مستقبل الأمن القومي الإسرائيلي في تقديرات قياديين

 

بقلم : إحسان مرتضى 

 

ينهي مستشار الامن القومي ورئيس مجلس الأمن القومي، في ديوان رئاسة الوزراء الاسرائيلية، اللواء عوزي ديان، مهام منصبه بعد شهرين، اي عشية رأس السنة العبرية، حسبما تم الاتفاق عليه اثناء لقاء قصير بين ديان ورئيس الحكومة آرييل شارون، وسيخرج ديان لفترة نقاهة.

وكخطوة أخيرة قبل استقالته، مطلوب من عوزي ديان، في نهاية شهر تموز الحالي، ان يرفع الى شارون <<تقدير حالة الامن القومي>> الجديدة، التي يتم صوغها بالتعاون مع كبار العاملين في مجلس الامن القومي برئاسة ديان نفسه.

هذا التقدير للوضع القائم على مستوى الامن القومي الاسرائيلي، هو بمثابة وثيقة بالغة الاهمية، هي الاولى من نوعها يعكف المجلس على إعدادها وصوغها منذ بضعة أشهر. والجدير بالذكر في هذا المجال، ان المجلس عمل تحت قيادة ديان على بلورة خطة الفصل على خطوط التماس، التي من أبرز تجلياتها الجدار الامني الفاصل الذي بوشر ببنائه انطلاقا من منطقة مجدو بالقرب من مدينة جنين، حيث وقعت احدى العمليات الاستشهادية الهامة التي قضت على 16 عسكريا اسرائيليا، جاءت انتقاما لمجازر شارون وضباطه في مخيم جنين، ومرورا بضواحي مدينة طولكرم ووصولا الى قلقيلية ومستعمرة بتاح تكفا شرقي تل أبيب.

وبحسب تقديرات عوزي ديان، فان هذا الجدار، لن يحقق هدف الفصل بين التجمعات السكانية اليهودية والعربية فحسب، بل انه سيحقق ايضا حالة من التقسيم والفصل الجغرافي ما بين الكتل البشرية العربية نفسها المنتشرة بكثافة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، مما يسهل على سلطات الاحتلال الاسرائيلية التحكم بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والامنية. كما وان الجدار، في رأي ديان، من شأنه ان يساعد في تحقيق السيطرة العسكرية من خلال زيادة العوائق الطبيعية والعسكرية بوجه التواصل الفلسطيني الفلسطيني.

وما من شك في ان ديان والقيادة الأمنية المرافقة له، قد أخذا بعين الاعتبار في تقديراتهما الخاصة بالامن القومي الاسرائيلي في المستقبل، تداعيات انتفاضة الاقصى المستمرة منذ 28 أيلول/سبتمبر عام 2000 وحتى الآن من دون كلل او ملل، مع ما يرافقها من خسائر فادحة جدا على جميع الأصعدة البشرية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والامنية.

اللواء عوزي ديان، اشتغل ايضا على مجالات اخرى تتعلق بتقديرات الوضع المستقبلي على مستوى الامن القومي الاسرائيلي، ومن أبرزها الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والهند، وادارة ما يسمى <<مكافحة الارهاب>> والنضال السياسي والدبلوماسي لكبح <<تسرب>> التكنولوجيا الروسية الى البرنامج النووي الايراني.

في مقابل عوزي ديان، الذي لم يتحدد بعد من الذي سيخلفه في منصبه، نجد منافسه العنيد موشيه (بوغي) يعلون، الذي تولى منصب رئاسة الاركان خلفا للجنرال الذاهب موفاز، وهو المنصب الذي كان يطمح اليه ديان من دون جدوى.

يعلون من جهته، الذي قاتل في قناة السويس عام 1973 وفي لبنان عام 1982، هو صاحب المبدأ الصارم القائل ب<<عدم السماح لمن يستخدم العنف بتحقيق انجازات>>. وهو الذي وجه انتقاداته لكل من بيريز وباراك بسبب موقفهما اللين من الرئيس عرفات، والى شارون بسبب ارساله ابنه عومري للقائه ايضا.

ويعلون هو صاحب الموقف الذي يتمسك به شارون حاليا والقائل بالقبول بقيام <<دولة فلسطينية>>، لكن ضمن شروط واضحة في ختام المفاوضات حول التسوية الدائمة والا فان هذه <<الدولة>>، حسب رأيه، ستكون <<وسيلة أكيدة لمواصلة القتال والتطورات السلبية في الدول العربية وفي اوساط عرب فلسطين 1948>>. وهو من القائلين ان مغادرة عرفات للساحة السياسية لن تضمن إحراز النصر بالضربة القاضية، وان هذا النصر لا يتحقق الا بتجميع النقاط.

ولذلك لا يؤيد بوغي يعلون بقاء الجيش الاسرائيلي داخل المدن الفلسطينية بصورة دائمة، بل ويطالب بتقديم المساعدات الانسانية الواسعة للسكان الفلسطينيين من باب دمج مقتضيات علم الاجتماع وعلم النفس بمقتضيات العلوم العسكرية والامنية.

في مقابل ذلك يدعو يعلون ايضا الى تقليص خطوط التماس والاحتكاك بين المستعمرات الصهيونية والقرى والمدن الفلسطينية، وبالتالي يرى انه من الافضل من الناحية التكتيكية والميدانية، تفكيك بعض المستوطنات المعزولة ودمجها ضمن تجمعات متقاربة.

الجدير بالذكر ايضا ان يعلون يولي اهتمامه الاكبر للجبهة الفلسطينية الموضوعة على رأس سلم أولوياته الامنية، لكن هذا لا ينسيه بالطبع الاهتمام بكل من سوريا ولبنان والعراق وإيران، وهو في كل هذه المجالات من الاشخاص الداعين الى استعادة اسرائيل لما فقدته من عوامل قدرتها الردعية من باب الاغتيالات الشخصية وخوض المواجهات القاسية والمضمونة.

اما بالنسبة الى تقديرات رئيس الحكومة آرييل شارون نفسه في هذه المرحلة، فهو يرى انه من الناحية الاستراتيجية، <<ستكون قدرة العالم العربي>> المس بدولة اسرائيل أقل بكثير مما هي عليه الآن بعد مرور 10 15 سنة>> ويبرر شارون هذا التراجع في القدرة العربية بأن اسرائيل ستكون دولة يزدهر اقتصادها ويتطور، في حين يحتمل تدهور وانحطاط العالم العربي على جميع الصعد، وخصوصا لجهة التطورات التكنولوجية والبيئية، اذ ان اسعار النفط ستنخفض، وستصل الدول العربية الى اوضاع متأزمة، فيما ستقوى اسرائيل أكثر فأكثر.

والنتيجة التي يستخلصها شارون من ذلك على المدى الاستراتيجي هي ان الزمن لا يعمل ضد مصلحة الاسرائيليين، بل العكس، وبالتالي ستكون هناك اهمية لاستغلال هذا الوقت من اجل صياغة حلول على مدار هذه الفترة الزمنية الطويلة.

في مقابل ذلك يوضح شارون ان خطته للحقبة القريبة المقبلة تقضي بإحضار مليون يهودي خلال 12 سنة، والخطوة الثانية في رأيه هي ضرورة تطوير منطقة النقب التي تعتبر منطقة احتياطية للاستيطان اليهودي المأمول، والخطوة الثالثة هي تحديث التربية والتثقيف على القيم الصهيونية، لاستعادة الاحساس <<بصدقية نضالنا وشعورنا بالحق الكامل على الارض، والتي تقلصت وتراجعت كثيرا خلال السنوات الاخيرة>>. اي استعادة روح البطش والمجازر والعنف الوحشي الذي تميز به شارون.