بقلم :ابراهيم العبسي
نجاح الحزب الجمهوري واستحواذه على غالبية
المقاعد في الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي يحمل اكثر من دلالة وبعد، لعل
على رأسها تكريس النزعة اليمينية الاستعلائية الاميركية، وجنوح الولايات المتحدة
الى تبني سياسات خارجية اكثر تطرفا واصرارا على التحكم بمصير هذا العالم وشعوبه،
فاذا كانت الادارة الاميركية برئاسة جورج بوش الابن قد ظلت مترددة في اشعال نار
الحرب ضد كل من ترى فيه خطرا على مصالحها، وخروجا على طاعتها قبل ظهور نتائج
الانتخابات، فانها لن تتردد الان في اعلان عدائها وتهديدها لما هو اكثر من محور
الشر الذي اعلن عنه الرئيس بوش في وقت مبكر، وربما يضاف الى هذا المحور دول جديدة،
ظلت واشنطن تؤجل الاعلان عنها لاسباب تكتيكية، غير انها لن تجد حرجا او موجبا في
الاعلان عن كل »دول الشر« في العالم التي تراها واشنطن عقبة في طريقها الى السيطرة
على الكرة الارضية وفرض ظلها الاسود على العالم، كما ان هذا النجاح الذي لم يكن
متوقعا على هذه الصورة سيدفع الادارة الاميركية الى تجاوز القانون الدولي، ومجلس
الامن، واخذ القانون بيدها، غير آبهة بالمعارضة الاوروبية المتمثلة في فرنسا
وروسيا الاتحادية، اللتين تقفان ضد اصدار قرار جديد عن مجلس الامن يطلق يد واشنطن
في تدمير العراق واحتلاله والاطاحة بقيادته وفرض قيادة عسكرية مباشرة على بغداد،
ومن يدري ربما تتراجع كل من فرنسا وروسيا عن موقفيهما بعد هذه الانتخابات وتوافقان
على اصدار القرار الذي تتطلع اليه واشنطن.
العراق اذن بات على مرمى النار الاميركية،
كما ان دولا عديدة عربية واسلامية في المنطقة باتت مطروحة بقوة على اجندة
البنتاغون، ربما ليس عن طريق العدوان المباشر عليها، بل عن طريق املاءات سياسية
وثقافية وتربوية، تلغي الخصوصية الثقافية والروحية والتعليمية والتربوية لهذه
الدول، بما ينسجم مع الرؤية الاميركية لاحداث تغيير جذري وجوهري في المكونات الحضارية
لهذه الدول، اي بصيغة اخرى، افراغ هذه الدول من محتواها الديني والروحي، وارغامها
على اتباع النمط الاميركي الذرائعي والاستهلاكي المادي، والديمقراطي الكاذب الذي
يصب مباشرة في بوتقة المصالح الاميركية.
وباختصار شديد، يمكن القول، ان هذه
الانتخابات، النصفية للكونغرس الاميركي، والتي مكنت الجمهوريين من السيطرة الكاملة
على الكونغرس الاميركي بشقيه النواب والشيوخ، وكذلك سيطرة الجمهوريين على معظم
الولايات الاميركية، ستحدث خللا كبيرا في توازن الداخل الاميركي، وتؤدي الى
استفراد الجمهوريين بالهيمنة الكاملة على السياسات الداخلية والخارجية الاميركية،
هذا التوازن الذي ظل سمة الحياة السياسية في الولايات المتحدة منذ خمسين عاما،
الامر الذي يعني في التحليل الاخير زرع بذور صراع داخلي جديد في الولايات المتحدة،
ربما يتطور الى ما هو ابعد من صناديق الاقتراع، وحرية الكلام والتعبير والنقد، الى
مواجهة من نوع ما مع الحزب الديمقراطي الذي خرج بخفي حنين، ولم يعد له ثمة سوى
هامش محدود يتحرك فيه، بعد ان كان طرفا كبيرا في سجال الحكم في البيت الابيض على
مدى تاريخ الولايات المتحدة.
والغريب، ان صعود اليمين الاميركي المتكبر
والمتعجرف والاستعلائي، والذي ينظر بازدراء الى كل شعوب الارض في نزعة عنصرية
جديدة وخطيرة، يتزامن مع بوادر صعود اليمين الصهيوني المتطرف - رغم الازمة الظاهرة
- الامر الذي يعني ان العرب باتوا في موقف لا يحسدون عليه، لا سيما في ظل تطابق
السياسات الاميركية الخارجية، والسياسات الصهيونية، فيما يتعلق بالمنطقة العربية
التي باتت تواجه تحديا جديا وشرسا من لدن هذا الثنائي اليميني المتطرف الذي يحكمه
تحالف استراتيجي، يستهدف السيطرة الكاملة على الوطن العربي، واعادة تشكيل هذا
الوطن وفق رؤية استعمارية بالغة الضراوة والحقد والكراهية لكل ما هو عربي.
واذا كانت المنطقة العربية هي المستهدفة
بالدرجة الاولى وعلى نحو لم يعد يقبل الشك، من قبل الادارة الاميركية الحالية،
واليمين الصهيوني المتوقع صعوده الى سدة الحكم ثانية في تل ابيب، فان العالم
الاسلامي، والاوروبي، وحتى بعض دول اميركا اللاتينية مثل البرازيل وفنزويلا، كبرى
دول هذه القارة، والتي اختارت الايدولوجية اليسارية نهجا سياسيا واقتصاديا
واجتماعيا لها، بعد الانتخابات الاخيرة في البرازيل، لم تعد في منأى عن الاستهداف
الاميركي، وان كان هذا الاستهداف مؤجلا الى حين ولذلك يبدو لي ان العالم بات معنبا
بتشكيل جبهة دولية قوية في مواجهة النمردة الاميركية، والمروق الاميركي، والاطماع
والسياسات الاميركية، التي تستهدف السيطرة على هذا العالم، على نحو غير مسبوق،
والحاقه بالنظام الاميركي الجديد، الذي اطلقت عليه واشنطن في وقت مبكر، النظام
العالمي الجديد، اي الاستعمار الاميركي الجديد.