محاربة الفساد أشبه بمحاربة الكاثوليكية في الفاتيكان

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

حينما تسمع ـ وما اكثر ما تسمع ـ هذه الايام بأن مسؤولا عربيا قدم للمحاكمة بتهمة الفساد، فأرجح الظن في حالة هذا المسؤول المسكين هو انه ليس فاسدا بما فيه الكفاية. ذلك ان تهمة الفساد لا يكون لها معني الا في ظل نظام مفتوح وشفاف، تكون القواعد والانظمة فيه معروفة وثابتة، وأسس محاسبة المسؤولين واضحة، وآلياتها مستقلة وحيادية. اما في ظل الاوضاع العربية السائدة، حيث سلطة الحاكم الفرد مطلقة، واسس التعامل خافية الا علي اهل العلم اللدني، فان تعبير الفساد يصبح بلا معني. فارادة الحاكم هي القانون الذي يحلل ويحرم، وعطاياه ومنحه هي الرزق الحلال.

فاذا قرر الحاكم منح ابنائه احتكار تراخيص الاستيراد والتصدير، او سمح لهم بشراء ديون الدولة الخارجية بمعشار قيمتها ثم وفاها لهم كاملة من الخزينة العامة، ولو خول الحاكم ندماءه ومحاسيبه التصرف في الاملاك العامة، او اقطعهم الاراضي، او قسم لهم نصيبا من دخل الدولة من النفط او غيره، فهذا هو عين الكسب المشروع. وهذا يعني ان الفساد الوحيد هو مخالفة ارادة الحاكم وكفر النعم التي اولاها، فهناك عقد بين الحاكم والبطانة والحاشية والرعية، يتخلي فيها الجميع عن انسانيتهم ويلغون عقولهم وضمائرهم، ويتنافسون في الطاعة والامتثال، ومقابل ذلك فان الحاكم يكافيء من شاء بنعمه حسب ارادته السنية.

وبهذا المفهوم فان ما يعرف بـ الفساد في الانظمة الشفافة هو في الواقع عصب النظام في كل البلدان العربية تقريبا ـ ففي الانظمة الشفافة هناك حدود واضحة بين المال والخاص، وقواعد محددة تحكم التعاملات. والحاكم لا يعدو ان يكون موظفا لدي الشعب، له راتب محدد ومخصصات معلومة مقابل خدماته. وهناك ميزانية معروفة ومنشورة يحدد الشعب بنودها عبر ممثلين في البرلمان المنتخب، ويحاسب الحاكم والوزراء وبقية الموظفين علي ادائهم عبر البرلمان والمحاكم والقضاء والجهاز المحاسبي المستقل. وتمارس الصحافة واجهزة الاعلام ومؤسسات المجتمع المدني رقابة اضافية علي الاداء، وتفضح كل شبهة تعامل يخلط العام والخاص، ويحرم علي الحاكم اثناء توليه منصبه ان يمارس عملا خاصا يدر عليه الارباح، لما في ذلك من شبهة التحيز او المحاباة طلبا للنفع.

ولكن الطريف في حالة الانظمة العربية التي تدعي محاربة الفساد هو اجتهادها في نفس الوقت في تدمير آليات المحاسبة، فهناك قوانين جديدة تسن لقمع الصحافة المدجنة اصلا، واجتهاد زائد في تزوير الانتخابات البرلمانية، وفي تدمير مؤسسات المجتمع المدني واسكات كل صوت حر. وفي هذا السياق تستخدم اتهامات الفساد والعملة والارتشاء لاسكات الاصوات النشاز وتلك التي اخلت بالعقد مع الحاكم، فأخذت تطالب بالحريات وغير ذلك من المحرمات والموبقات.

اذن يمكننا بسهولة ان نخلص الي ان محاربة الفساد (او بالاحري شعار محاربة الفساد) هو شعار مستخدم لنقيض الهدف المعلن، فالهدف الحقيقي هو تكريس الوضع الفاسد القائم عبر استهداف بعض من استفادوا منه جزئيا ولكنهم بدأوا يتمردون عليه قليلا، في سورية مثلا كان من الواضح ان استهداف رئيس الوزراء الأسبق في اواخر عهد الاسد الاب بتهم الفساد ودفعه للانتحار (في رواية مشكوك فيها) كان المقصود منه ازاحة المعارضين لفكرة توريث الحكم، والا لو كان الامر يتعلق بمحاربة الفساد لكانت الدولة واجهزتها الامنية اولي بالمساءلة. فالفساد في سورية ينخر في مؤسسات الدولة حتي العظم، ويواجهه الزائر من البوابة في مطار دمشق، حيث الابتزاز المفضوح المكشوف من قبل الشرطة والاجهزة الامنية. وكل من يعرف ابجديات الامور يدرك ان مثل هذا الفساد عند الصغار في دولة قهرية مثل سورية لا يقع ما لم يكن مسموحا به، وما لم يكن يسنده فساد اكبر علي المستويات الاعلي فالاعلي.

ونظير ذلك ما رشح عن احتمال تعرض المدعي العام المصري رجاء العربي للمساءلة بتهمة الفساد والارتشاء، فهذه اشارة واضحة لأولي الالباب بان الرجل الذي اصبح مركز قوة من طول ما بقي في منصبه المنوط به الدفاع عن فساد النظام لاصبح يشكل تهديدا لغيره من اساطين الحكم. ولا يعني هذا ان الرجل بريء من الفساد، فهذا مستحيل في ظل انظمة عنوانها الفساد، ولكن هذا يعني كما اسلفنا انه لم يكن فاسدا بما فيه الكفايــــة، وهنــــاك تكتيك معروف عن عصابات المافيا وجماعـــات الابتزاز الصهيوني في امريكا وغيرها، وهي انهم يحتفظون بملفات وادلة ادانة ضد الحلفاء والاصدقاء، تستخدم لابتزازهم في الوقت المناسب، والعاقل هو من فهم الرسالة في الوقت المناسب ورجع الي صوابه .

شعارات محاربة الفساد لها دور آخر، حيث انها اصبحت هذه الايام من الشروط التي تضعها صناديق التمويل الغربية والدول المانحة لاستمرار الدعم والمعونات. وليس هذا حبا من هذه الجهات في الطهارة والعفة، ولكن رجال الاعمال المتنفذين في هذه الدول اصبحوا يضجون بالشكوي من الممارسات المكلفة التي تعوق عملهم في هذه البلدان. فالعقود لا تمنح للشركات التي تقدم افضل العروض، بل تذهب في الغالب لمن يبذل اكبر الرشاوي لأهل الشأن، ودفع المستحقات يصبح مجال ابتزاز آخر، مثل الاولوية في تسديد القروض والديون. وهذا اغضب الدول التي تمنح القروض والمنح، ثم تكتشف ان العقود التي ستمولها هذه المنح تذهب لشركات من دول منافسة لأن اولئك كانوا اشطر.

ويندرج في هذا السياق ذلك المشهد الكوميدي الذي رأيناه في فلسطين، وما ورد من مطالبة غريبة اجماعية للسلطة الفلسطينية بمحاربة الفساد. ولا تنطلق الطبيعة الهزلية لهذا المطلب فقط من مطالبة الرئيس ياسر عرفات بمحاربة الفساد وضبط الامن وحتي دعم الاقتصاد الحر والتجارة الحرة وهو محاصر لا يستطيع شراء الطماطم من السوق، فضلا عن ان يجعل فلسطين واحدة من اعمدة التجارة الحرة في العالم الحر . ولكن المضحك اكثر هو ان فساد السلطة وغيرها من الانظمة العربية هو الشرط اللازم لاداء الدور المنوط بها في خدمة المصالح الاجنبية واخضاع الشعوب، فلو ان السلطة الفلسطينية اعطت البرلمان الفلسطيني والاجهزة العدلية صلاحياتها الكاملة المستقلة، ولو انها انصاعت للارادة الشعبية في انفاق ما يردها من منح وهبات ودخل في الصحة والتعليم والخدمات وانعاش الاقتصاد، فماذا يبقي لرشوة الناشطين والمثقفين بتعيينهم في الوزارات والاجهزة الامنية والوظائف، حيث يطعم الفم وتستحي العين ويصمت اللسان عن فضح التجاوزات الضرورية لحفظ امن اسرائيل وقس علي ذلك بقية الدول العربية.

ولعل من اطرف ما ورد في هذا الخصوص اتهامات رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق بنيامين نتنياهو للرئيس ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية بـ انتهاكات واسعة لحقوق الانسان ! وهل سمحت اسرائيل بقيام السلطة الوطنية الفلسطينية الا لأنها كانت تتمني ان تجتهد في انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني وقهره وقمعه؟ التهمة الحقيقية في حق عرفات هي انه لم يجتهد بما فيه الكفاية في القمع، وهي تهمة باطلة، لأنه والحق يقال اجتهد وثابر، ولكن التوفيق لم يحالفه.

حاصل الامر هو ان محاربة الفساد في ظل الظروف العربية الراهنة من المستحيلات لان الفساد هو الاساس في النظم القائمة والاداة الاساسية في استدامة قبضتها علي السلطة، وهو ايضا جزء من التركيبة الوظيفية لهذه الانظـمة، اي انه مبرر وجودها في المقام الاول، واداة بقائها في هذا الوجود، ولو ان هذه الانظمة اجتهدت فعلا في محاربة الفساد علي طريقة حملة الايدي النظيفة في ايطاليا في التسعينات، لوقع عندنا ما وقع في ايطاليا، حيث انتهت النخبة السياسية بكاملها في المحاكم والسجون.

وبما ان من المستبعد ان تقوم المحاكم التي نعرف في البلاد بمحاكمة ابناء الرئيس وكبار الوزراء، فان نظافة الايدي لا بد ان تنتظر تغيير الانظمة او وقوع كوارث منتظرة اخري تحيق بالانظمة او ـ لا سمح الله ـ بالشعوب. وفي ظل مثل هذه الانظمة فان محاربة الفساد تكون بمثابة محاربة الرأسمالية في امريكا، او الكاثوليكية في الفاتيكان، اي من قبل تقويض اسس الاوضاع القائمة وليت ذلك يحدث!