وعد مشؤوم وشعب
مكلوم
لقد مرّت ذكرى وعد بلفور هذا الاسبوع كعادتها
كل عام دون ان نجد لها صدى، ولا حتى مجرد ذكر يرقى لمستوى حدثها المؤلم والمشؤوم،
ويبدو ان ذكراها ضاعت او تاهت وسط المآسي والنكبات والمصائب التي تتوالى وتنصب على
رؤوس العرب بعامة، وعلى الفلسطينيين بخاصة في هذه الايام، وعلى الرغم من ان كل
مصيبة يبتلى بها العرب والفلسطينيون تتفوق على سابقتها، الا ان لنكبة وعد بلفور
خصوصيتها ومكانتها لكونها حجر الاساس لجميع النكبات والنقطة التي انطلقت منها،
والقاعدة الصلبة التي قامت عليها اسرائيل، وان المصائب التي حلت بنا بعد ذلك كانت
بمثابة التداعيات والنتائج التي افرزتها.
- 1 -
حينما حلّت ذكرى هذا الوعد المشؤوم سألت
طلبتي في الجامعة قبل بضع سنين عن الوعد وصاحبه، فصدمت لما وجدت غالبيتهم يجهلون
ولا يعرفون بماذا يجيبون، ومن يومها طالبت بضرورة توعية ابنائنا بتاريخهم الحديث
واحداثه الهامة وهذا من حقهم علينا ومن واجباتنا التي يجب ان نقوم بها نحوهم.
في الثاني من تشرين الثاني 1917 صدر الوعد
البريطاني الشهير بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين ووقع الوعد »آرثر بلفور« وزير
الخارجية البريطاني في وزارة »لويد جورج«، وذلك حينما كانت الحرب العالمية الاولى
(1914 - 1918) على وشك الانتهاء، وقد اعطي هذا الوعد وفلسطين لا تزال في يد
الاتراك، واعلن عنه بعد مضي عام وخمسة اشهر على توقيع اتفاقية »سايكس - بيكو« في
16/5/1916 والتي ظلت سرية الى ان اعلن الروس السوفييت عنها حينما قامت ثورتهم في
17/10/،1917 الا ان البريطانيين آنذاك انكروها وادعوا بان الروس يريدون ايقاع
المكيدة بينها وبين حلفائهم العرب، ومن المعلوم بان تقسيم المشرق العربي الى مناطق
نفوذ بريطانية وفرنسية تم بموجب هذه الاتفاقية وانها المسؤولة عن رسم حدود منطقة
الهلال الخصيب (تشمل العراق وسوريا ولبنان والاردن وفلسطين« كما هي عليه اليوم.
- 2 -
كان »بلفور« من المسيحيين المعمدانيين الذين
نطلق عليهم اليوم مصطلح »اليمين المسيحي الغربي المتطرف« او »المسيحيين
المتصهينين«، وهذا القول ينطبق على رئيسه »لويد جورج«، وهو من الذين يؤمنون بان
التاريخ ليس سوى اداة التنفيذ الهدف الالهي، وان الانسان مكلف بالعمل على تنفيذ
هذا الهدف، وان اول ما يتطلبه منه ذلك، الايمان اولا بانه هدف الهي، وثانيا
بامكانية تحقيق هذا الهدف ايا كانت الصعوبات.
اعتقد بلفور ان الله اغدق على اليهود وعدا
بالعودة الى ارض الميعاد، وان هذه العودة شرط مسبق لظهور المسيح مرة ثانية، وفي
ذلك خلاص للانسانية من الشرور والآثام ليحل السلام والرخاء مدة الف عام تقوم بعدها
القيامة وينتهي كل شيء كما بدأ.
قال بلفور في مذكرة كتبها عام 1917: »ليس في
نيتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين.. وسواء كانت الصهيونية على حق ام
على باطل، جيدة ام سيئة، فانها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد والحاجات
الحالية وآمال المستقبل، وهي ذات اهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة الف عربي
الذين يسكنون الآن هذه الارض«.
-3-
لم يكن العامل الديني السبب الوحيد لاصدار
الوعد، فقد كانت هناك مصالح مشتركة ذات بعد استراتيجي، ففي الأساس كانت بريطانيا
قلقة من هجرة يهود روسيا واوروبا الشرقية الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد.. وفي عام
1902 تشكلت »اللجنة الملكية لهجرة الغرباء«، واستدعي »هرتزل« الى لندن للادلاء
بشهادته امامها حيث قال: »لا شيء يحل المشكلة التي دعيت اللجنة لبحثها وتقديم
الرأي بشأنها سوى تحويل تيار الهجرة الذي سيستمر بقوة من اوروبا الشرقية. ان يهود
اوروبا الشرقية لا يستطيعون البقاء حيث هم، فأين يذهبون؟ اذا كنت ترون ان بقاءهم
هنا - اي في بريطانيا - غير مرغوب فيه، لا بد من ايجاد مكان آخر يهاجرون اليه دون
ان تثير هجرتهم المشاكل التي تواجههم هنا. لن تبرز هذه المشاكل اذا وجد وطن لهم
يتم الاعتراف، به قانونيا وطنا يهوديا كان بامكان بريطانيا التدخل لمنع تهجير
اليهود من اوروبا الشرقية، الا انها وجدت ان لها مصلحة في توظيف هذه العملية في
برنامج توسعها في الشرق الاوسط، فحولت قوافل المهاجرين الى فلسطين بعد صدور الوعد،
وقامت بتوفير الحماية لهم والمساعدة اللازمة.
ولعل من ابرز الدلالات على الربط الاستراتيجي
بين اهداف الحركة الصهيونية واهداف الدولة البريطانية ما ذكرته صحيفة »مانشستر
غارديان« في عام 1916: »كانت بلاد ما بين النهرين مهد الشعب اليهودي ومكان منفاه،
وجاء من مصر موسى مؤسس الدولة اليهودية، واذا ما انتهت هذه الحرب (العالمية
الاولى) بالقضاء على الامبراطورية التركية في بلاد ما بين النهرين وادت الحاجة الى
تأمين جبهة دفاعية في مصر الى تأسيس دولة يهودية في فلسطين فسيكون القدر قد دار
دورة كاملة«.
وفيما يتعلق بفلسطين فقد واصلت الصحيفة
مقالها وهو بقلم رئيس التحرير »تشارلز سكوت« قائلة: »ليس لفلسطين في الواقع وجود
قومي او جغرافي مستقل الا ما كان لها من تاريخ اليهود القديم الذي اختفى مع
استقلالهم.. انها روح الماضي التي لم يستطع الفا عام ان يدفناها والتي يمكن ان
يكون لها وجود فعلي من خلال اليهود فقط، لقد كانت فلسطين هي الارض المقدسة للمسيحيين،
اما بالنسبة لغيرهم فانها تعد تابعة لمصر او سوريا او الجزيرة العربية، ولكنها تعد
وطنا قائما بذاته بالنسبة لليهود فقط«.
- 4 -
بعد احتلال بريطانيا فلسطين عُد الوعد جزءا
من صك الانتداب، وفي عام 1922 اقرت عصبة الامم هذا الصك، وفي العام نفسه عينت
بريطانيا اول مندوب سام لها في فلسطين واسمه »هربرت صموئيل« وهو يهودي صهيوني
ووزير بريطاني سابق، وكانت مهمته تنفيذ وعد بلفور ووضع قواعد الدولة العبرية
واسسها والعمل على تهويد فلسطين بفتح ابوابها لجميع اليهود القادمين من انحاء
العالم، وتمكينهم من امتلاك الاراضي للاستيطان والاستثمار، ووضع يهود صهاينة في
المراكز الحساسة في الحكومة مثل دائرة المهاجرة التي جعل على رأسها الصهيوني
»بنتويش«.
وبعد، فهذه لمحة تاريخية عن وعد بلفور التي
نهدف من ورائها توعية الاجيال الصاعدة لتدرك بداية النكبة ولتعلم الدور الذي قامت
بريطانيا حينما طعنت الامة العربية، بانشاء هذا الكيان الغريب في قلبها، ولولا
بريطانيا لما كان اليوم وجود لاسرائيل، فمتى تصحو بريطانيا ويتحرك ضميرها وتدرك
الضرر الذي اوقعته بنا والاذى الذي الحقته بنا وماذا عساها تفعل؟ وللاسف فان
المؤشرات تدل على انها لا تزال تواصل عدوانها علينا، وها هو رئيس حكومتها »توني
بلير« يساند الادارة الاميركية في الاعداد لضرب العراق خدمة للمصالح الصهيونية
والمخططات الاستعمارية.