مساءُ عائلة

 

بقلم : ربيحة علان علان

 

 

 

كعادتها هذه الأيام تظل " أمينة" خلال الساعات التي يقضيها زوجها " عبد الله" في عمله قلقة تذهب بفكرها يمينا وشمالا .. "هل وصل ؟ ربما لم يصل ؟ هل يعتقل ؟ أم يوقف في الطريق لساعات تحت هذا الحرّ القائذ ..إنه حساس للشمس تربى مترفا ومدللا عله لن يحتمل طويلا .. هل مرّ متسللا كعادته ..فيعرض نفسه للخطر .. ماذا عساي أن أقول : إلا يا رب ...اللهم أني لا أسألك رد القضاء لكن أسألك اللطف فيه .. يا رب "..

ثم تبدأ بالاتصال به من فترة لفترة .. وإن تأخر !!؟؟

أمينة : ألو .. السلام عليكم . . عبد الله ..أين أنت ؟؟

عبد الله : وعليكم السلام .. أنا مازلت في عملي .. قليلا وأعود

أمينة : ولماذا لم تنته بعد ..أمامك ساعة فقط مسموح فيها التجول بالكثير تكفي لطريق العودة قبل أن يغلق الصهاينة الطريق في وجوه العائدين من عملهم ..

عبد الله : سأنتهي حالا ، لا تقلقي يا حبيبتي وتوكلي على الله .. هل تطلبين شيئا من هنا

أمينة : أريدك أن تعود سالما وبلا "نكد" ؛ كفانا "نكد" الأمس ونرفزتك على الصغار ..

عبد الله : والله .. إن عذبونا على الحاجز سآتيكم منكد غصب عني وإن مررنا بسهولة ودون مشاكل أيضا رح أنكد عليكم - وضحك

أمينة : - تضحك - ونحن نحبك ونحب نكدك .. فأرجوك تحمل واصبر وانتظر مع الآخرين ولا تتسلل لا من تحت العنب ولا من جانب المستوطنة ولا من هون ولا من هون ..

أنهى " عبد الله " عمله بسرعة وعاد من عمله في رام الله إلى منزله في قرية قريبة . ها قد وصل الحاجز إنه منهك للغاية يعمل فوق طاقته وتتراكم عليه خسائر مادية نتيجة الوضع العام في البلاد .. أين هو الآن من أحلام الأعوام السابقة حيث خطط وتوكل على الله يبني ويؤسس لحياة كريمة مترفة .. الآن لا همّ له سوى أن يكفي عائلته الصغيرة .. وأن يوفر لأطفاله أقصى ما يمكن من ضروريات الحياة ..

يقولون له دوما : "أنت تخاطر بحياتك ؛ أنت متهور تخترق الجبال والحواجز بجرأة كأنك لست رب أسرة ؛ لكنه على عكس ما يقولون من أكثرهم حرصا على حياته ؛ يرقب الأوضاع بذكاء ثم يتصرف بجرأة وتوكل على الله .. يقول لمن حوله في الصباح ضاحكا مازحا :" هل ستنتظرون هنا لخمس ساعات كما يأمركم الجنود ؛ ومتى ستعملون ؟؟ هل نحن سنذهب لنحب أم لرزق عيالنا ؟؟ هيا توكلوا على الله من هناك .."

كانوا يرونه دوما أنيقا يرتدي الفخم الغالي من الملابس والآن يرونه يكرر ارتداء هذه الملابس القديمة الباهتة ألوانها .. يركض هنا وهناك يتصبب عرقا كفلاح من العصور الوسطى ولا يبالي .. يسألونه :" يا عبد الله .. أين ذهب الرغد من العيش أين الدلال ومتعة الحياة .. ما الذي حل بك وبنا .. لماذا نزداد كل يوم فقرا وضنكا في العيش ونحن نعمل ؟؟" يقول عبد الله :" أي متعة تريدون .. هل في الدنيا أجمل وأعظم متعة من صمودكم .. من وجودكم هنا .. لكل شيء ثمن وهذا ثمن نعمة يرجوها القاسي والداني ، أنتم فوق الأرض المقدسة وعندما تنتهوا تختلطوا بترابها .. إن أغرب الأزهار وأدعاها للإعجاب ؛ تلك الزهرة التي تنبت من رحم الصخر "

الطريق أمامنا مغلقة يا عبد الله .. نحن في الوسط خلفنا مدينة أُغلقت وأمامنا منازلنا طريقها مغلقة ..

أمينة : ألو .. عبد الله .. ماذا هناك ؟؟ لماذا تأخرت إلى هذا الوقت ؟؟

عبد الله : أنا قادم إن شاء الله لكن أدخلي الصغار لغرفهم لا أريدهم أن يروني وأنا أدخل المنزل

أمينة : لما .. عسى ما شر ؟؟ هل أنت بخير ... إنهم ينتظرونك منذ ثلاث ساعات ؟؟ ما الذي حدث وما هذه الأصوات حولك ؟؟

عبد الله : لا .. لا شيء .. أنا بخير ، الحمد لله .. قليلا وأصل البيت إن شاء الله .

وصل عبد الله البيت ، فتحت أمينة الباب .. فراعها ما رأت ؟؟ تغير لونها وكادت تصيح أو يغمى عليها غير أنها تداركت نفسها فأخذت بقلب يرجف ويدين ترتعشان تتفقد رأس زوجها وذراعيه وهو يتوجه نحو غرفته كي لا يراه الصغار فملابسه مليئة بالدماء ودماء غزيرة حتى تشبعت ملابسه منها فبدا كأن الدماء خرجت من شراينه وعلى وجهه آثار الدم كأن يدا ملطخة بالدماء قد لامسته ..

ألقى جسده المنهك فوق السرير وتنهد طويلا ؛ وهي تنظر إليه .. تدارك ذهولها ققال :" جارنا .. مروان .. أنت تعلمي أنه ضعيف السمع .. وتظنيه أحيانا لا يسمع نهائيا .. المسكين .. ونحن عائدون من العمل ظل يسير ولم يلحظ وجود جنود على الطريق الجبلي .. حذره جندي من بعيد أن يعود للخلف لينتظر مع الواقفين لكنه لم يسمع ولم يرى الجنود ويبدوا أنه كان متعبا جدا ومشغول البال فلم يلتفت إلينا أيضا وظل يسير ، الجندي ظنّ أن مروان يتحدى الجنود فأطلق عليه عدة رصاصات متتالية أصابه منها ثلاث ؛ هرعنا قرب الجنود نخبرهم أن مروان رجل لا يسمع ، وبعد وقت طويل سمحوا لنا بنقله إلى المستشفى .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. .. هل الصغار ناموا هل تناولوا العشاء .. تذكرت الآن ؛ لقد اشتريت لكل منهم حذاء لكني تركتها دون أن أشعر هناك يوم أسرعت لنقل المسكين "مروان " ..

أمينة تتدارك نفسها وتحاول الخروج من حالة الذهول التي تغشاها.. فجلست على مقربة من زوجها تحاول مساعدته في خلع ملابسه ، فتقول :" حسام انتظرك ولم يكن يريد النوم .."

عبد الله : لماذا .. خيرا ؟

أمينة : اليوم ملأ لي البيت صراخ وضجيج وهو يقفز هنا وهناك فرحا بطائرته الورقية .. سأريك إياها إنها أكبر من إبنك لا أدري كيف نجح في جعلها تطير وفيها لفافة خيط تجعلها تصل للسحاب ..

عبد الله : وكان يريد أن ألعب معه بها ؟؟

أمينة : لا .. كان يريدك أن تشتري له أربع لفافات خيط أخرى من النوع المتين .. يقول إنه نوى أن يصل بطائرته الورقية إلى وسط مستعمرة بيت إيل العسكرية .. ما رأيك ألم يصدقوا في المثل يوم قالوا :" فرخ البط عوام" ..

عبد الله كأنه يضحك .. هي تحاول أن لا تبكي ..

 

برقية اعتذار

قبل أن تطلق النار أبرقت لك اعتذار

صرخ الناجون : في جنين "مذبحة" .. أعتذر عنهم وعني سقطت "الكلمة" سهوا ؛ تلك لغتنا لم تدخل عصر التنوير ، فلم ندرك لغة الرجاء ولم نقبّل لك حذاء ؛ فحق يا سيد القارات أن نكون لحضرتك عشاء ..

متى ذبحنا: في جنين أم في قانا في سطيف في العامرية في ديرياسين ، في بحر البقر في كشمير .... هل ترى كيف نهذي بالمكان والزمان ..

الموت يلتصق بأجسادنا فمن أجسادكم الخالدة نعتذر

حشرات الأرض السفلى التهمت نصفنا فعلى النصف الباقي نعتذر

نقضي ليالينا في الساحات عرايا فمن عريّ فضائياتكم نعتذر

ترهبكم كوفيتنا فمن مناديلكم نعتذر

إننا ألف مرة نعتذر ؛ لأياديكم البريئة ولعيونكم الجريئة لجيوبكم الكريمة للغتكم الجميلة لسمائكم لصبحكم .. لبيتكم الأبيض بيوتنا السوداء تعتذر .. نعتذر