تسويق أمريكا للمسلمين وبيع التمر في هجر

 

 

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

المسافة قصيرة جداً بين ميدان هارفارد في قلب مدينة كامبريدج في ولاية ماسوشيتس، ونادي هارفارد حيث تجتمع نخبة للتداول في شؤون العالم. وبين النادي والميدان تقع ساحة هارفارد، القلب النابض للجامعة الشهيرة، حيث توجد المكتبات الرئيسية ومساكن الطلبة الجدد ومرافق اخري. وفي اليوم الأول لوصولي الي هنا، وكان يوما ماطراً، فوجئت وأنا أعبر الميدان بكثرة المتسولين المنتشرين في أطرافه والذين يذكرك حصارهم بالجامع الكبير في أديس أبابا بعد صلاة الجمعة.

ولكن الصدمة الحقيقية جاءت في اليوم التالي حين اكتشفت عند مدخل ساحة هارفارد ما يشبه المأوي الدائم للمتشردين. كان أحدهم، لا أدري ان كان رجلا او امرأة لأنه التحف ملابس ثقيلة غطت رأسه ـ نائما علي كرسي في رابعة النهار، وقد دفن وجهه في ركبتيه ـ وبجوار النائم كانت هناك أماكن معدة لنوم خمسة آخرين افترشوا الأرض، ولكنهم لم يكونوا في فرشهم وقتها.

في نادي هارفارد حيث تناقش كل القضايا الكبري في العالم، نكتشف حين تطرح هذا الموضوع الهامشي انه ليس فقط مما لا يناقش، بل مما لا يفكر فيه، وقد ذكرني هذا بأول زيارة لي الي نيوهافن مقر جامعة ييل الشهيرة منذ بضع سنوات كان الجو صحوا وجميلا وخرجت اتمشي في جوانب المدينة الساحرة الآخاذة، حتي تجاوزت مباني كلية الطب بأمتار قليلة فإذا بي في عالم آخر، كأن المرء انتقل خلال ثوان من قلب امريكا الي أحد أفقر احياء العواصم الافريقية. وفي المساء اجتمعنا علي عشاء في فندق صغير في قلب المدينة، حيث كان النقاش ينتمي الي عالم آخر.

وحين أثرت القضية مع بعض الزملاء اكتشفت أيضاً انها لا تقض مضاجعهم وأنهم لا يرون غرابة في اقامة هذه الواحات والابراج العاجية في وسط غابة من الحرمان والفقر. الشيء الوحيد الذي ينبئك ان اهل جامعة ييل لم يكونوا غافلين عن واقعهم كان الاعلانات الموجودة في كل مكان في الجامعة والتي تحذر الطلاب من التجول فرادي بعد مغيب الشمس، مع إعطاء رقم هاتف ليتصل به من يريد التجول ليلا حيث يوجد مكتب متخصص لترتيب المرافقين بتجميع من يريدون التحرك من مكان الي آخر في جماعات.

جامعة كولومبيا الشهيرة ايضا تقوم علي حافة حي هارلم الأشهر في نيويورك. وقد قضيت ذات مرة ثلاث ليال ضيفاً داخل حرمها الجامعي، فكنت أسمع اصوات اطلاق الرصاص عدة مرات كل ليلة. وكما هو متوقع فان تعليقي علي هذا الوضع اثار استغراب الزملاء علي استغرابي لأمر أصبح لا يثير استغرابهم.

وفيما انا مشغول بتأمل هذه المفارقات عقب جولاتي وحواراتي في نواحي كامبريدج، طالعت في الـ نيويورك تايمز تقريراً يتحدث عن حملة رسمية امريكية لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم الاسلامي. وقد أطلقت الحملة هذا الاسبوع من اندونيسيا، بعد ان رفضت مصر، حسب التقرير، السماح باذاعة الأشرطة المتلفزة في اجهزة اعلامها الرسمية بحجة انها لا تقبل نشر مواد مدفوعة الأجر من دول اخري. ولكن المسؤولين الامريكيين أكدوا انهم ما يزالون يواصلون جهودهم لاقناع مصر بالمشاركة في الحملة التي تشتمل علي بث شرائط فيديو ومواد اذاعية وصحافية تصور احوال المسلمين في امريكا تصويرا ايجابيا.

الاندونيسيون الذين سعدوا بمشاهدة عرض اشرطة الفيديو التي تصور عائلات امريكية مسلمة وأفراد مرموقين من أصول جزائرية وليبية وغيرها، وبعضهم في لقاء مع الرئيس بوش، انتقدوا الحملة لأسلوبها المتعالي الذي لم يخل من المبالغة. ولكن الاشكال الحقيقي في هذه الحملة هو انها تنبع اساساً من افتراض خاطئ ومقولة اطلقها المسؤولون الامريكيون ثم صدقوها، رغم انها بغير اساس.

الرئيس جورج بوش ومساعدوه اطلقوا الزعم بأن المسلمين يكرهون امريكا بسبب ديمقراطيتها ومجتمعها المفتوح، مما يعني ان هناك حاجة لتغيير صورة امريكا عند المسلمين، وتصحيح مفاهيمهم المغلوطة حولها. ولكن واقع الأمر هو ان المسلمين يحبون امريكا اكثر من اللازم، نشهد بذلك هرولة الملايين باتجاهها، وولع مئات الملايين غيرهم بمنتجاتها الثقافية والمادية. ولعل جزءاً من الاشكال بين المسلمين وامريكا في هذا الوقت ينبع من الصد الذي يواجهه احباب امريكا، سواء اولئك الذين يقصدونها للزيارة من أجل العمل او المتعة، ليجدوا ابوابها موصدة في وجوههم، او يواجهون العبوس والتجهم والشك، او أولئك الذين قصدوها للاقامة ليجد اكثرهم انفسهم متهمين حتي يثبت العكس.

ولحسن الحظ فإن اكثر المسلمين غافلون عن تناقضات امريكا التي أشرنا اليها، ولا يرون إلا صورتها المشرقة . هناك بالطبع مسألة سياسات امريكا الخارجية، وهي تحديدا الأمر الذي يثير حنق المسلمين، وكثير غيرهم، بما في ذلك نسبة لا يستهان بها من الامريكيين انفسهم. الادارة الامريكية لا تحتاج اذن الي تسويق امريكا للمسلمين، ولكنها تحتاج الي تبرير سياساتها والدفاع عنها، وهو أمر غاية في الصعوبة لاسباب لا تخفي الا علي جورج بوش وبعض مساعديه.