدث
انحساراً في الشواطئ البحرية مما يكلف الدول بين بليون وبليوني دولار سنوياً جراء
الخسارة في مجال السياحة. وقد انخفضت نسبة الأرض الزراعية للفرد في الدول العربية
من 4,0 هكتار عام 1970 إلى 24,0 هكتار عام 1998.
وقد أسهمت الصراعات والحروب في الإضرار بالبيئة. فلا غرو من الحاجة الملحة لوضع استراتيجيات لحماية البيئة،
لوضع حد للتدهور البيئي من خلال تشجيع عمليات الإنتاج والممارسات العامة المحابية
للبيئة.
التعليـم: لقد حققت الدول
العربية تطوراً ملموسا في زيادة نسبة المتعلمين. حيث انخفضت نسبة الأمية من 60% في
عام 1980 إلى حوالي 43% في منتصف التسعينيات. كما تضاعف معدل تعليم المرأة ثلاث
مرات منذ عام 1970. وعلى الرغم من كل هذا فما زال
هناك 65 مليون عربي بالغاً أمياً، ثلثاهم من النساء. وليس متوقعا أن تحل هذه المعضلة قبل ربع قرن على الأقل.
كما أن النسبة التي تنفقها الدول
العربية مجتمعة من دخلها على التعليم هي أعلى منها في الدول النامية الأخرى. ففي
عام 1995 كانت نسبة طلاب المرحلة الإبتدائية أكثر من 90% من الذكور و 75% من
الإناث وما يقارب الـ 60% من الذكور والـ 50% من الإناث في المدارس الثانوية. وعلى
الرغم من ذلك فإن هناك عشرة ملايين طفل بين سن 6 و 15 سنة خارج النظام التعليمي.
وتبقى نسبة الالتحاق بالتعليم العالي محدودة حيث لا تتجاوز 13%. ومع أن هذه النسبة
أعلى من مثيلتها في الدول النامية (9%)، إلا أنها ما زالت أدنى كثيرا من النسب
السائدة في الدول الصناعية والتي تصل إلى 60%. وما زالت نسبة الفتيات بشكل خاص
منخفضة في التعليم العالي. ورغم ارتفاع أعداد الأطفال الملتحقين بالتعليم قبل
المدرسي، ما زالت نسب الالتحاق هذه دون مثيلتها في الدول النامية وبخاصة فيما
يتعلق بالفتيات. وتعاني الفئات الأضعف اجتماعيا مثل النساء والفقراء خاصة في
المناطق الريفية من حرمان من التعليم يتصاعد في المراحل التعليمية العليا.
وكان لضغط الإنفاق الحكومي في سياق
برامج التصحيح الاقتصادي، والتضخم وانتشار الفقر وفرض رسوم على التعليم لاسترداد
كلفته، آثار سلبية على تراكم راس المال البشري، كان وقعها أشد على الفقراء والإناث. وكانت النتيجة أن جودة التعليم تتوفر بشكل متزايد فقط
للقادرين على تحمل نفقاتها. ولذلك، يفقد التعليم دوره كأداة فاعلة في تحقيق الصعود
الاجتماعي.
وهناك دلائل على تردي
نوعية التعليم، وهو ما يعني تدني التحصيل المعرفي والقدرات التحليلية والابتكارية.
وأسهم الخلل الحادث بين سوق العمل ومستوى التنمية من جهة وخريجي النظام التعليمي
من جهة أخرى في ضعف إنتاجية العمالة واختلال هيكل الأجور وتفشي البطالة وتدهور
الأجور الحقيقية للغالبية العظمى مما يعني ضعف العائد الاقتصادي والاجتماعي
للتعليم. وإذا ما استمرت الاتجاهات الحالية فستمر عقود قبل القضاء على الأمية أو
قبل زيادة نسب الالتحاق بالتعليم لتصل إلى ما حققته الدول الصناعية في منتصف
التسعينيات.
الاقتصاد وتحدي التشغيل الكامل ومحاربة الفقر: يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لكل البلدان العربية ما مقداره
2,531 بليون دولار أمريكي أي أقل من دخل
دولة أوروبية واحدة كإسبانيا والبالغ ناتجها المحلي الإجمالي 5,595 بليون دولار أمريكي. لقد أدت برامج التثبيت الاقتصادي في
التسعينيات إلى تخفيض التضخم وتقليص عجز الموازنة في العديد من البلدان العربية،
كما قامت الحكومات العربية بإنشاء بنى أساسية داعمة للنمو. لكن معدلات النمو ما
زالت راكدة وما زال النمو عرضة للتقلبات في أسعار النفط. فقد انخفض الدخل الحقيقي
للمواطن العربي مقاسا بمعدل القوة الشرائية إلى 9,13% فقط من الدخل للمواطن
في منطقة منظمة التعاون والتنمية في أواخر التسعينات.
وكما ذكر سابقا، تتسم
الدول العربية بانخفاض مستوى الفقر المدقع فيها مقارنة بجميع مجموعات الدول
النامية الأخرى. ورغم ذلك ما زال واحد من بين 5 من العرب يقل دخله عن دولارين في
اليوم. وما زال فقر القدرات أكثر استشراء بسبب ارتفاع نسب الأمية وانحسار فرص
التعليم والتعلم.
وقدر حجم البطالة السافرة في الدول
العربية بما لا يقل عن 12 مليون عاطل عن العمل في عام 1995 أو ما يوازي 15% من قوة
العمل. وإذا ما استمرت هذه الاتجاهات فمن المتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل
إلى نحو 25 مليون بحلول عام 2010.
وعلى صعيد البلدان العربية ككل، تقوم عراقيل مؤسسية أمام خلق
فرص العمل. فأسواق العمل تقليدية ومجزأة وغير قادرة على أداء وظائفها المفترضة،
مما يجعل آلية تداول اليد العاملة ضعيفة وغير فاعلة. كما أن تدابير التصحيح
الهيكلي لم تهتم حقا بالاصلاح الهيكلي الذي يضمن بناء أسواق كفؤة وقادرة على
المنافسة، أي الإصلاح الذي يضمن الشروط الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي.
ولقد قام فريق العمل في التقرير
بمقابلات مع شريحة عريضة من الشباب العرب ووجد أن فرص العمل والتعلم هي جُـل ما
يشغل هذه الشريحة. ومما يثير القلق
أن 51% من المراهقين و 45% من المراهقين الأصغر سناً صرحوا عن رغبتهم بالهجرة
معبرين بشكل واضح عن عدم رضاهم عن الأوضاع الحالية والفرص المستقبلية في بلدهم الأم.
ويشدد فريق التقرير على ان الصراعات
الخارجية والنزاعات الداخلية عقبات خطيرة في وجه الأمن والتنمية، وإن أكثرها ضرراً
هو الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع للأراضي العربية الذي يتنكر لأهم الحقوق
الإنسانية للفلسطينيين. ومن نافلة القول، أن الكلف المادية للنزاعات والعقوبات
الاقتصادي وتأثيراتها الأخرى على تطور البلدان العربية تفوق القدرة على احتسابها.
النواقص
الثلاثة
إن
تحليلاً دقيقاً لمقياس التنمية البشرية يظهر أن مجال التفاوت بين الدول
العربية يوازي مستوى التفاوت في
العالم ككل. حيث نجد أن الكويت قد حصلت على درجة أقل بقليل من كندا التي هي في
مقدمة دول العالم، بينما حصلت جيبوتي على درجة معادلة لسيراليون وهي الدولة التي
حصلت على أدنى درجة في العالم ومن مقياس التنمية البشرية.
ورغم ذلك فقد حان الوقت للبحث فيما
وراء المقياس المحدود للتنمية البشرية كما يعبر عنه مقياس التنمية البشرية آخذين
بعين الاعتبار أهمية التحديات الأوسع للتنمية الانسانية كتلك المتعلقة بالحرية
والمساواة بين الجنسين واكتساب المعرفة. ويستكشف الكاتب الرئيسي لهذا
التقرير،كمساهمة شخصية منه، ميزات ومنهجية وتأثير مؤشر بديل يمكن أن يكون نقطة
البداية لأبحاث أخرى. حيث سيعيد هذا البديل من ترتيب جميع دول العالم لا الدول
العربية فحسب.
وعلى
الرغم من الاختلافات عبر المنطقة فإن هناك ثلاثة نواقص أساسية تواجه جميع الدول
العربية وهي نقص الحرية ونقص تمكين المرأة ونقص المعرفة.
نقص الحرية
يشير استخدام مقياس نقص الحرية إلى أن
الناس في المنطقة العربية كانوا الأقل استمتاعا بالحرية على الصعيد العالمي في
تسعينيات الألفية الأخيرة. وتؤكد مجموعة المؤشرات للتمثيل والمساءلة المشتقة من
قاعدة أخرى من البيانات الدولية هذا المستوى المتدني للحرية في المنطقة العربية.
وتشتمل هذه المجموعة على عدد من المؤشرات التي تقيس مظاهر متنوعة للعملية السياسية
والحريات المدنية والحقوق السياسية واستقلال الإعلام. وتأتي المنطقة العربية في
المرتبة الأخيرة وفق ترتيب لجميع مناطق العالم على أساس حرية التمثيل والمساءلة.
وما زالت المشاركة السياسية في المنطقة
العربية دون المستوى المتحقق في جميع مناطق العالم رغم الإنجازات المتحققة في بعض
البلدان العربية في ربع القرن الأخير.
وما زالت منظمات المجتمع المدني تعاني
من عقبات تحد من إنشائها وعملها بفعالية. وتشكل أهم هذه العقبات، المعيقات
البيروقراطية المتمثلة بسيطرة السلطات العامة على منظمات العمل الأهلي. ويتأرجح
الآن موقف السلطات العربية من الجمعيات الأهلية بين الرفض، والتوظيف، والحرية
المقيدة. أما الإعلام فهو في أحسن الحالات حر جزئيا.
نقص تمكيـن المـرأة
تبقى
نسبة استخدام طاقات المرأة العربية من خلال المشاركة السياسية والاقتصادية الأكثر
تدنياً في العالم. فما زالت المرأة
العربية تحتل 5,3% فقط من مقاعد
البرلمانات في الدول العربية مقارنة بحوالي 11% في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء و
12% في أمريكا اللاتينية والكاريبي. وفي عدد من البلدان العربية تعاني النساء
أيضاً من عدم المساواة في حقوقهن كمواطنات وفي الحقوق القانونية. وفي بعض البلدان
العربية التي يوجد فيها مجالس وطنية منتخبة ما زالت المرأة تحرم من الحق في
الترشيح والانتخاب. وما زالت واحدة من كل امرأتين عربيتين لا تعرف القراءة أو
الكتابة. ويعاني المجتمع ككل من تجميد نصف طاقاته المنتجة. وعلينا مخاطبة هذه
الثغرات في كل المجالات : الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية.
نقص المعرفـة
بالإضافة
للنقص في القدرات الذي تسببه نواقص النظام التعليمي هناك ثغرات خطيرة في المعرفة
تتضمن التالي :
·
شكلت النفقات العلمية عام 1996 نسبة 14,0% فقط من الناتج الإجمالي العربي
بالمقارنة مع 26,1% لكوبا و9,2% لليابان في عام 1995. كما نجد أن
الاستثمار في البحث والتطوير أقل من سبع المعدل العالمي.
·
إن استخدام المعلوماتية في الدول العربية
أقل من أي منطقة أخرى في العالم، حيث لا تتجاوز نسبة مستخدمي الانترنت 6,0%، ويملك 2,1% فقط من المواطنين العرب حاسوباً شخصياً.
لقد اتسعت الفجوة الرقمية بين البلدان
العربية والعالم المتقدم. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى أن تقانة المعلومات والاتصالات
بحكم طبيعتها ذات قابلية عالية للإحتكار والدمج، وإلى ارتفاع كلفة إنشاء البنية
التحتية لقنوات المعلومات فائقة السرعة، وإلى تزايد هجرة العقول العربية إلى
الخارج، وأخيرا إلى الاختلال الشديد في توزيع نطاق موجات الاتصال الأثيري في ما
بين الدول المتقدمة والنامية. فقد اصبح الفضاء المعلوماتي مكانا تسود فيه القوى
العالمية المتقدمة معظم مناطقه وزواياه.
وهناك تفاوت معلوماتي شديد بين البلدان
العربية، حتى تلك التي تتساوى في مستوى التنمية البشرية. وهناك عوائق تعمل على
توسيع هذه الفجوة الرقمية داخل كل دولة عربية أهمها عامل اللغة. وما زالت السياسات
العربية التي تحاول التصدي لفجوة المعلومات تركز على البنية التحتية لقطاع
الاتصالات. إلا أنه رغم أهميتها فإن مثل هذه السياسات لن تؤدي إلى النتائج المرجوة
ما لم تقم الدول العربية بإيلاء اهتمام مماثل لعنصر المحتوى. فمعظم المواد المتاحة
على الانترنت متاحة باللغة الانجليزية وهي لغة لا يتقنها إلا القليل في المنطقة.
وسيؤدي قلة المواد المتوفرة على الانترنت باللغة العربية إلى حرمان المواطن العربي
من المنافع المرجوة في عصر المعلومات.
الطريـق إلى الأمـام
تملك
المنطقة العربية موارد النمو، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو أين يجب
استثمارها للحصول على أفضل تأثير؟ حسب تقرير التنمية البشرية لعام 1996، نجد أن
الدول التي حافظت على التنمية البشرية والنمو الاقتصادي في آن بدأت أولاً بالتنمية
البشرية أو عملت في المجالين بآن واحد.
في العالم العربي تتصدر المجالات التالية
سلم الأولويات الاستثمارية التي يجب الاستثمار بها فورا: الحكم الصالح، وتحرير
الصوت العربي، وبناء القدرات المعرفية العربية وخفض نسبة الفقر باستخدام الطاقات
الإنسانية مع وجود مؤسسات عامة فعالة لضمان النمو الاقتصادي.
يحث التقرير الحكومات على النشر الكامل
للتعليم الأساسي مع إطالة مدته الإلزامية إلى عشر سنوات على الأقل، وتوسعة نطاق
التعليم بعد الأساسي بإطراد. ويدعو
إلى استحداث نسق مؤسسي لتعليم الكبار مستمر مدى الحياة وإلى دعم التعلم الذاتي
وصياغة علاقة تضافر قوية بين التعليم والمنظومة الاجتماعية والاقتصادية. كما يشير التقرير إلى وجود فرصة
أخرى للعرب للتعاون في مجال التعليم، خاصة في مجالات التعليم العالي، وتطوير
المناهج، وتطوير المقررات وتدريب المعلم وهي مجالات يوطد التعاون فيها جميعا وحدة اللغة العربية المشتركة.
ويكمن محرك التغيير في تطوير نسق
للحوافز المجتمعية يدعم التجديد والإبداع ويوفر الحوافز لمن يتبنون التطوير
ويكافىء المبدعين والعلماء ويوفر لهم فرصاً حقيقية للربح المادي والتميز في
المكانة الاجتماعية.
ويبدأ الاستثمار في المعرفة بوضع
برنامج واضح للاستثمار في مجال العلوم والثقافة والبحث والتطوير. ولا بد من زيادة حصة البحث والتطوير من
الناتج المحلي الاجمالي من مستواها المتواضع والذي يقل عن 5,0%
لتصبح 2% في نهاية العقد الحالي. وتستطيع المنطقة أن تستفيد من اقتصاديات الحجم
الكبيرمن خلال التركيز في مجال البحث والتطويرعلى الموضوعات ذات الاهتمام المشترك
وكذلك المتعلقة على سبيل المثال بندرة
المياه والنفط والصحة والمواصفات والمقاييس. كما يجب على الحكومات والمؤسسات أن تستقطب خبرات مليون عربي
مؤهل يعملون في الدول الصناعية.
وتستطيع المنطقة البناء على بعض التجارب الناجحة في البلاد في
مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كمدينة دبي للإنترنت والقرية الذكية في مصر،
لنشر تقانات المعلومات والاتصالات، إضافة إلى أنه يجب إعادة هيكلة قطاع الاتصالات
بحيث يضمن تخفيف القيود ويفتح المجال أمام المنافسة لتشجيع المستثمرين المحليين
والأجانب.
وهناك أولوية أخرى وهي الاستثمار في
الكوادر البشرية المتخصصة في مجال الحاسوب وفي تطوير برمجيات اللغة العربية تساعده
في نشر التعليم وتدريب البالغين والتعلم مدى الحياة وربط هذا كله مع الحاجة
الحقيقية لسوق العمل. وأهم من ذلك كله، هناك حاجة خاصة لبذل الجهود للنهوض بالنساء
من خلال تقانات المعلومات والاتصالات بحيث يتم الاستثمار في بناء خبراتهن في مجال
التقانة هذا.
كما
يرى التقرير أن المحتوى وهو أهم
عنصر في صناعة المعلومات لم يكن موضع الاهتمام المناسب، الأمر الذي يستدعي أن تبذل
جهود كبيرة من أجل تطويره . ويرى أن تعطى الأولوية للتوسع في رقمنة الأصول
التراثية بما فيها النصوص المكتوبة واللأفلام والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية ووضعها على شبكة الأنترنت. ويعتقد التقرير أنه لن يقود إلى التقدم ولن
يسوق الفنانين العرب والاختصاصيين
والعلماء والطلاب والمستثمرين إلى ميدان الإبداع في توفير النصوص والمحتوى الجديد
في مراسيم تذاع وأوامر تتلى، وإنما آفاق مفتوحة للعمل تهمزها إلى مجاريه الصحيحة
وقنواته السليمة إجراءات وقوانين مسهلة وإغراءات حافزة. ولقد أخذت الصحافة العربية
مركز القيادة في هذا المجال بنشر الصحف العربية على شبكة الأنترنت.
توظيف القدرات الإنسانية من خلال انعاش الاقتصاد
يرتبط
تحقيق نمو اقتصادي مستدام وعادل بشكل وثيق بكل من آلية وأهداف التنمية الإنسانية.
فتحقيق نسب نمو اقتصادي مرتفعة هو شرط ضروري، ولكنه ليس كافيا لمواجهة تحدي
التشغيل والتوظيف الكامل للقدرات البشرية ولمكافحة الفقر. إن إنعاش الاقتصادات
العربية يتطلب منهجا متعدد الأبعاد ويعتمد بشكل كبير على ترسيخ التنمية الإنسانية.
يؤكد
التقرير على الحاجة إلى تعبئة إمكانات القطاع الخاص من خلال سياسة مرنة ومحفزة
وبيئة ضبط حميد، إضافة إلى ذلك يتعين بخلق ظروف تمكن من العمل المشترك بين
القطاعين العام والخاص والقطاع الأكاديمي في مجالات البحث والتطوير بحيث يتم
التركيز على مجالات البحث والتطوير التقاني كثيفة المهارات البشرية عوضا عن تلك
كثيفة رأس المال، وبخاصة في مجال العلوم المعلوماتية مثل التقانة والرياضيات
والفيزياء والنظريات الاقتصادية. أما الحكومات، فيجب أن تتخلى عن معظم النشاطات
الانتاجية بينما تقوم على تقوية دورها التنظيمي لضمان الانفتاح والتنافس. ويجب أن
يكون الهدف تشجيع التنافس ليس على المستوى الاقليمي فحسب، بل عالميا. فمجمل الحديث
هو أن الأسواق المحلية أصغر من أن توفر قاعدة متينة لتنمية مستدامة تعتمد على
الخدمات والصناعة. ولهذا السبب، فإن التعامل المجدي مع العولمة يتمثل في الانفتاح
والاندماج البناء في الاقتصاد العالمي بحيث تشارك في تشكيله الدول العربية مجتمعة
من ناحية، وتستفيد منه من ناحية أخرى. ولهذا فإن الهدف من التكامل العربي هو ضمان
القدرة على المنافسة والبقاء في عالم اليوم، والذي يتطلب إما خلق اتحاد جمركي، أو
سوق مشتركة. ويمكن أن يجلب تعاون العرب قيمة إضافية إذا ما تم التركيز في المنطقة
على عدد قليل من مراكز التميز المتخصصة حيث تتوافر طاقات متفوقة. ويشمل ذلك تحلية
المياه في دول الخليج العربي، وبرمجة الكمبيوتر في مصر والأردن ولبنان، وصناعة
الفوسفات في المغرب وتونس، والبتروكيماويات في المملكة العربية السعودية.
إن
شرعية الدول ومؤسساتها ترتبط ارتباطا وثيقا بقدرتها على حشد الموارد في الحرب ضد الفقر. ويقتضي ذلك اعتماد نهج التنمية الإنسانية
وتخفيض نسب الفقر كمحور اساسي من محاور خطط التنمية الاقتصادية. فالتنمية
الإنسانية هي عنصر حيوي لنجاح المنطقة في تحقيق الانتعاش الاقتصادي وأن اولوية هذه
السياسة في الاقطار العربية يتجسد في خلق حلقة حميدة بين النمو والتنمية حيث يؤول
النمو الاقتصادي إلى تقوية التنمية الانسانية وتؤول هي بدورها إلى تعزيز النمو
الاقتصادي.
كما
ويجب إلغاء السياسات المثبطة لخلق الوظائف في خطوة نحو التشغيل الكامل. فمن ضمن
الإجراءات الضرورية، مراقبة سوق العمل والمساعدة في اتخاذ إجراءات لصالح إطلاق
القدرات البشرية الكامنة من خلال
التعليم والتدريب وأنظمة الرعاية الصحية وإعادة هيكلة المؤسسات.
وهناك
حاجة ماسة للتصدي لظاهرة تأنيث البطالة من خلال إزالة التمييز ضد المرأة في سوق
العمل بما في ذلك فروقات الأجور وتوزيع الوظائف بينها وبين الرجل. وهذا يستند إلى
إزالة الفروقات ما بين الذكر والأنثى في نظم التعليم والتدريب. ويتعين توفير قدرات
مؤسسية وإنسانية إضافية لتوسيع انتشار التمويل الصغير لأكبر عدد من الأسر الفقيرة،
حيث أن نسبة الأسر الفقيرة التي تستطيع حاليا الحصول على الخدمات المالية لا
يتجاوز 2%. وينبغي أن تكون الأولوية
للمرأة القادرة على العمل. وفوق ذلك، يجب توسيع شبكة الضمان والأمان
الاجتماعي وزيادة الإنفاق عليها من
2,0% إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي
نفس الوقت، هناك خطوات يجب اتخاذها لتحقيق النمو دون المساس بالبيئة والعمل على
حمايتها وإعادة إحيائها حسب ما نادى به وزراء البيئة العرب في شباط 2001 – اتفاق
أبو ظبي.
ويشير التقرير إلى أضرار الصراعات
والنزاعات، فهي لا تشكل مصدرا رئيسيا لعدم الاستقرار السياسي فحسب، وإنما تمثل
أيضا معوقات رئيسية أمام تنمية قوية ومستدامة. إن حل مشكلة المخاطر العالية للحروب
الدولية والإقليمية يتطلب إيجاد حل عادل وشامل للصراع العربي-الإسرائيلي باعتباره
يقع في قلب الأزمة السياسية في المنطقة. إضافة إلى ذلك، تتطلب مواجهة المشكلات
الناجمة عن الحروب الأهلية إعادة التفكير بشكل أساسي في أسلوب معاملة الأقليات
الثقافية والدينية في العالم العربي.
إن النهوض بالحقوق السياسية كوسيلة
لتعزيز التلاحم الاجتماعي والسلم الأهلي في العالم العربي يمثل ميدانا للسياسة
العامة يمكن أن يثمر عن عائد مرتفع للتنمية الاقتصادية والسياسية.
تعزيز الحكم الصالح
لا
يمكن إدراك درجات التنمية الإنسانية في الأقطار العربية ما لم توفر أسبابها، وتؤسس
شروطها في أطر من أنساق الحكم الصالح.
يتطلب إصلاح جوهر الحكم، من خلال إصلاح مؤسسات الدولة وإعلاء صوت الناس. ومن أهم المؤسسات التي يجب أن يتصدى لها
الإصلاح مؤسسة التمثيل والتشريع والتي تعتبر حلقة الوصل الأساسية بين نظام الحكم
والشعب. فتحريرالطاقات البشرية في الأقطار العربية يتطلب تمثيلاً سياسياً شاملاً
في مجالس تشريعية فاعلة تقوم على انتخابات حرة وأمينة وكفؤة ومنتظمة. كما ينبغي أن يستصحب هذا الإصلاح إعادة
هيكلة الإدارة العامة فهو ضرورة ملحة في الأقطار العربية. فالحكومات وموظفو القطاع
العام بحاجة إلى أداء مهامهم بشفافية وبشكل فعال وكفؤ. كما أن مؤسسات القطاع العام
بحاجة إلى إعادة هيكلة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار والنمو من أجل القضاء
على الإحتكار والتخلص من الفساد والمحاباة.
ويشكل التطوير القانوني صلب عملية التطوير المؤسسي في الدول العربية لأن
سيادة القانون كما تتمثل في المؤسسات القانونية والقضائية، هي حجر الأساس الذي
تبنى عليه مؤسسات الحكم الأخرى بما في ذلك نزاهة وعدالة التمثيل النيابي وكفاءة
مؤسسات الدولة. وينبغي أن يركزإصلاح
النظام القضائي في البلدان العربية على أن يكفل القانون والاجراءات الإدارية
المرتبطة به حقوق المواطنين وأن يكون متسقاً مع حقوق الإنسان الأساسية ولا سيما
الحقوق المتصلة بحرية التعبير والتنظيم، يكفلها ويحميها قضاء مستقل ينفذ حكم
القانون بنزاهة. وقد تم وضع برنامج عمل لتحقيق ذلك في أول
مؤتمر عربي معني بالعدالة في عام 1999
الذي أصدر إعلانا بإسم "اعلان بيروت بشأن العدالة."
إن
تحرير القدرات الطاقات البشرية إعلاء صوت الشعب، الذي يتحقق من خلال تعزيز الحكم
المحلي وتنمية العمل الأهلي وتشجيع صحافة حرة ومسؤولة. ولا يشمل تقوية مؤسسات
الحكم المحلي اللامركزية ومتابعة آليات العمل فحسب، بل يجب أن يضمن مشاركة أكثر
فاعلية للناس، خاصة الفقراء، وفي الدفع بإتجاه تفعيل الخدمات الأساسية مثل التعليم
والرعاية الصحية. أما تنمية العمل الأهلي فيتحقق من خلال أمرين، أولهما إزالة
العقبات الإدارية القانونية التي تعيق إنشاء منظمات المجتمع المدني وعملها
بفعالية، وثانيهما، أن تعمل منظمات المجتمع المدني نفسها إلى حركة جماهيرية واسعة
الإنتشار، تقوم على العمل الاجتماعي الجماعي والقابل للإستمرار بالموارد الذاتية.
وهناك
أمثلة عربية يحتذى بها في مجال تطوير المؤسسات السياسية للدول، منها الجهود التي
تبذل حالياً في تعزيز التمثيل الديموقراطي في أقطار مثل المغرب والبحرين. ومن
التجارب المضيئة في إعلاء صوت الناس، الدور الذي تلعبه بعض المنظمات المعنية
بالنهوض بالمرأة في العالم العربي.
ويبقى
الاحترام الكامل للحريات وحقوق الانسان حجر الزاوية لحكم صالح يستطيع فتح المجال
أمام الإبداع ويساعد على تقوية وتفعيل المشاركة الشعبية ويؤدي إلى تنمية إنسانية
متكاملة.
وأخيرا، يلاحظ التقرير أن الأقطار
العربية تقف عند مفترق طرق. والخيار الأساسي هو: هل تستمر حركة المنطقة في التاريخ
محكومة بالقصور الذاتي، بما فيه دوام البنى المؤسسية وأنماط الفعل التي أنتجت
الأزمة الراهنة في التنمية، أم سيقوم في المنطقة مشروع للنهضة غايته مستقبل زاهز
لأبناء الوطن العربي لا سيما أجياله القادمة.
(1) ينشر برنامج الأمم
المتحدة الإنمائي أول تقرير حول التنمية الإنسانية العربية ضمن سياق عام يقول أن: " التنمية الإنسانية في هذه المنطقة
لا ترقى لمستوى غناها "
لقد
تم تحقيق مكاسب حقيقية
"لقد
تمكنت المنطقة العربية من تخفيض معدل الفقر وعدم المساواة بشكل كبير في القرن
العشرين ،وتستطيع أن تحقق ذلك مرة اخرى في القرن الحادي والعشرين"، هذا ما
خلص إليه أول تقرير عن التنمية الانسانية العربية، والذي قام بانجازه فريق مستقل
من الخبراء العرب ونشره المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة
الإنمائي بالاشتراك مع الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي.
لقد
أحرزت معظم الدول العربية تطوراً ملموساً في العديد من نواحي التنمية الإنسانية،
حيث ازداد العمر المتوقع عند الميلاد بحوالى 15 سنة خلال العقود الثلاثة الماضية وانخفض معدل وفيات الأطفال
بمعدل الثلثين.ويقدر أن معدل الفقر المدقع (أي الحصول على دخل يقل عن دولار واحد
يومياً) أقل منه في أي منطقة نامية أخرى.
ولكن
هناك نواقص أساسية تعيق التنمية الإنسانية فى المنطقة
لم
تتطور البلدان العربية بالسرعة التي تطورت بها مناطق أخرى، ويعود ذلك بشكل رئيسي
لافتقار المؤسسات الحكومية للشفافية والمساءلة. كذلك نجد أن مشاركة المرأة في
العمل وفي الحياة السياسية والمهنية أقل مما هي عليه في بلدان العالم الأخرى.
وعلـى الرغم من التطور
الملموس في عدد طلاب التعليم الإلزامـي إلا أن قرابة 65مليون راشد ما زالوا
أميين،ثلثاهم من النساء. ولا يزال هناك حوالي 10 ملايين فتى وفتاة خارج المدارس.
ويقل الاستثمار في البحث والتطوير التقانى عن سبع المعدل العالمي. كما إن استخدام
شبكة الانترنيت في الدول العربية أقل منه في افريقيا جنوب الصحراء. وما زال خمس العرب
يعيشون على اقل من دولارين في اليوم. ويبقى التعاون العربي حلماً لم يتحقق على
الرغم من اهميته في جعل المنطقة قادرة على البقاء والمنافسة.
منظور التقرير: عقبـات فى سبيل التنمية
الإنسانية
لا
يعتبر نقص الموارد العائق الرئيسى لأداء أفضل. إن مقولة أن المنطقة "أغنى مما
هى متقدمة" هي ركن أساسي لهذا التحليل. ويؤكد هذا التحليل على أن ما تحتاجه
المنطقة لضمان مستقبل لامع للأجيال القادمة هو توافر الإرادة السياسية للاستثمار
في القدرات البشرية والمعرفة فى المنطقة العربية، خاصة قدرات ومعرفة النساء العرب،
وفى إقامة الحكم الصالح والتعاون الوطيد بين الشعوب العربية.
على المنطقة العربية،
فى نظر التقرير، أن تقيم حكماً صالحا قائما على الشفافية وخاضعا للمساءلة، على
المستويات الوطنية والمحلية والقومية، مبنياً على أصول أخلاقية نبيلة بالإضافة
للتقاليد الدينية والثقافية. وعلى الحكومات تشجيع خلق أسواق تكون بمتناول عامة
الناس تسمح بالمشاركة التامة والتمتع بعوائد النشاط الاقتصادى بعدالة. وعلى الدول
العربية أن تحافظ على دورها في تأمين الخدمات الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم.
حينها فقط تستطيع المنطقة أن تتقدم في مجالات التعليم والعلوم والتقانات
والمعلوماتية وتتمكن من إيجاد حلول للنواقص في القدرات البشرية والمعرفة بالمقارنة مع الدخل. وبالإضافة إلى ذلك،
لن تستطيع المنطقة التغلب على النقص في تمكين المرأة الاعندما تقضي على عوائق
المشاركة الكاملة للمرأة في الاقتصاد والسياسة.
يرى تقرير التنمية الانسانية العربية أن
الصراع العربي - الإسرائيلي هو عامل مساهم في النقص الديمقراطي في المنطقة لكونه
سبباً وحجة لتعطيل برنامج التنمية، حيث يعرقل هذا النـزاع الأولويات الوطنية ويؤخر
النمو السياسي في المنطقة ككل،في حين يقمع بشكل مباشر تطور الفلسطينيين الذين
يرزحون تحت الاحتلال أو كلاجئين أو في المنفى.
ما الهـدف مـن هـذا
التقريـر؟
يشرح
مارك مالوك براون، المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أنه مـن "
المهم أن نسأل عما تقوم به المنطقة للسماح لمواطنيها بالصوت السياسي وبالاستجابة
لطموحات جميع الرجال والنساء الاقتصادية والاجتماعية ".
ونجد
أن المنطقة العربية،وراء الأحداث اليومية، تواجه مفترق طرق رئيسى تحتاج فيه إلى
تقييم مستقل. وتشير ريما خلف هنيدي، مساعد المدير العام ومدير المكتب الإقليمي
للدول العربية "إن التشخيص الدقيق لأي مشكلة هو جزء هام من حلها.إن غنى
التحليل الموضوعي وغير المتحيز الذي يحتويه هذا التقرير هو جزء من مساهمتنا للشعوب
العربية وصانعي السياسة العرب في البحث عن مستقبل أكثر إشراقاً".
وقد أعـدّ التقرير فريق مستقل من
الباحثين العرب بمشورة لجـنة رفيعة المستوى من المستشارين. وكما هو الحال بالنسبة
لجميع تقارير التنمية الانسانية، لاتعبر استنتاجات التقرير بأي شكل من الأشكال عن
سياسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،ويشير المدير العام مالوك براون إلى
"أن هذا التوضيح أمر مهـم فمن أعد هذا التقرير هم خبراء مستقلون من المنطقة
وليس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. حيث قام
هؤلاء بدراسة مجتمعاتهم بشكل يعبر عن انتمائهم لها ولكن بنظرة ناقدة، وكشفوا عن
نقاط ضعفها بإخلاص. إذاً هذا التقرير ليس وجهة نظر دخيلة ولكن نظرة صادقة تعكس
الواقع وتتطلع إلى مستقبل أفضل لعموم الناس فى المنطقة.
(2) العالـم
العربي: لنـدع الأرقـام تتحـدث
تختلف المنظمات الدولية في تعريفها
للإقليم العربي. ويعرف التقرير المنطقة العربية على أنها تضم الـدول (22) الأعضاء
في جامعة الدول العربية.
وتتوافر
للدول العربية قاعدة اقتصادية متينة لتحسين التنمية الإنسانية. فالمردود لكل فرد
أعلى منه في معظم المناطق النامية. وفي حين يتفوق العرب على أفريقيا جنوب الصحراء
وجنوب آسيا في التنمية الإنسانية، ما زالوا أقل من أمريكا اللاتينية ودول البحر
الكاريبي وشرق آسيا في مقياس التنمية البشرية حسب تقرير التنمية البشرية
العالمي،كما هو مبين في الشكل (1).
شكل 1
موقع البلدان العربية من مناطق العالم النامى على مؤشرات التنمية
البشرية، 1998