مشهد العالم العربي المعاصر
بقلم : عبدالرؤوف التل
من يراقب واقع العالم العربي، ويقرأ تاريخه،
ويتأمل في جغرافيته الممتدة هذا الامتداد الكبير في افريقيا واسيا، والذي لعب دورا
هاما في التاريخ، يتساءل لماذا هذه الاخفاقات المتتالية للعرب؟؟ اليس لهم تاريخ؟
الم يكن لهم قادة سياسيون وقادة عسكريون عبر عصورهم الماضية وفي حاضرهم واليست
السياسة علما قديما هو فن تحقيق الممكن؟ اليست التجارة ممارسة انسانية قديمة هي
تبادل المنافع بين البشر، ومن ثم تحقيق الرفاهية للشعوب وان التجار العرب اقتحموا
القرارات ووثقوا علاقات امتهم بالامم الاخرى، الم يكن للعرب شأن كبير في السياسة والتجارة،
الم يعرف تاريخ العرب عقول علمية ضخمة اسهمت في تطور العلم في العالم وتقدم
الحضارة على امتداد القارات الخمسة؟
مشهد الواقع العربي الان عجيب غريب تراجع في
كل المجالات، هزائم على كل الاصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، تغول الدول
الكبرى على العرب وحدهم، وجعل اسرائيل والحركة الصهيونية لهم بالمرصاد، تسلبه
ارضهم، وتقمع دولهم، وتضعف امكانياتهم، وتترصد حركتهم في كل الاتجاهات، حتى اصاب
الترهل شعوب العرب وحكوماتهم واصبحت اعجز عن مواجهة الخطر الكبير المحيط بهم من كل
الجهات، وفقدوا القدرة على احداث رد الفعل متخطين القاعدة التي تقول لكل فعل رد
فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه وكأن هذه القاعدة لا تنطبق على العرب
بعد ان فقدوا خصائصهم ومزاياهم التي كانت لهم حتى وقت قريب.
العرب يعيشون الان واقعا غير مقبول على
الاطلاق ولا يمكن ان يحقق نهضة، او يخلص من محنة كبيرة ذات ذيول خطيرة وعميقة، ما
لم تكن هناك مراجعة شاملة وكاملة متجردة، تعتمد على العقل وتفكر بهذا الواقع الذي
وصلت اليه الامة، لعل هذه المراجعة تقود الى النهوض والخلاص من المحنة التي نعيش.
لا بد ان تعود الروح للعرب، وعودة الروح،
تعني عودة الوعي الذي فقدناه بحقيقة الواقع الذي تعيشه الامة، والذي يتمثل
بالانكشاف الحضاري امام اعداء الامة والطامعين بها في كل المجالات، لسنا الامة
الوحيدة التي هزمت عسكريا وتعرضت للغزو من الخارج وليست هي المرة الاولى التي
يتعرض فيها العرب للغزو والانكسار، فأمم كثيرة تعرضت للغزو والهزيمة العسكرية
ولكنها لم تهزم حضاريا بل بقيت محافظة على قيمها الحضارية واصالتها حتى استطاعت ان
تعود ثانية الى قيادة مصيرها بنفسها، والعرب في التاريخ تعرضوا للغزو والانكسار
امام الغزاة ولكنهم لم يهزموا حضاريا وبقيت روح الحضارة الاسلامية كامنة في
اعماقهم تحركهم وتدفعهم لخوض المعركة بجسارة وشجاعة حتى ينتصروا على غزاتهم
وجيوشهم الجرارة.
بسبب الانكسار الحالي للامة، اصبحت تعول
وتعتمد على الآخرين في حل مشاكلها، وتنتظر منهم ان يساعدوها حتى تخرج من حالة
الانكسار الذي تعيشه، ودليل ذلك اننا نأمل ان تساعدنا الولايات المتحدة واوروبا
على اخراجنا من المأزق الذي نعيش، فمنذ ما يقرب من نصف قرن ونحن نأمل من
الانتخابات في الولايات المتحدة عندما تنتهي، ان تحل قضايانا وتتفهم الادارة
الجديدة المشاكل التي نعاني منها فتأتي ادارة وتذهب ادارة والمشاكل والقضايا قائمة
وحالة الانكسار تتعمق اكثر واكثر، ولا احد يلتفت للمأساة التي نعيشها، بل العكس
نشاهد ان كل ادارة امريكية ترتفع الى سدة الحكم تضع نصب اعينها في منطقتنا العربية
هدفين لا ثالث لهما امن اسرائيل المحتوم وضرورة تأمين تدفق النفط، اما ما يحدث
للمنطقة العربية من تسلط عسكري اسرائيلي عليها فهو ليس ذا بال، بل يجب ان يبقى
التفوق العسكري لاسرائيل على حساب العرب والمسلمين جميعا.
من يراقب المشهد العربي يرى الخطاب السياسي
الاعلامي الرسمي لدينا اصبح لا يهتم بما يحدث في المنطقة العربية بل يهتم بتحليل
ما يحدث في العالم بأسره فيحلل مجريات الاحداث في اوروبا وامريكا والصين وروسيا،
ويحدد مسير اتجاه الرأي العام خارج اطار العالم العربي ويرصد مختلف الاتجاهات، اما
الواقع المر الذي تعاني منه الامة العربية فهو لا يعني هذا الخطاب.
من يراقب المشهد العربي يجد ان الآخرين عندما
يدرسون واقع المنطقة العربية او يلتقون مع صناع القرار فيها، لا يفكرون بما تحتاجه
المنطقة من امن او سلام او تنمية اقتصادية واجتماعية وانما ينظرون اليها من خلال
حساباتهم ومصالحهم الخاصة ومدى تأثير ما يجري عندنا من احداث خطيرة على مصالحهم
فقط اما مصالح شعوب هذه المنطقة العربية فليست في حساباتهم. وذلك كله بسبب اننا
ندور في فلكهم ولا ننظر الى واقعنا وخلاصنا من هذا الواقع، لا يتحقق الا بإرادتنا
ووفق الرؤية الحقيقية لمعرفة ذاتنا ودورنا الذي يجب ان نقوم به نحن لتحقيق مصالحنا
وتأمين الامن الوطني للعالم العربي بأسره.
مشهد الخطاب العربي المعاصر سواء كان خطابا
قوميا او اسلاميا بحاجة الى النقد والتقويم لانه خطاب لا ينهض بأمة ولا يساعد على
احداث التغيير المنشود من حالة التخلف التي نعيش الى حالة التقدم من حالة الانكسار
الحضاري الى حالة النهوض الحضاري الذي يجعلنا نقيس الامور بمقياس العقل والحكمة
ونحدد علاقتنا مع الاخرين وفقا لحساباتنا الخاصة ولا نجعل الاخرين يفكرون لنا وفقا
لحساباتهم الخاصة التي تحقق مصالحهم وتطلعاتهم. الخطاب القومي، خطاب عاطفي وحماسي
لا يخاطب العقل بل يعمل على اثارة الحماس وهو في مجمله ليس اكثر من ظاهرة صوتية
ليس فيه عقل، ولا يحتوي على الحد الادنى من النقد الذي يجعلنا نعرف انفسنا ومن ثم
نعرف الاخرين.
اما الخطاب الاسلامي الذي اوصى به الله عز
وجل نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام فقد تحول من قوة دافعة للتغيير منظمة للحياة
وفق المنهج القرآني فقد تسلم امر هذا الخطاب مجموعة من المنتفعين بالتدين المنقوص
وتحول على يدهم بعد تفريغه من قوته وطاقته الهائلة للعمل والاجتهاد والتفكر في مخلوقات
الله سبحانه وتعالى وربط الاسباب بالمسببات وان التقدم والازدهار لا يتحقق الا
ببذل الجهد، لقد تحول الخطاب الديني الاسلامي الى ادعية ووعظ خال من روح حيث نطلب
ان يبدد الله شمل اليهود وان ينصرنا عليهم نصر عزيز مقتدر.
المشهد العربي المعاصر مريع يظهر الامة انها
في حالة من انكسار حضاري قبل الانكسار العسكري والاقتصادي فهو يبين ان الاخرين في
العالم يواجهون مشاكل الحياة والطبيعة بالعلم والعمل والتنظيم المؤسس الذي يجعل كل
فرد في المجتمع يعرف المكان الذي يقف عليه ويعرف دوره الحضاري الذي لا بد ان يؤديه
بكل صدق واخلاص، اما العربي المعاصر فان مشهده محزن ومخيف فهو لا يعرف اين يقف ولا
ما هو دوره في هذه الحياة ينفر من العمل المؤسسي المنظم يعيش انانية مفرطة لا يحقق
لوطنه وامته اية مصلحة، لذلك نجده يقف على هامش الحياة والاحياء.
المشهد العربي مأساوي لا بد ان يتغير وذلك بتحريك
الفكر واطلاق الطاقات الكامنة ورفع الصوت عاليا من قبل كل حر يريد لامته التقدم،
ان يرفع صوته مطالبا بالتغيير والاصلاح وحتى لا تنطبق علينا اسطورة المدينة التي
قتلها الصمت وذلك عندما رأوا العدو يتقدم بجيوشه واسلحته الفتاكة نحو مدينتهم
ويدمرها لكن الصمت حبس السنتهم داخل افواههم فلم يتكلموا وقال الناجون من العدو
نحن ابناء المدينة التي قتلها الصمت.
وبالتأكيد فإن ارادة الله سبحانه وتعالى جعلت
التغيير لا يحدث الا من داخل النفس لانه عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما
بانفسهم عند ذلك يتغير المشهد العربي من حالة السلبية والسكون الى حالة الايجابية
والحركة التي تجعل صوت امتنا يعلو على كل صوت.