(1) لماذا نرفض توريث الحكم لابن الرئيس مبارك؟

(2) تأبين مبارك للارهابي رابين كان مشهدا مروعا وغير مقبول

(3) مبارك وصف رابين المجرم بأنه " عظيم " 4 مرات وأنه "العظيم " مرتين

(4) ويصفه بالصديق العزيز والمحارب الشجاع وداعية السلام والرائد والمناضل الجسور وانه شخصية دولية مرموقة وسياسي مرهف وفذ ورؤيته ثاقبة .. هل هذا معقول ؟!

 

 

بقلم : مجدي أحمد حسين

magdyhussien@hotmail.com

 

 فى يوم 2 نوفمبر الماضى .. فى ذكرى وعد بلفور .. و فى الذكرى السابعة لاغتيال اسحاق رابين رئيس وزراء اسرائيل .. قرر حسنى مبارك ان يهوى بنا الى القاع .. ففى لحظة يرتفع فيها الجهاد الفلسطينى الى الذروة .. وتستجمع الامة العربية قواها من هنا و هناك للتصدى الى الغزوة الامريكية-الصهيونية .. و فى لحظة يجرى الحديث الامريكى الصريح عن اعادة رسم خريطة المنطقة العربية انطلاقا من العراق .. و انتهاء بمصر ذاتها .. فى هذه اللحظة يعود بنا الرئيس مبارك الى نقطة ما تحت الصفر  .. بعد عامين من الجهاد البطولى للشعب الفلسطينى .. يعود بنا الرئيس مبارك الى المراهنة على حزب العمل الاسرائيلى المنهار .. و باعتبار ان مصير العرب و المسلمين رهينة فى يد الناخب الاسرائيلى الذى نتوسله ان يسقط شارون و ان يأتى بأبناء حزب العمل الطيبين الى سدة الحكم فى الكيان الصهيونى .. لتعود الى المنطقة اجواء السلام المشرقة ..

هذه الطبخة الرديئة شاطت و احترقت  .. فى كلمة وجهها رئيس مصر الى تجمع لم يتجاوز المئات من اليهود (حسب وكالات الانباء وفى اهرام 3/11/2002 تحت نص كلمة مبارك) .. بينما كانت قوات الامن الاسرائيلى أكثر عددا من الجمهور الهزيل الذى تجمع فى احد ميادين تل ابيب يحتفل بذكرى رابين ويستمع لكلمة رئيس اكبر دولة عربية .

واذا كانت المناورات من حيث المبدأ العام معروفة و مقرة فى السياسة .. الا ان هناك بونا شاسعا بين المناورة و الاهانة .. وقد كانت كلمة الرئيس مبارك اهانة كبيرة للمصريين -الذين يحكم باسمهم- وللعرب و المسلمين.

ففى كلمة لا يستغرق القاؤها دقائق معدودة .. وصف الرئيس مبارك رابين رمز العدو الصهيونى بأنه عظيم ست مرات من بينها مرتان معرفة بالالف و اللام (العظيم) .. بينما هذه صفة من صفات الله الصقها برابين .. ووصف رابين بالصديق العزيز ( صديق مبارك طبعا) مرة واحدة ووصفه بالشجاعة مرتين (محارب شجاع - شجاعته) .. ووصفه بأنه (داعية سلام) وانه ( الرائد) و خلع عليه لقب مناضل مرتين (مناضل جسور - مناضل) كما وصفه بأنه (شخصية دولية مرموقة) و انه (سياسى مرهف وفذ) ووصف ذكرى رحيله بأنها (ذكرى غالية) مرتين وقال (ان ذكراه خالدة فى اذهاننا ) و ان (سعيه للسلام راسخا فى وجداننا) و اننا - اى الرئيس مبارك - يذكره (بكل العرفان و التقدير) و انه (يأسف لرحيله) كما وصفه بأن (رؤيته ثاقبة ) و ان (المبادىء التى تركها رابين لا تزال تشكل اساسا صلبا لصحوة حقيقية) واضاف ( اننى على ثقة بأننا نستطيع معا مواجهة جميع التحديات اذا كان يجمعنا الاصرار على تحقيق الرؤى التى شاطرها معنا اسحاق رابين)

اننى لا اذكر ان الرئيس مبارك خلع كل هذه الالقاب فى كلمة قصيرة .. فى أى يوم من الايام على رمز مصرى او عربى او مسلم طوال فترة حكمه المديد .

لقد طالبت الامة بكل اتجاهاتها .. بمثقفيها و جماهيرها .. الرئيس مبارك .. بحشد كل القوى لمواجهة الغطرسة الاسرائيلية - الامريكية .. فرفض ابسط المطالب (طرد السفير الاسرائيلى)..

وحتى هذه اللحظة لا تزال العلاقات السياحية و البترولية مزدهرة مع اسرائيل .. ومايزال الرئيس يتحدث عن العلاقات الاستراتيجية مع العدو الامريكى .. و القرار الوحيد الذى اتخذه ازاء العدوان الاسرائيلى الذى اجتاح مختلف الاراضى الفلسطينية الخاضعة للسلطة الفلسطينية .. هو وقف الاتصالات .. وسرعان ما عادت الاتصالات الى اشدها .. وكانت الاتصالات التليفونية مع شارون ذاته .. وكان ارسال المبعوثين له .. والاتصالات ماتزال مستمرة .. اى ان النظام المصرى لم يتخذ قرارا واحدا ضد اسرائيل منذ اجتياح ابريل الماضى حتى الان .. وكنا صابرين على ذلك ، ونحاول البحث عن مساحات مشتركة مع الموقف الرسمى .. ولكن الرئيس كعادته يصر على العودة بنا الى نقطة الصفر او ما تحت الصفر، ولقد اعتاد النظام على التصرف على اساس ان التصريحات و الاقوال غير مهمة..على اساس ان الكلام يطير فى الهواء، ولكن ما يصدر على لسان حاكم مصر لا يطير فى الهواء .. ويزرع اليأس و الاحباط و الخوف من العدو .. وتظل الكلمة الخالدة صحيحة : (فى البدء كان الكلمة).

ولكن من هو اسحاق رابين ؟ المجال لا يتسع لعرض تأريخى طويل  و مفصل .. ولكننا مضطرون لتقديم نبذة للشباب الذين قد يظنون ان فى اسرائيل قديسا اختطفته  يد المنون.. وان مصيرنا معلق بتلامذة و أتباع هذا القديس رابين.

رابين التحق فى شبابه بقوات الهاجاناه .. وهى العصابات الصهيونية الاساسية  التى عملت على طرد الفلسطينيين من ديارهم و اقامة الكيان الصهيونى  .. فى عام 1945 اصبح نائبا لقائد قوات البالماخ وهى الذراع الضاربة للهاجاناه .. ثم اصبح قائدا لها .. وهكذا كان له دور مهم فى حرب 1948 والتى اسفرت عن قيام الكيان الصهيونى  و تأسيس الجيش الصهيونى.

وفى عامى 51 - 1952 لعب دورا اساسيا فى استقبال 100 الف مهاجر يهودى فى معسكرات الايواء.

وكان رئيس اركان الجيش الاسرائيلى فى حرب 1967 .. واصبح رابين بعد هذه الحرب بطلا قوميا فى اسرائيل ، و اصبح رئيسا لوزراء اسرائيل بعد حرب 1973 وتقلب فى موقع رئيس الوزراء ووزارة الدفاع على مدار سنوات عدة .. اهمها فترة الانتفاضة الاولى التى اندلعت عام 1987 وحتى توقيع اتفاقية اوسلو فى 13 سبتمبر 1993 .. وهى الانتفاضة المعروفة بانتفاضة الحجارة  .. لأنها اعتمدت بالاساس على الجهاد المدنى .. من مظاهرات و اعتصامات ومنشورات ورشق جنود الاحتلال بالحجارة .. وفى هذه الفترة  ووفقا لاحصاءات منظمة التحرير الفلسطينية فقد شهدت هذه السنوات استشهاد 1540 فلسطينيا وبلغ عدد الجرحى 130 ألفا و اعتقل حوالى 116 الفا لمدد مختلفة .

بل خلال الاشهر الثمانية الاولى من الانتفاضة تم رصد 3400 اصابة بعاهات دائمة، وبلغت حالات الاجهاض بسبب القمع الاسرائيلى للنساء 1700 حالة .. (الطريق الى القدس - د.محسن محمد صالح).

هذه هى انجازات رابين المتصدى الاول للانتفاضة  بحكم موقعه كرئيس وزراء او وزير دفاع .. حتى عرف بلقب ( محطم عظام صبية فلسطين ) .. حيث امر قواته بالقبض على الصبية المتظاهرين وضربهم بالعصى و مؤخرات البنادق لتكسير عظامهم .. وهذا فى محاولة لتقليل عدد القتلى الذى بلغ كما ذكرنا 1540 فلسطينيا .

وكان لرابين دوره المقدر فى مذابح الاسرى المصريين ،اما فيما يتعلق برغبته فى السلام فان عهده كباقى عهود اقرانه شهد اكبر كم من العمل الاستيطانى فى الاراضى المحتلة.

وكان شعار رابين .. قليل من الكلام .. كثير من العمل الاستيطانى .. وهذه حقائق بالارقام لا يختلف عليها اثنان .. ( ان الاستيطان في عهد حكومات حزب العمل أكبر منه في عهد الليكود ) اما مشروع رابين " الرائد " للسلام فيمكن قراءته فى برنامج حزب العمل فى نفس الآونة التى شهدت اغتيال رابين.. (سوف تواصل اسرائيل تعزيز افضليتها النوعية على الجيوش العربية و ستعطى اولوية عليا للبحوث العسكرية وللتوسع فى الانتاج المحلى للمعدات العسكرية المتطورة و المبتكرة ) .

( سوف تتمسك اسرائيل بالمبادىء التالية فى المفاوضات :

1- قدس موحدة هى عاصمة اسرائيل بمقتضى القانون الاسرائيلى.

2- سيشكل نهر الاردن الحدود الامنية الشرقية لاسرائيل ، ولن يكون هناك جيش اخر فى الغرب .

3- السيادة على وادى الاردن و شمال غرب البحر الميت وكتلة عيتسون و المناطق المهمة لامن اسرائيل.

4- تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين خارج حدود اسرائيل و رفض حق العودة.

5- فرض القانون الاسرائيلى على معظم المستوطنين الاسرائيليين ( اى عدم فك المستوطنات).

      ( الانتخابات الاسرائيلية - الكنيست الرابعة عشرة 1996 و مستقبل التسوية - د. عبدالعليم محمد)

********

لا اريد ان اتحدث من خلال هذا الموقف عن تحليل الاوضاع فى تطورات القضية الفلسطينية .. والتكتيكات التى تتبعها امريكا و يشارك فيها مبارك للجم شارون لحين ضرب العراق .. وتخدير الرأى العام بمشروع التسوية المخادع الذى يدعى قيام دولة فلسطينية .. فاذا كانت امريكا تريد حقا اقامة دولة للفلسطينيين عام 2005 فلماذا تشارك فى ذبحهم عام 2002؟!

ولكن اريد ان انتقل من هذا الموقف الفاجع (مشاركة مبارك فى تأبين رابين)..

الى الموضوع الاساسى الذى يشغل المصريين و العرب .. حيث لا يجتمع اثنان الا ويكون حديثهما حول " توريث الحكم .. وهل سيورث مبارك الحكم لجمال مبارك؟!).

وقد فتح الاستاذ محمد حسنين هيكل هذا الموضوع فى محاضرته الاخيرة بالجامعة الامريكية .. ورغم الخلاف الكبير مع اطروحات الاستاذ هيكل فى احاديثه الاخيرة فى قناة دريم .. الا انه لفت الانتباه اكثر عندما تحدث فى مسألة توريث الحكم .. رغم انه لم يقل شيئا محددا .. بل اشار فى نهاية محاضرته الى تصريح لمبارك ينفى فيه انه يسعى لتوريث الحكم لابنه .. والى تصريح لجمال مبارك يقول فيه نفس الشىء .. ليأخذ من ذلك تكئة لطرح موضوع مستقبل البلاد عام 2005 وهو عام نهاية الفترة الحالية للرئيس مبارك .. ويطلب فتح باب الحوار حول ذلك.. ومنذ ايام قليلة - وبدون مناسبة محددة - اعلن د.اسامة الباز مستشار الرئيس ان الرئيس مبارك لن يرشح نفسه فى انتخابات الرئاسة القادمة .. وانه يرحب بتوسيع المشاركة السياسية وعدم حصرها فى عدد محدود .. وانه لا يفكر فى توريث الحكم لابنه جمال مبارك (قناة الجزيرة - 5نوفمبر 2002) .. الا ان تصريحات الباز التى نقلتها وكالة رويترز ونشرتها الصحف العربية فى اليوم التالى جائت مختلفة بعض الشىء اذ جاء فيها (ان الرئيس حسنى مبارك لا ينوى تمديد حكمه الى مدى الحياة ).. وهذا يعنى انه يمكن ان يمد حكمه فترة اخرى .. لذلك قال الباز فى موضع اخر من حديثه (انه من المبكر جدا القول ما اذا كان مبارك سيخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة فى 2005 لتجديد انتخابه لولاية خامسة من ست سنوات ).

واكد الباز ان مبارك (لا يقوم بتهيئة جمال لتسلم السلطة و ان جمال بالذات لا يعد نفسه لتسلم السلطة او اى شىء من هذا القبيل )      (الحياة اللندنية 6 نوفمبر 2002) .

اما الشعب المصرى و ممثلوه السياسيون فهم اخر من يتحدث فى هذا الموضوع ..

يجب الا ننتظر حتى عام 2005 .. حقا مايزال 3 سنوات .. وهذه فترة جد قصيرة فى حياة الشعوب .. كما ان بقاء الرئيس فى موقعه حتى نهاية المدة ليس امر مفروغا منه .. لاسباب خارجة او داخلة عن ارادة الشعب ..

والحقيقة فانه لا يوجد موضوع اخر اهم من ذلك فى الحياة السياسية المصرية ، ومن يتحدث فى موضوع اخر .. فانه اما خائف .. او غير جاد.. او يائس من حق الشعب فى المشاركة السياسية , وهنا غير جائز ان كان الرئيس مبارك يقول على لسان مستشاره انه ( منفتح على اى تطور لتعزيز بنية الديموقراطية و ادخال انماط جديدة من السلوك السياسى و انه يريد اشراك المصريين الشباب فى الحياة السياسية) . فلماذا لا يتكلم الناس؟! وهذا حقنا الانسانى و الدستورى .. فى كل الاحوال.

ان بلادنا العزيزة مصر فى مفارق طرق حقيقية، ولابد من طرح كل شىء على بساط البحث ..ولقد وصلت اوضاعنا من التدهور فى شتى المجالات .. ووصلت التحديات الخارجية الى مدى لا يسمح ببقاء الاوضاع على ما هى عليه .. وستكون من سخرية الاقدار ان يتلخص دور الامة فى انتظار تعديل وزارى للمرة الثالثة .. يأتى اسوأ من سابقيه .. وهو دور لا يرتقى حتى لتشجيع المتفرجين فى مباراة كرة القدم .. لان مشجعى كرة القدم يجهرون برأيهم .. ويلعبون من خلال ذلك دورا مؤثرا فى نتيجة المباراة ومجريات احداثها .. ان دور الامة الان فى الامور المصيرية لا يتعدى دور المتفرج على المباراة من خلال التليفزيون فى منزله حيث لا يؤثر صراخه او انفعالاته على مجريات الاحداث .. وحيث يموت بعض المشاهدين كمدا من جراء ذلك..

وهذه المرة ربما تصاعدت الامال فى ان يوسف والى على الاقل الذى ارهق الامة و اتعبها .. ربما تكون ايامه الاخيرة قد اقتربت .. فها هى النيابة تصر على استدعائه فى قضيتى : يوسف عبد الرحمن و الفيوم؟ ومايزال والى يتمنع .. ولكن يبدو انه سيضطر للذهاب الى النيابة .. لسؤاله كشاهد فى البداية .. ثم كمتهم ، واقوال يوسف عبد الرحمن ، ودفاعه عن مسئولية يوسف والى وتوقيعه على اوراق استيراد المبيدات السامة لا تترك مجالا لأى شىء اخر .. ورغم انه لا يوجد فى مصر من يفرح او يستبشر بهذه التطورات .. وأيضا من يقدر اهميتها و خطورتها .. مثلنا فى حزب العمل .. الا انه من الصدق ان نقول .. ان الاحوال قد تدهورت الى حد لم يعد ينفع معها سوى الاصلاح الشامل .. ان الترقيع لم يعد يجد فى ثوب مهلهل .. بعد فترة لابد ان تشترى ثوبا جديدا مهما كان الثمن!!

لقد وصلنا الى مفارق طرق عدة التقت فى ميدان واحد .. وصلت الاوضاع الى حالة كرة الصوف التى تعقدت خيوطها .. بحيث لا تعرف من اين تبدأ؟!

هل نبدأ بالاصلاح السياسى الداخلى ؟ ام نبدأ باصلاح علاقتنا بالعالم الخارجى ؟  ام نبدأ بالاصلاح الاقتصادى و الوطنى الحقيقى بعيدا عن روشتة صندوق النقد؟

وبدون مبالغة لابد ان نبدأ على كل هذه المحاور .. ولكن الاصلاح السياسى له الاولوية لأن السياسة هى العقل المدبر لكافة شؤون المجتمع الداخلية و الخارجية ..

وقد وصلت عملية التآكل السياسى للنظام .. الى حد مخيف  و مذهل .. لقد جرت عملية تجريف واسعة النطاق للعمل السياسى و الاهلى .. بحيث اصبحت البلاد تدار بالامن اكثر من اى وقت مضى .. وهذا امر يثير القلق العميق, فالامن بمنزلة الاعصاب من الجسد .. و الاجهزة السياسية فى الحكم و المعارضة تمثل العقل و الجسد (بشحمه و لحمه) .. المجتمع اصبح هزيلا حيث يكاد الشحم و اللحم ان يختفيا من الجسد .. كذلك الشخص المهزول الذى نسميه جلد على عظم .. او انه مجرد اعصاب تتحرك .. والاعصاب كأسلاك الكهرباء .. يجب الا تكون مكشوفة .. حتى لا تصعق الاخرين و تتلف هى بدورها .. ازمة النظام الان انه يتحرك ويعمل بأعصابه التى لم تعد محاطة بجسد سليم من شحم و لحم .. ولذلك فان حركة النظام تؤذيه .. وتؤذى الامة معه .. لان الاجهزة البيولوجية لا تعمل فى المجالات المخصصة لها .

ورغم ان دولتنا المصرية عريقة .. وبالتالى دولة مؤسسات حتى فى الاطار الفرعونى الشمولى .. الا ان شخص الرئيس هو اهم مؤسسة .. فلابد من احاطة مسئوليات الرئيس بضمانات غليظة مع مؤسسات الدولة .. وبالاخص المؤسسات الشعبية .. وفى مصر الان فان المؤسسات الشعبية اما قد تم الغاؤها او حلها .. بدءا من عمودية القرية حتى الاحزاب و المنظمات السياسية، و المؤسسات الرسمية لا يمكن ان تشكل ضمانة كافية لاحداث التوازن مع سلطات الرئيس .. وبذلك تصبح آراء و امزجة و رغبات و تكوين شخصية الرئيس بمنزلة القدر الذى لا فكاك منه الذى لابد ان تعانى منه الامة طالما اطال الله فى عمره .. تصبح امزجة ورغبات و تكوين شخصية الرئيس بخيرها و شرها .. امرا نافذا .. حتى يقضى الله امرا كان مفعولا .. وهذا امر لا يستقيم مع سنن الحياة.

ولكن قبل ان نناقش اللحظة الراهنة لابد من نظرة سريعة الى الخلف حتى نضع اللحظة الراهنة فى مكانها الصحيح.

ان شرعية النظام بمعناها السياسى التاريخى - تعود لثورة 23 يوليو التى جاءت معبرة عن التيار الشعبى التاريخى الرافض للاحتلال و للنظام الملكى  الذى كان عمره الافتراضى قد حل .. ولعل المبالغة التى حدثت مؤخرا فى الاحتفال بمرور خمسين عاما على ثورة يوليو .. تعكس هذه الرغبة الدفينة لدى النظام لتجديد شبابه واعادة انعاش شرعيته السياسية والتاريخية ، وقالوا ان الاحتفال سيستمر عاما كاملا الا انهم سرعان ما ادركوا الآثار العكسية لهذا الافتعال ! لقد كانت محاولة للشيخ المتصابى الذى يريد أن يجدد شبابه ويرتدى ملابس الشباب ويمارس أفعال الشباب فلم يقنع أحدا ! وكانت محاولة لشغل الامة عن الشرعية الاسلامية التى تسير الامة نحوها بخطى حثيثة وهى شرعية يمكنها أن تستوعب كل ايجابيات ثورة يوليو دون سلبياتها .

ان شرعية النظام السياسية التاريخية والتى تحولت الى شرعية " دستورية" بدستور 1971 ( رغم انه لم يحترم كثيرا فى أى يوم من الايام) ، ان شرعية النظام تعود اذن الى ثورة 23 يوليو .. وبوفاة الرئيس السادات خلت مواقع الحكم من القيادات التاريخية للثورة ( الضباط الاحرار) ولكن الثورات وشرعيتها لاترتبط بالاشخاص .. وتتعدى زمن حياتهم الفردية.. ولكن أساس ثورة 23 يوليو الذى تم وضعه فى دستور1971 لم يعد موجودا على أرض الواقع الا قليلا .

فعلى صعيد التحرر الوطنى .. عادت مصر الى براثن التبعية للقوى الاجنبية وبعد أن كانت مصر عبد الناصر رأس الحربة فى مقاومة التغلغل الامريكى فى المنطقة .. أصبحت مصر السادات ثم مصر مبارك فاتحة الابواب أمام الامريكان واسرائيل فى مصر والعالم العربى والاسلامى والافريقى والآسيوى .. بما قدمته من قدوة ونموذج فى اتفاقية كامب ديفيد.. وبعد أن كانت مصر قائدة النضال ضد الوجود الصهيونى ، أصبحت قائدة " النضال" من أجل السلام معه . والرئيس مبارك لم يطلب - خلال تأبين رابين - انسحاب اسرائيل الى حدود 4 يونيو 1967 ولكن تحدث عن تسوية .. بل والطريف انه أعاد احياء الميت من قبره ( مشروع الشرق أوسطية ) .

وبعد أن كانت مصر قائدة وداعية للوحدة العربية خاضت بعد انتهاء حرب 1973 معظم معاركها الخارجية ضد أطراف عربية أو اسلامية . وخلال عقدين من الزمن ارتفع الحديث بالنعرة الاقليمية المصرية كما لم يحدث فى تاريخنا . ورغم التحسن الاعلامى فى السنوات الاخيرة الا ان الاعلام والموقف الرسمى مستعد للاستفزاز والانقضاض لدى أى بادرة مشكلة لاثارة حملات ضد أطراف عربية (يتصادف انها متعارضة مع أمريكا ) !

وبينما يتحدث حسنى مبارك مبررا اشتراك الجيش المصرى فى حرب الخليج الثانية باتفاقية الدفاع المشترك .. الا انه عندما يذبح الشعب الفلسطينى يقول ان الاتفاقية معطلة! وفى أخبار اليوم 13-4-2002 قال: ( ان جيش مصر لاهم له ولا هدف الا الدفاع عن بلده وحماية حدوده. ومن واجبى أن أنبه الى أن القوات المسلحة المصرية ليست جيشا مرتزقا ولاتحارب من أجل الحرب ) وهنا يضع الرئيس نظرية ثابتة ان جيش مصر لايتحرك الا دفاعا عن التراب المصرى .. وهذا يسقط واحدة من أهم مبادىء ثورة يوليو ( العروبة والوحدة العربية ) .. وذلك رغم أن الجيش المصرى تحرك فى معية الامريكان الى البوسنه والكويت والصومال وتيمور الشرقية.

وكانت السياسة الخارجية لثورة يوليو قائمة على توسيع دائرة التحالفات مع العالم بأسره عدا أمريكا واسرائيل .. فأصبحت الآن أمريكا هى الشريك التجارى الاول والاستراتيجى وأصبح سلاحنا يأتى من الامريكان ويتدربوا معنا فى مناورات ثابتة كل عامين عدا الانشطة الموسمية .

وعلى الصعيد الداخلى .. استهدفت ثورة يوليو اقامة العدالة الاجتماعية ( الاصلاح الزراعى- التأميم الصناعى ) وهذا المقال ليس مخصصا لتقييم التجربة ولكن لتأكيد أن النظام الحالى لم يعد يمت لثورة يوليو الا بصلات واهية.. فانصاف الفلاحين تحول الى خراب واسع النطاق لفقراء الريف .. ويكفى ان السياسة الزراعية لقرابة ربع قرن  توضع وتنفذ بمعرفة يوسف والى الذى يعلن جهارا نهارا التزامه بالتوجيهات الامريكية . وأما فى المجال الصناعى فرغم أن الدستور ينص على ( يسيطر الشعب على كل أدوات الانتاج ) مادة 24 ( يقود القطاع العام التقدم فى جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية فى خطة التنمية ) مادة 30 ..  فان الحكومة ومجلس الشعب يخرقان  الدستور صراحة بالاعلان عن تولى القطاع الخاص 70% من خطة التنمية .. وذلك بعد بيع القطاع العام برخص  التراب فى سوق الاجانب( راجع المقال السابق) وأيضا بالمخالفة للدستور .

ثورة يوليو قامت على الاشتراكية وحكام الوقت الحاضر يتحدثون عن اقتصاد السوق الحر ( دعك الآن من الممارسة العملية التى لاتمت لهذا أو لذاك!! ) .

مجانية التعليم تحولت الى شعار بلا مضمون ( الدروس الخصوصية تكلف الاسر 12 مليار جنيه سنويا وهذا مجرد بند واحد) .

تعريفات العامل والفلاح تحولت الى الهزل أكثر منه الى الجد . النهضة الصناعية تحولت الى بوار شبه كامل .

العلاج المجانى لحق بالتعليم المجانى وأصبح شعارا بلا مضمون حقيقى .. فاذا لم تكن تملك المال الكافى فان ذلك سيكون سببا مباشرا لوفاتك اذا أصبت لاقدر الله بأمراض عضال.

باختصار شديد ان المظلةالشرعية أصبحت متآكلة ولم يتبق منها الا أقل القليل .. دون أن يتشجع النظام ويضع أساسا متكاملا  لحقبة جديدة .. فحدثت ترقيعات :

ورقة أكتوبر التي بشرت با لانفتاح الاقتصادي --  تعديل الدستور للاقرار بالتعددية الحزبية .. مع استمرار باقي النصوص كما هي .

 وبدون تأصيل عملية التحول - بغض النظر عن رأينا فيها - فان البلاد تسير في طريقها بصورة عشوائية وهذا ما حدث مع كل أسف .. فتركنا نظاما كانت له علاقاته الداخلية المترابطة والمتسقة .. دون أن نصل الى نظام جديد متسق وله منطقه الداخلي المتماسك .. كنا كمن أقلع بطائرته ولكن دون أن يهبط بها على أرض جديدة .

وفي بداية عهد الرئيس حسني مبارك حاول النظام الخروج من هذه العشوائيات.. ودعا في البداية الى مؤتمر قومي للاصلاح الاقتصادي والحقيقة أن التجربة كانت مبشرة .. ولكن توصيات هذا المؤتمر لم يؤخذ بها .. وسارت البلاد في طريق العشوائية .. وتغلبت علاقات التبعية الجديدة .. من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي .. وأصبحت التبعية هي الحقيقة المنظمة الوحيدة .. هي المؤسسة الوحيدة التي تعمل بانتظام .. وهي عين العشوائية - من وجهة النظر الوطنية - لأن القوى الأجنبية ( أمريكا - اسرائيل ) لاتريد لمصر قوة أو عافية أو ازدهار أو نماء .

ولكن المؤتمر الاقتصادي القومي لم يكن هو المحاولة الوحيدة لاصلاح أحوال البلاد في بداية عهد الرئيس مبارك .. ولابد أن نعطيه حقه .. كما سنقول رأينا بصراحة فيما آلت اليه أحوال البلاد في نهاية عهده وهذا ما سنواصله العدد القادم باذن الله ..

ملاحظة :

الدراسة قد تطول .. في عدة حلقات .. لذا لابد من وضع هذه المواقف العامةأمام عقل وقلب القراء .. ليفكروا معنا .. وليشاركوا في هذا الحوار .

اننا باختصار ..

(1) نرفض توريث الحكم .. وبالأخص في الظروف المصرية الراهنة .. لأنه سيكون  توريثا لخط التبعية للولايات الأمريكية المتحدة والصداقة مع اسرائيل .

(2) اننا سنناضل من أجل تعديل دستوري ليكون انتخاب رئيس الجمهورية بالترشيح المباشر .. وبالانتخاب الحر المباشر .. وليس عبر مجلس الشعب ثم عبر الاستفتاء على شخص واحد .

(3) ان هذا التعديل لابد أن يحدث خلال عام 2003 حتى تستعد الأمة لهذا التغيير .

(4) لابد لشخصيات عامة أن تطرح نفسها للترشيح لهذا المنصب .. وأن تتحرك من الآن على هذا الأساس .. وأن تنظم حركة لتعديل الدستور .

(5) ان نزاهة الانتخابات للبرلمان أو للرئاسة هي الأساس .. ان ما جرى في المغرب وباكستان وتركيا جعل انتخاباتنا فضيحة دولية مدوية .

(6) في حالة قيام حرب أمريكية ضد العراق أوضد بلاد عربية أخرى .. فان الأولوية تكون للتصدي الفوري لهذا العدوان .. وخروج مصر من دائرة التحالف مع أمريكا .. واذا أصر الرئيس مبارك على مجرد اصدار بيانات الأسف والتمني على أمريكا .. فانه في هذه الحالة لابد من حركة شعبية تطالب بالاستقالة ( وفقا لمادتي الدستور 83 ، 84 ) وترشيح رئيس جديد يقبل تحديات المواجهة ضد أمريكا واسرائيل .