عولمة وعلمانية ودين...
بقلم : اسامة الشريف
نتائج الانتخابات البرلمانية التركية تحتاج
الى كثير من التأمل والدراسة. فنحن نتكلم هنا عن فوز ساحق لحزب اسلامي الانتماء في
دولة حاربت الاسلام السياسي باسم العلمانية الغربية منذ ان حلت الجمهورية التركية
مكان السلطنة العثمانية المتهالكة قبل حوالي ثمانين عاما. وهذه هي المرة الثانية
خلال اقل من خمس سنوات التي يدفع بها الناخبون الاتراك بسياسيين اسلاميين الى سدة
الحكم في تركيا، الا ان التوقيت في هذه المرة يحمل الكثير من المعاني في الوقت
الذي يتكتل فيه الناخبون في العالم ما بين يمين الوسط واقصى اليمين بعد ان كان
الحديث قبل سنوات قليلة حول العولمة والانفتاح ونهاية التاريخ!
نجاح الاسلاميين في تركيا يخلق وضعا معقدا
للامريكيين والاوروبيين ولاسباب مختلفة، كما انه يشكل تحديا وفرصة في آن معا لكل
من عمل بالسياسة باسم الاسلام. فأمريكا تستعد لفصل جديد من حربها المفتوحة ضد
الارهاب المتمثل تارة بالسلفي اسامة بن لادن وتارة اخرى بنظام قومي لا ديني وما
بينهما من ملالي وآيات اللّه وشيوخ قبائل وخطباء مساجد واصحاب طريقة. وتشكل تركيا
حجر زاوية هاما، خاصة من الناحية العسكرية، في تحامل امريكا على جارتين مارقتين من
وجهة نظر واشنطن- هما العراق وايران. ولذا فإن التحالف الذي يسعى الرئيس جورج بوش
لبنائه يضم الآن وبعد التغير المهم في تركيا اطرافا لا تتفق على الاهداف العريضة
فما بالك بالتفاصيل؟
اما اوروبا فعليها ان تتعامل مع وضع فيه شيء
من سخرية الاقدار. فحكومات انقرة السابقة فشلت في تحقيق حلم تركيا بالانضمام الى
الاتحاد الاوروبي اما بسبب مسألة الاكراد او حقوق الانسان او غيرها، وان كان هناك
شعور دائما بأن هوية تركيا الاسلامية هي السبب الحقيقي في تخوف الاوروبيين من
دعوتها للدخول في نادي اوروبا. وغدا سيجد سياسيو بروكسل انفسهم منهمكين في مفاوضات
مضنية مع حكومة تفخر بهويتها الاسلامية وتصر على استكمال التزاماتها توطئة
للانضمام الى اوروبا.
الا ان هذا كله ليس هو الاهم في قصة الزلزال
السياسي التركي ان بزوغ نجم رجب طيب اردوغان ونجاح حزب العدالة والتنمية في واحدة
من اكثر الانتخابات نزاهة وديمقراطية لا يجب ان يفسر على انه بداية نكوص لتركيا
على ارث العلمانية ان اهمية تجربة اردوغان وحزبه تكمن في حرصهما على بقاء تركيا
دولة علمانية وديمقراطية في نفس الوقت الذي تجري فيه مصالحة تاريخية بين حاضر
تركيا الاتاتوركي وماضيها الاسلامي العريق ان نجاح الاسلاميين المعتدلين في
التعامل مع قضية الحكم بكل اشكالاتها الاجتماعية وتحدياتها السياسية والاقتصادية
في ظل مبدأ فصل الدين عن الدولة سيطرح مفاهيم جديدة لقضايا خلافية تتعلق بالاسلام
السياسي وحكم الشريعة ودور الدين في الدولة.
ولعل الاتراك استفادوا من تجارب الاسلاميين
في ايران والاردن والجزائر والكويت والباكستان وماليزيا وغيرها حيث كان الفشل في
كثير من الاحيان نصيب السياسيين الاسلاميين الذين اما انهم هددوا بمجيئهم وضعا
سائدا كما في الجزائر او انهم دفعوا بالمجتمع الى التمرد عليهم لفرضهم سياسات
اجتماعية متطرفة بدلا من التدرج في الاصلاح كما حدث في ايران وكما حدث عندنا في
الاردن في اوائل التسعينات.
وكما استفاد الاتراك من تجارب الغير فانه
يجدر بالسياسيين عندنا ان يدرسوا التجربة التركية. لا يكفي ان يطرح اسلاميو
الاحزاب هنا شعار الاسلام هو الحل للفوز بتأييد عامة الناس ثم الدخول في تجربة حكم
فاشلة ومروعة لا تطيح بالشعار فحسب وانما بكل من آمن به. تحديات العولمة
والعلمانية والدين تفرض كلها خيارات فكرية وعقائدية لم تكن مقبولة في السابق ولكن
التجربة التركية تثبت ان كل شيء ممكن في عالم السياسة.