اعتاد الناس رؤيته رئيسا

 

 

محمود عباس صالح

 

الناس مخلوقون لكي يقوم كل منهم بوظيفته في الحياة، فمنهم المدرس والطبيب ومنهم رجل الأعمال ورجل الجيش، وغير ذلك من مهن الحياة المختلفة، ومع مرور الزمن في ممارسة مهام الوظيفة يتعود عليها الإنسان وتصبح جزءاً من تكوينه الشخصي، ولا يستطيع الإنسان أن يتخيل نفسه في غير وظيفته، فالمحال على المعاش تقابله متاعب نفسية وهو يرى نفسه غير قادر للذهاب عمله وممارسة مهنته، فقد أصبح العمل نظام تعود عليه في حياته.

 

ورئيس الجمهورية في البلاد العربية من ضمن المهن التي يعتاد عليها الشخص الذي يمارسها، فإن تولى الرياسة لا يستطيع أن يرى أو يتخيل نفسه في خارج إطار الوظيفة سواء أدى مهامه الوظيفية بشكل جيد أم لا.

 

والرئيس ياسر عرفات اعتاد أن يكون رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويتعامل مع كل الأمور الخاصة بالقضية الفلسطينية من هذا المنطلق، ولا يستطيع أن يرى نفسه في غير هذا الموقع، وهو يحاول أن يضع نفسه رئيساً لجمهورية فلسطين بعقلية رئيس منظمة رئيس منظمة، فكونه رئيساً لمنظمة معناه الكفاح والنضال من أجل استرجاع الأرض المسلوبة والحقوق المهضومة، وكانت سياسته نوع من الاستنكار والشجب والتنديد والتهديد والوعيد، والاستعانة بدول أخرى للوقوف معه في أزماته مع العدو المحتل.  ولما أصبح له جزء من الأرض حاول أن ينصب نفسه رئيساً للجمهورية، وأول ما فعله هو بسط البساط الأحمر على الأرض والوقوف والانحناء أمام الأعلام التي تستقبله في كل مكان يذهب إليه، وهو مازال لابساً ملابس الجهاد التي ارتداها منذ أصبح رئيساً للمنظمة، وبين المنصبين خلاف كبير، فرئيس منظمة عقليته أكثر ميلاً للمغامرات، وحماسه لقضيته في المحافل الوطنية والقومية والدولية بلا حدود لكسب تعاطف شعوب العالم لقضيته، لا يهم أن يعرف في السياسة أو الاقتصاد، وغير مطلوب منه أن يفهم في المحاورة والمداورة في المناقشات والمباحثات، فبعد أكثر من ثلاثين عاماً كرئيس لمنظمة كافحت وكافح معها في المحافل الدولية حتى أخذ جزء من الأرض، وأضاع هذا الجزء الآن لأنه اعتاد على العمل بهذا الأسلوب أسلوب رئيس منظمة.  لا أحد يشك في وطنية السيد ياسر عرفات هذا خارج نطاق المناقشة ولا يقدر أحداً أن يخوض فيه، لأننا كلنا نعرف مدى التضحيات الجسام التي ضحاها ومحاولات الاغتيال التي تعرض لها على مدى حياة كفاحه في سبيل قضية فلسطين، ولكن لكل مقام مقال.  ويجوز لو أتيح للفلسطينيين أن يقودهم رجل له مقومات رئيس جمهورية فمن الممكن أن يحصلوا على مكاسب أكثر من التي أحرزها ثم أضاعها ياسر عرفات.