مفاوضات اللحم والحديد!

 

بقلم : خيري منصور

 

  

لم يخطر ببال الدبابة وهي تثرثر »بعبرية« فصحى ان اللحم الذي تعلكه باضراسها الفولاذية سيعثر هو الاخر على فصاحته، لان ثنائية التحدي والاستجابة هي قدر هذا التاريخ الذي لم يلحقه احد باسطبلاته وبقي مجالا حيويا واحيانا وحشيا لمفاوضات تتم بين الحديد واللحم، عبر لغة لا سبيل الى تأويلها او اللعب على كلماتها.

ولسنا هنا في لحظة الاشتباك قبل الاخيرة بصدد المفاضلة او المراذلة بين دفاع وآخر، ومقاومة وأخرى، ما دام القاتل لم يدخر سلاحا لم يستخدمه للتنكيل بالضحية، ومحاولة اخراسها الى الأبد، فهؤلاء الذين يموتون في ساحة عامة او حافلة او حتى جامعة، قد يدركون بعد فوات الاوان ان قاتلهم من صلبهم، وانه باختصار الجنرال الذي وعدهم بالمزيد من الامن والحياة، لكنه في الحقيقة كان يوفر لهم اسبابا متجددة كل صباح للموت، لانه اعلن شعاره الاخرق عندما قال نحن او هم اي الاسرائيليون او الفلسطينيون.

هكذا ورط شعبا قد لا يكون كله شريكا في القتل، وحوله الى مطلوبين لورثة الدم، لا العقلانية الباردة المصفاة من وجع الضمير وشقاء الوجدان، ولا الانفعالية التي تصيب العقل بالعمى هما الطريقان الوحيدان المقرران علينا ونحن نقرأ هذا المشهد الدامي، فالأمر اعقد من هذه الاختزالات التي توزع العدالة بميزان اعرج.

باختصار، ثمة احتلال يتكرر يوميا، ويتمدد ايضا نحو المزيد من الارض والبشر والسماء وهو اول اسباب الموت وآخرها.

والفلسطينيون ليسوا عشاق موت بقدر ما هم عشاق حياة، يشهد على ذلك الاخضر الذي يغطي بلادهم، والاشواق البريئة التي تنزن من اغانيهم، وحكايتهم الباسلة، فهل المطلوب من اللحم المتبّل بذلك التراب القدسي ذي الملوحة الرسولية ان يواصل صمته وسلاسته بين اضراس الحديد، وأمام فصاحة الدبابة؟

ام انه وفقا لنواميس الكون وسنة التاريخ والصراع من اجل البقاء سيبتكر دفاعاته ومقاومته، حسب مقاسات ألمه، لا حسب وصفات العدالة العرجاء، والقضاء الأعور؟ لقد تجاوز حوار اللحظة ما قبل الاخيرة عض الاصابع الى قضمها، واندفع التاريخ الى اقصى وحشيته تحت سياط ودبابات الاحتلال الاعمى الذي بدأ يأكل نفسه بدءا من الذيل!