الجزائر : ديموقراطيون في خدمة الدكتاتورية

 

لا شك أن الديمقراطية عند الغرب حيث نشأت أمر مقدس تضاهي الدين أو أكثر، وترتكز أساسا على مبدأ خضوع كل شيء في الدولة لحكم الشعب عبر قيادة سياسية يتم انتخابها وهي بدورها تخضع لمراقبة الشعب عن طريق البرلمان الذي ينتخبه، ويعتبر الغرب ما وراء ذلك ديكتاتورية واستبدادا خارجا عن ملة الديمقراطية. ولطالما تغنى التيار اللائكي الإستئصالي في الجزائر   بالديمقراطية وجعل نفسه الممثل الوحيد لها وحامي حماها وهو في الحقيقة أبعد الناس عنها!

فلا يخفى على أحد أن هذا التيار رفض حكم الشعب ـ وهو شيء مقدس عند كل من يؤمن بالديمقراطية ـ عندما جاءت نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة في غير صالحه ودعا الجيش لوقف المسار الانتخابي ومصادرة اختيار الشعب وهذه جريمة نكراء عند الديمقراطيين الحقيقيين.

ولا يخفى على أحد أن العسكر هم الذين استولوا على الحكم وهم أصحاب القرار الفعليين في البلاد، وكان من الأحرى بالتيار الذي يسمي نفسه بالديمقراطي أن يكون أول من يقف في وجه الجنرالات وتدخلهم في الشؤون السياسية ولكن حدث العكس  إذ لم يكتف أقطاب هذا التيار بالسكوت عن استبداد العسكر بل كانوا طيلة العشرية الحمراء يوجدون المبررات للجنرالات ويقفون ضد كل من يريد إبعادهم عن التدخل في الشؤون السياسية، وهذا هو الشغل الشاغل لبعض الصحف التابعة للتيار اللائكي إذ تحولت إلى أبواق للجنرالات تسترق السمع مما يسمى بالمصادر المأذونة في وزارة الدفاع وتبادر إلى نشرها وتضخيمها بتحاليل مدعمة لأطروحات المؤسسة العسكرية.

فهذا أحمد غزالي رئيس الحكومة الأسبق يصرح للخبر الأسبوعي (26/07/2002): "رسميا الجيش منسحب من السياسة منذ 1989، ولكن من عيّن الشاذلي وغزالي كرئيس حكومة، ومن عيّن بلعيد عبد السلام، ومن جاء ببوضياف وزروال ورئيس الدولة الحالي، ... أقول أنه من الأفضل أن تكون للعسكر الشجاعة ليأخذوا الحكم مباشرة مثل الأتراك ويتركوا 5 أو 10 سنوات للمدنيين لتحضير أنفسهم لتولي السلطة، لكن الاستمرار على هذا النحو غير ممكن..." ويقصد بذلك أن للعسكر  السلطة الفعلية والسياسيون هم المسؤولون عما يقرره الجنرالات فيقول عنهم: "عندما نتكلم عن المؤسسة (العسكرية) هي عبارة عن "كمشة" من الناس يتحكمون في البلاد بأكملها، وليس في المؤسسة التي يمثلونها فقط.. ولكن كل ما قاموا به كان بالتواطؤ مع الطبقة السياسية في إطار عقد.. لنا السلطة ولكم المسؤولية، يعني نحن نقرر وأنتم المسؤولون.."

فأين هي الديمقراطية التي يتغنى بها أحمد غزالي وكيف يطلب من جنرالات احترفوا الكذب على الشعب وعاثوا فسادا في الأرض وأوصلوا البلاد إلى خراب أن يأخذوا الحكم مباشرة مثل الأتراك حتى يحضر المدنيون أنفسهم لتولي السلطة! فهل العسكريون يحسنون أو أحسنوا إدارة البلاد خاصة في العشرية الحمراء؟ أليس من الأحسن  ـ من وجهة نظر الديمقراطية ـ أن تتولى قيادة سياسية منتخبة من قبل الشعب من أن نقبل بحكم العسكر؟ فإذا علمنا أن بعض الجنرالات الذين يسيطرون على مركز القرار في البلاد كانوا أفرادا في الجيش الفرنسي المحتل ولم يدركوا حب البلاد وضرورة تحريرها من الاستعمار إلا بعد أن تأكد النصر. أليس هذا أكبر دليل أنهم ليسوا أهل لقيادة البلاد وأن عامة الجزائريين هم أكثر وعيا منهم وأقدر على إفراز قيادة سياسية تخدم مصالح البلاد بإخلاص وتفان وعن طريق الانتخابات الحرة؟

ولا يخفى على أحد أن الصراع القائم بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية ومحاولات  الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الانقلاب على الجنرالات الذين جاءوا به إلى سدة الحكم، وقيام التيار "الديمقراطي" عبر أبواقه السياسية والإعلامية فأقام الدنيا ولم يقعدها مستنكرا محاولة إبعاد الجنرالات من إدارة الشؤون السياسة! فأين هي مبادئ الديمقراطية التي تطالب أصحابها بالنضال من أجل إعادة الكلمة إلى الشعب ومحاربة الأنظمة الاستبدادية، ألم يكن من الأجدر لهم أن يقفوا ضد تسلط الجنرالات ومحاولات الحكم الفردي الذي يبحث عنه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سواء بسواء؟

إن التيار الذي يطلق على نفسه اسم "القطب الديمقراطي" دأب طيلة هذه السنوات على الدفاع عن حكم العسكر وتسلطهم وإطالة عمر النظام الاستبدادي القمعي وإيجاد مختلف التبريرات له، وهو يرفض وما زال كل أنواع الانتخابات الحرة والنزيهة ويكفر بالديمقراطية إلا إذا كانت نتائج هذه الانتخابات مضمونة ومحسومة سلفا لصالحه وتأكد من دون أدنى شك أن توجهات البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تخرج عن برنامجه المرفوض شعبيا! وهذا هو عين الاستبداد والتسلط، فأين هي رائحة الديموقراطية التي يتبجحون بها؟

 

 

 

 

نقلا عن نشرة الرباط التي تصدرها الجبهة الإسلامية للإنقاذ