الكويت : ومازالت المعاناة مستمرة

 

 

بقلم : د. سامي ناصر خليفة

 

ما زالت فئة المواطنين بلا هوية تعاني الظلم والجور والألم والمعاناة بسبب حرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية الأساسية كحق العمل في القطاع الحكومي وحق التنقل في بلادهم الكويت والحق في التعليم المجاني في المدارس الحكومية والحق في التمتع بالرعاية الصحية وغيرها من الحقوق التي كفلتها شريعة الله سبحانه وتعالى للإنسان وتبنتها الدساتير والقوانين الوضعية ونادت بها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وما يزيد الألم ألما هو أن عدد من ينتظر لبحث ملفه لا يزيد على 12 ألف شخص فقط في وقت فاق عدد تلك الفئة ال120 ألف شخص ما يعني أن الحل المطروح لا يمكن أن ينهي الأزمة ما لم تلتفت الدولة إلى من هم خارج دائرة الشروط التي وضعتها لقبول الملف والتي يأتي أهمها في إثبات التواجد في البلاد عام 1965 أو قبلها وإثبات استمرارية الإقامة فيها دون انقطاع. وما القانون الذي أصدره مجلس الأمة عام 2000 بشأن تحديد عدد لا يزيد على ألفي شخص كحد أعلى سنويا يتم تجنيسهم، إلا حلا ترقيعيا فيه من التسويف ما فيه، حيث ينتظر من يستحق الجنسية الكويتية السنوات بعد السنوات على أمل أن يشمله دفعة التجنيس! مع ملاحظة أن التمييع والبطء في حل جزء بسيط من المشكلة سوف لن ينهي تبعاتها التي فاقت التصور.

فمسألة الوقت بالنسبة لتلك الفئة هي مسألة مضنية، خصوصا في ظل عدم تحديد الوضع القانوني لتلك الفئة في دولة الكويت رغم طول مدة إقامتهم، والتي تتجاوز الربع قرن، ومع ذلك فإنه بموجب قانون الجنسية لعام 1959 وتعديلاته لا يعتبرون من رعايا الدولة لعدم توافر الشروط المحددة في المادة الأولى من القانون عليهم.

هذا الوضع جعل من تلك الفئة في الكويت مسلوبة الإرادة لا حول لها ولا قوة، حيث فرضت الحكومة عليها قيودا صارمة تحول دون حصول أبنائها على أبسط الحقوق المدنية التي تتمتع بها الفئات الأخرى في الكويت من مواطنين ومقيمين، مما يعد مساسا صريحا بسمعة الكويت في الداخل والخارج وتشويه لسجلها الإنساني أمام المنظمات الإقليمية والدولية المهتمة بحقوق الإنسان على كافة المستويات… /يتبع

مؤشر وإشارة شارع يفصل بين منطقة تيماء المتقعة بالفقر ومناطق الجهراء البرجوازية، يشهد كل ظهيرة عبور عدد من الأطفال الصغار للبحث عن ما تبقى من وجبات الغداء التي تلقى في قمامة منازل الجهراء كقوت يومي لهم ولذويهم، هذا هو واقع الكويت اليوم، وتلك هي مخرجات القرارات "الحكيمة جدا" التي تتبناها الحكومة لحل أزمة "البدون".. عزاءنا لمن ما زال يجهل أن أزمة المواطنين بلا هوية هي أزمة إنسانية قبل أن تكون أي شيء آخر.

 

******

 

مازالت فئة المواطنين بلا هوية تتعرض لضغوط طالت أجزاء كبيرة من حياة أبنائها، حيث تمارس الحكومة الترهيب والظلم والاضطهاد من أجل إجبارهم على استخراج جنسيات من دول أخرى. تلك الضغوط التي طالت جميع مناحي الحياة الطبيعية التي يجب أن يتمتع بها أي إنسان يعيش تحت رحمة حكومة تستمد قوانينها من الإسلام.

فبالرغم من قبول دولة الكويت للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، حيث تنص المادة 6 منه على أن: "لكل شخص الحق في التعليم، وأن يكون التعليم مجانيا وبالإلزام". وبالرغم من أن التعليم في الكويت يعتبر إجباريا للأطفال وفقا لقانون التعليم الإلزامي لعام 1967، إلا أن تلك الفئة المظلومة مستثناة من هذا القرار، إذ تعاني الحرمان من حق التعليم المجاني. كما لا يسمح لأبنائهم بالدراسة في المدارس الحكومية، مما أدى إلى تفشي الأمية في عشرات الألوف من الأطفال والشباب، خصوصا وأن الكثير من معيلي أسر تلك الفئة غير قادرين على دفع تكاليف التعليم الخاص.

كما لا يستطيع المنتمين لتلك الفئة العمل في القطاع الحكومي، إضافة إلى تعرض الكثير من القطاعات الأخرى لضغوط عدة تهدف إلى عرقلة توظيف طالبي العمل منهم، على سبيل المثال لا الحصر ما تقوم به وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من ضغط على مجالس إدارات الجمعيات التعاونية تطالبهم فيها عدم توظيف أي طالب وظيفة من تلك الفئة.

ومازالت تلك الفئة أيضا تعاني الحرمان من حق التملك، فلا تسجل بأسمائهم العقارات ولا الشركات ولا السيارات ولا غيرها من وسائل الاقتناء العامة، وهم أيضا محرومون بصورة غير مباشرة من حق الزواج والطلاق الشرعيين، فلا توثق المحاكم عقود زواجهم. وقد طال الحرمان أيضا حق العلاج المجاني المقرر للمواطنين ويعاملون معاملة الأجانب في الدولة، فعلى مرضاهم أن يدفعوا خمسة دنانير للمستوصف أو عشرة دنانير للمستشفى، وعملية الولادة تكلف هذه الفئة ثلاثمائة دينارا في وقت لا تكلف بقية أفراد المجتمع من المواطنين أي رسوم مالية.

ولا يحق لهم الحصول على شهادة ميلاد لمواليدهم، ولا حق الحصول على شهادات الوفاة لأمواتهم ما يعد انتهاكا صريحا لأبسط القيم الإنسانية التي تنادي بها الشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الإنسانية. وترفض وزارة الداخلية صرف رخص قيادة السيارة لأبناء هذه الفئة لتزداد المعاناة، مع عدم تجديد رخص القيادة القديمة.

وسؤالنا هنا إلى من يعتلي سدة المسؤولية في السلطتين التنفيذية والتشريعية، منذ متى كانت سياسة الضغط اللاإنساني على الناس حلا شرعيا أو وسيلة مجدية؟! وأين مخافة الله سبحانه وتعالى في أولئك البشر؟! ألم تسمعوا بأن الظلم ظلمات يوم القيامة؟