مشروع غزو العراق امسي يحرك النقاش العالمي

(متي كان مبدأ القوة يؤدي وحده الي النصر المحتوم؟)

 

بقلم : مطاع صفدي

 

يمكن للمراقب العربي ان يلاحظ بشيء من الغبطة علي الاقل ان العدوان الامريكي المزمع علي العراق، لم يعد مجرد تحصيل حاصل وقدرا واقعا لا سبيل الي مناقشته او تفاديه. وهو لم يعد كذلك قرارا تستبد باتخاذه وتنفيذه الطغمة الامريكية الحاكمة وحدها، بل يحدث ان العدوان الاعلامي الذي ارادته هذه الطغمة تمهيدا ضروريا للحرب، اخذ يتحول تدريجيا الي قضية جدلية كبري تهتم بها الاوساط الدولية المعنية، وليس علي المستوي الدبلوماسي فحسب، ولكن تشارك فيه الي جانب الصحافة فعاليات مدنية متنوعة حتي اضطرت ادارة واشنطن نفسها الي فتح باب الاخذ والرد ليس بين اقطابها فحسب، بل علي مستوي مؤسسات الرأي الرسمي او الاكاديمي او اندية الرأي العام. ما يمكن رؤيته ببساطة ان قرار العدوان الفعلي ليس مسألة مفروغا منها حتي لو كان تم اتخاذه لدي الرئيس وبطانته. وقد راح زمام المشاركة والضبط الاداري والاعلامي يفلت تدريجيا من يد هؤلاء ليمسي ما يشبه هما وطنيا ودوليا في وقت واحد، هذا يعني بوضوح شديد ان القرار لا يمتلك القدر الكافي من المبررات والمسوغات القادرة علي اكتساب الاجماع او ما هو قريب منه، بل ربما اوصل اتساع النقاش الي ما يشبه اجماعا معاكسا، اي رفضا صريحا له، وفضحا لنواياه الاصلية، وادانة جديدة لتحولات السياسة الامريكية نحو الهيمنة العسكرية وحدها، والبطش بالدول والشعوب لهدف السيطرة والاستيلاء علي المنافع الاقتصادية ما يجعل القرار العدواني لا ينال جواز مروره الاعلامي والدولي بقدر ما يفتح عليه جبهات المعارضة والتنديد التي تتخطي المسؤولين السياسيين والخبراء الي القطاعات الاجتماعية الاوسع، الدولية قبل ان تكون الامريكية وحدها، فهل ستضطر ادارة بوش الي سحب مشروع الحرب من التداول العام تدريجيا، وهل هذا سيؤدي بدوره الي طي القرار او تأجيله، والبحث عن وسائل اخري اقل ضجيجا وعلنية للنيل من العراق ونظامه.

وللاجابة السريعة نقول ان الامور لم تبلغ بعد مثل هذا الحد من اعاقة المشروع لاسباب يمكن اعتبارها خارجية وثانوية بالنسبة لدواعيه وامكانياته الذاتية والتي تخص اصحابه والمنتفعين به، وهي اسباب من القوة والتجذر بحيث شكلت نواة سياسة البيت الابيض، والعنوان الرئيسي الظاهر والخافي لعهد الرئاسة الحالية ذلك ان اختراع اسطورة الارهاب وصنوها الحرب العالمية علي الارهاب، لا يمكنه ان ينفك عن مركزيته (الموضوعية) المتمثلة في الاستعداء المطلق ضد العروبة والاسلام. والعراق يرمز الي الحصن الاخير للعروبة، كما ترمز ايران الي حركية الاسلام السياسي وثورته العالمية، وقد اضيفت السعودية كموطن اخر للوهابية في جناحها الدولي المتمرد، والخارج علي النظام المحلي الحاكم نفسه.

فما دام العهد البوشي الزم نفسه بمقارعة الارهاب، واعطي آلته الحربية الهائلة كامل حريتها في فتح كل الجبهات الممكنة. هذا يعني ان القارة العربية الاسلامية اضحت ارض الحروب الامريكية من اقصي محيطها الاطلسي الي اقصي محيطها الهندي، بدءا من مراكزها المدنية والدينية الرئيسية. ولا شك يشكل الوطن العربي الواجهة الاولي المستهدفة. ذلك هو التبرير الضمني الشامل والاعمق لكل عدوان امريكي قادم او مخطط له في ملفات واشنطن للادارة الحالية. واليوم يقع التركيز علي الملف العراقي لكل هذه الاعتبارات، بالاضافة الي ان احتلالا امريكيا لارض العراق سوف يمكن من القبض علي ناصية التغيير في كامل الخارطة المشرقية حوله، وحينئذ قد تعاد هيكلة الخليج بتمامه تحت شعار الغاء انظمة الحكم العشائرية، واستبدالها بنظام محميات عسكرية، مغطاة بمظاهر ديمقراطية مهلهلة. واما التغيير الاخر الاخطر للجناح الشامي الكبير من سورية الي الاردن مرورا بلبنان، فسوف يتبع ما يؤول اليه مصير فلسطين من عودة السيطرة الاسرائيلية الكاملة وامتداد النفوذ الصهيوني المحلي والعالمي منه الي عمق البر الشامي، بعد ان تفتح امامه كل الحدود، تحت حاكمية التطبيع الشامل الدي ازال كامل عقباته، ذلك هو عصر (السلم) الامريكي الصهيوني المنتظر فتح ملفاته جميعها، المعروفة والمجهولة، بعد تحطيم حصن العراق. وهو يمد مساحة الاغراء الاكبر للاحتكار النفطي وسلطته الاقتصادية اللامحدودة التي تكاد تؤسس جوهر الحكم الامريكي الحالي، وبوصلته الرئيسية الموجهة لتحركاته الخارجية كلها.

غير ان اثارة هذه الموجات المنداحة اتساعا من النقاش حول نوايا العدوان علي العراق، قد خرج عن مهمة اطلاقه الاولي الهادفة الي فرش الدروب الاعلامية والنفسية امام الهجمة العسكرية، والتغطية علي اهدافها المرسومة بتصويرها كما لو انها ستأتي تعبيرا عن ارادة دولية بتجديد العقاب القديم واستئناف مسيرة التخلص من النظام العراقي التي بدأها بوش الاب ولم ينجز منها سوي الشطر الاسهل في اخراج جيوش بغداد من الكويت، ورغم ان عاصفة الصحراء قد اعد لها بوش الاول اكبر تحالف عالمي بعد سقوط الحرب الباردة، واحاطها بسياج من قرارات مجلس الامن، ورعاها بأكبر حملة اعلام تحريضي مستفيد من احدث ثورة تقنية في مفاهيمه وادواته الالكترونية ذات الامكان المتفوق وغير المسبوق في سيطرة الرأي والتحليل الواحد، وطرد كل ما يغايره او يخالفه، وبالرغم من اصطفاف عربي رسمي، واستخدام كثيف للاراضي وللجاهزيات المساعدة اداريا وامنيا بصورة مكشوفة في اقرب واوسع دائرة محيطة بساحات العمل العسكري، فقد اجبر الرئيس بوش الاب علي وقف الزحف نحو بغداد، متقاعسا عن مشروع الاحتلال المصمم، لاسباب لا تزال سارية المفعول وسوف تواجهها الغزوة الجديدة، ويعرفها العسكريون الذين يجددون معارضتهم لها داخل البنتاغون لانها تخالف صلب العقيدة القتالية الداعية اولا الي تجنب المواجهات البرية مع العدو ما امكن، حفاظا علي ارواح (الجنس) الامريكي المميز من الجنود!

وهنا يصح ذلك التساؤل القديم العريق: ان كانت القوة تقود دائما الي النصر، فليس غريبا ان يكون الجناح العسكري في البنتاغون هو معسكر الحمائم المضاد لمكتب الوزير وجناحه المدني المهووس بالعدوان مهما كانت أكلافه البشرية هؤلاء يقدرون مدي المقاومة التي سيلقاها الغزاة عسكريا ومدنيا في كل شبر من ارض العراق، وفي كل بيت او حي من احياء مدنه وقراه، فاذا كانت اسرائيل قد عجزت منذ اقامتها حتي اليوم عن تثبيت احتلالها لما تبقي من فلسطين العربية، وحماية امن الدولة والشعب علي الارض المغتصبة، وهي الكيان المعسكر من رأسه الي اخمص قدميه، والحائز دائما علي ارقي اسلحة الفتك الامريكية، فكيف تحلم طغمة بوش الاصغر بامكان الاحتلال وما يشبهه للعراق وما يجاوره في شرقه وغربه، كما هو المخطط الوهمي لدلالة التورط في تلك (الحرب العالمية علي الارهاب) وهل يعقل ان تفكر اية ادارة خرقاء، في دولة عظمي مثل امريكا في اعادة العالم الي عصر الاستعمار الاول هكذا بدون اية ذاكرة للتاريخ الكوني، القريبة او البعيدة.

لقد اخذ بعض القادة الاوروبيين يعلنون خشيتهم الصريحة من انقلاب التهويل بالحرب الي حرب احتلالية حقيقية. وهم يلاحظون ان اطلاق النقاش حول مشروع العدوان في جلسات الاستماع التي يعقدها الكونغرس الامريكي هذه الايام، ليس غرضها عرض وجهات نظر متباينة وتعددية من حيث طرح الحرب وخيارات اخري كبدائل سلمية ممكنة، ذلك ان المطلوب هو تنويع التسويغ للمبررات التي ينبغي التسليم بها اصلا، دون التلميح الا لماما لنوع الاسباب السالبة، او التفكير بالعواقب الفعلية لمغامرة محسوبة علي شخص الرئيس وجماعته، اكثر مما هي تعبير عن مصالح حيوية للدولة ككل. فهؤلاء الساسة والخبراء المتوالون علي منابر الاستماع امام شيوخ الكونغرس ليس المطلوب منهم سوي دعم المشروع الرئاسي بألسنة مختلفة ومرجعيات مؤسسية عريضة، يراد لها ان تنشر نوعا من سياج العقلنة والبرهنة الموهومة، لعلها تعوض عن فراغ الادلة الواقعية وتناقضها وتشتتها الفاضح، حتي تلك الاسماء القليلة ذات الصلة العربية، فلا اشكال عندها يمنعها من الانضمام السريع الي القطيع المؤيد لتلك الافكار المستهلكة، حول اخطار العراق واسلحته التدميرية الشاملة والخلاص من النظام ورأسه، وصولا الي جعل الحرب ضرورة حتمية لا مناص منها، ومع ذلك نستمع احيانا من بعض هؤلاء السادة المميزين الي اشارات عن بعض الشكوك والمخاوف وحتي المحاذير التي توقع الغزو في عكس الاهداف المعلقة عليه. وقد يجاهر مفتشون قدامي ينتمون الي المجموعات الدولية التي عاشت تجربة البحث عن الاسلحة في العراق، بعض الاراء الصحيحة حول انعدام كل اثر لتلك الاسلحة، ما ينسف بوضوح الدليل المحوري الاول والاخير الذي تتشبث به الادارة عن صلف فارغ وامعان في تجاهل الوقائع الموضوعية التي آل اليها وضع البلد المحاصر واحواله المعيشية المتردية، وما يثبت قولة الرئيس صدام اخيرا ان الحديث عن اسلحة دمار شامل موجودة او مستعادة، ليس سوي نكتة مضحكة. لكن المرآوية المسيطرة علي الطبقة السياسية الحاكمة في واشنطن، تقلب النكتة التافهة نفسها الي اخطر دعاوي الافتراءات الكاذبة المبررة لكوارث الامبراطورية الامريكية واحلامها الطفولية في السيطرة علي العالم تحقيقا لاستراتيجية عمياء تدعي ان القوة تؤدي حتما الي النصر، ولكن استعمال القوة، لاسباب غير كافية، ولاهداف مغلوطة او موهومة يجعل افعال القوة تنقلب علي نفسها وعلي مستخدميها معا، وتلك هي حكمة اخري لا يذكرها اباطرة التاريخ الا بعد فوات الاوان، كما يرددها نابليون وهو يكتب مذكراته وحيدا مريضا في جزيرة سانت هيلانة، بعيدا عن قصور باريس وفرساي الاف الاميال.. وملايين القتلي كذلك.