المثقف العربي.. عندما يكون مع وضد في آن

 

بقلم : عبدالله القفاري

 

ليس ثمة ما هو أقسى على المثقف الحر من حال المفاضلة بين خطرين.. خطر خارجي داهم وكابوس داخلي مهيمن.

أمام التداعيات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية فيما يعرف بالحرب على الدول التي تنتظم في خرائط الأمريكان ضمن محور الشر في حرب الإرهاب الجديدة، هل بوسع مثقف واحد أن يتجاوز مسؤوليته تجاه رفض الهيمنة الأمريكية واملاءاتها على دول المنطقة.. وأمام هذا العدوان الإسرائيلي الشرس والمتواصل الذي يستهدف إبادة الشعب العربي الفلسطيني هل ثمة متسع للمثقف أن يحرر العلاقة بين الاخفاق الذريع لهذه الأمة واستبداد وهيمنة النظام العربي أم يصطف في خندق مقاومة الاحتلال حتى زوال غمته وانكشاف بأسه.

أمام تداعيات من هذا النوع أين يقف المثقف العربي؟ وأمام هذا الزخم الحاشد الذي يسقط على المنطقة كل ظلال التفتيت والتقسيم واستقبال المجهول.. هل ثمة متسع من (لكن) الاستدراكية لندرك بها بؤرة المأزق ونشير فيها إلى عمق الخلل الذي صاحب تشكل وتطور وأخيراً انكشاف النظام العربي.. بعد أن أصبح النظام والشعوب العربية في سلة واحدة تستهدفها إرادة التفتيت والتقسيم والاخضاع.

اليوم والعراق والمنطقة بأسرها تتوجس من الحرب القادمة التي تهدد بها الولايات المتحدة الأمريكية.. والسيناريوهات البائسة تطرح سواء لعراق ما بعد صدام أو للمنطقة ما بعد 11سبتمبر وتداعياتها التي تتلاحق بشكل يفوق القدرة على التركيز بل ويعزز كثافة حضور نظرية المؤامرة وشرك الواقعة في مواجهة جديدة من مواجهات التاريخ الكبرى التي تستهدف ثقافة وكيانات ونظم وشعوب.. باتت من وجهة نظر غربية تشكل خطراً داهماً على ثقافة وحضارة الغرب في استباق غريب لا يعوزه استقرار الدليل قدر ما يعنيه إدانة الضحية وتكبيل قواها تحوطاً لمواجهة لا أحد يستطيع أن يخمن إلى أين تتجه و إلى ماذا ستنتهي وفي أي اتجاه ستؤول وتتخذ مما بات يعرف بالضربات الاستباقية أو الحرب الوقائية عنواناً جديداً يستجدي مشروعية حرب قذرة لا مشروعية لها.. وهنا تنفتح كل احتمالات المجهول الذي قد يذهب ليس بالعرب ككيانات سياسية قطرية تتوزع المنطقة من الحرب العالمية الأولى.. بل وكأمة ذات خصائص ثقافية ونفسية وعلاقات وجدانية لا يعوزها الاعتقاد بأنها غير قابلة للانفصام أو النفي.. بينما تتم الآن طرح كل خيارات التقسيم والتفتيت والإذابة سواء باستخدام ذرائع على طريقة دول محور الشر أو عن طريق إثارة نعرات الاثنيات التي تجعل العرب أقليات كبرى في بلدانهم وهي مما كان يبدو حتى وقت قريب أقرب للخيال ومما يحاك في عالم اللامعقول والمستبعد.

تتنازع ضمير المثقف الحر، لا ذلك المستعبد لشهوة الوظيفة والمال فذلك ما ليس يعنينا هنا.. وأولئك لا يشكلون في ضمير الأمة سوى ملامح باهتة عنوانها بؤس الحياة الثقافية التي تجلب مثل هؤلاء وتقدمهم إلى الصفوف الأولى ولا تنفيهم في عيون الوطن والناس.. تتنازع ضمير المثقف الحر حالتان يقف أمامهما بما يشبه العاجز أحياناً أو ربما تحول إلى ما يشبه السياسي البراجماتي أو قد يصبح من فاقدي الرؤية حد الولوج في خطايا الانتصار لخيارات ليست ضمن مهمة المثقف أصلاً إذا لم تكن تتناقض مع دوره الثقافي/ الاجتماعي التنويري والحركي.

الحالة العراقية اليوم حالة مثالية لاكتشاف حجم الصراع الذي يعيشه المثقف الحر، فهو بين نارين.. نار القوة العظمى التي جعلت الشعوب والنظم ووحدة الأوطان هدفاً استراتيجياً لا يخفى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى درجة التصريح بأن إعادة رسم خريطة المنطقة على نحو مختلف هو جزء من سيناريوهات تطرح وتناقش وتتم إعادة دراستها بجدية بل ويتم التصريح علناً بأن المنطقة تحولت بقدرة قادر بعد تلك الأحداث إلى عدو - وان اختلفت درجة العداوة - للولايات المتحدة الأمريكية والحضارة والثقافة الغربية.. ولابد من تدخل يعيد تشكيل وترتيب القوى الفاعلة فيها أو التي ينتظرها دور مهم في المرحلة المقبلة كالأقليات والطوائف والعرقيات الاثنية.. وهذه السيناريوهات لا يعنيها وحدة الوطن أو مصالح الأمة أو حقوق الشعب.. كل ما يعنيها أن يحقق هذا لها مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة وأن يضمن إسرائيل العضو الغربي المتقدم والمزروع في خاصرة الأمة.. وأن تضمن أمنها على المدى البعيد وتبعد عنها شبح التهديد.

لكن هذا المثقف أيضاً مسؤول مسؤولية أخلاقية عن مدى انحيازه لأنظمة استبدادية حاصرت هذا المثقف قبل غيره وهمشت مستقبل شعوبها ولم تنحز لخيارات أكثر تقدماً لمصلحة الأمة.. كيف يمكن لهذا المثقف الانحياز لها فقط لأنها تواجه الغضب الأمريكي اليوم أو انها في مرمى الخطر من الأحلاف العسكرية الغربية التي باتت تهيمن على مقدرات العالم والشعوب.

لن يكون في وسع مثقف حر أن يستبشر بالخطط الأمريكية لتغيير النظام في العراق، لأنه ليس من الرجم بالغيب أن مشروع التغيير يحمل في طياته تقسيماً محتملاً وخطيراً لهذا الكيان العربي.. الذي لن يظل كياناً عربياً متماسكاً حتماً.. بل ان الحرب الأهلية والنزاعات الطائفية والاثنية ليست هي الاحتمالات المتوقعة بل والحتمية لأي مشروع يستهدف النظام العراقي.. ولن يكون هذا المثقف على درجة من الضحالة أو الصفاقة أن يتصور أن الولايات المتحدة وحلفاءها الدوليين والاقليميين يهمهم أن يظل العراق موحداً ومتماسكاً سوى ما يضمن مصالحهم ويحقق أمن إسرائيل ولا يربك مخططاتها.. كما لن يكون في وسع مثقف حر إلا أن يتمنى زوال أي نظام قمعي استبدادي أذاق شعوبه الويلات وجر المنطقة إلى حروب ومآس ومأزق ما زالت تجتر آثارها وستطول.

بين كابوس يومي يلقي بعبئه الثقيل على ضمير المثقف - وهو هنا ليس سوى الشريحة الأكثر التصاقاً بالعمل العام - وهو يجد القتل المنظم والتدمير المتواصل والانهاك الشامل لقوى الإنسان العربي في فلسطين من قبل إسرائيل المدعومة حد التحالف الشامل والبنيوي من الولايات المتحدة الأمريكية.. وبين استفزاز أمريكي منظم واستنفار شامل لضرب العراق مهما حاول النظام هناك تقديم ما يسوغ تأجيل تلك الضربات أو ابطال سندها وذرائعها.. تبقى هناك منطقة مظلمة في ضمير هذا المثقف، فهو لا يمكن أن ينحاز لضربة يعرف أهدافها ويقدر بعض نتائجها التي لن تسفر عن وجه إنساني أكثر اشراقاً في منطقة من العالم تتخطفها كل عوامل التفكيك والانهاك والاستنزاف.. كما لا يمكن له الانضمام إلى جوقة الصراخين المتحسرين المندفعين لمساندة قوى ونظم لم تكتشف ان انسانها بعد يستحق حياة أفضل.

لن تكون مع وضد في آن والتي يبرع في استهلاكها مثقف يقف على حافة المجهول، سوى أيضاً نوع من الانتهازية الثقافية التي يمكن لها أن تغيب (لكن) إلى حين باعتبار ان المعركة الآن مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.. وما عدا ذلك مؤجل يمكن التعامل معه فيما بعد.. بل ان هذا المثقف في وسط الجو العدائي الذي تصنعه ثقافة اعلام موجه لن يكون بمقدوره سوى ركوب موجة الحشد والتضامن وتلك مهمة رائعة لولا انها لم تسلم من تهمة تحييد المثقف الملتزم لصالح روح الموظف السياسي البراجماتي، الذي يلعب لعبة السياسة ويجمع الخسائر ويقدر الأرباح دون أن يلتفت إلى العقدة التاريخية التي جعلت هذه الأمة تصل إلى هذا المستوى من الحال البائس الذي يجعل الانحياز إلى أي من الخيارين هو نوع من الانحياز إلى شيطان أصغر في سبيل الهروب من الشيطان الأكبر.

الذي يجعل أيضاً الاشكال أكبر وأخطر.. ان ذلك التنازع ينتهي دائماً إلى آلية حسم ليس دليلها القيم الإنسانية التي يؤمن بها هذا المثقف قدر ما هي مراهنته على أن الزمن كفيل بحل اشكالات من ذلك النوع الذي يترتب عليه تفويت حقوق إنسانية طبيعية يؤمن بها المثقف الحر ويدافع عنها كالحريات العامة والديمقراطية والمشاركة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني وتداول السلطة واحترام القانون واستقلالية القضاء وغيرها من القيم الحضارية في عالم اليوم.. لأنه ببساطة اكتشف ان الخطر المحدق بالعرب اليوم هو خطر يتعلق بوجودهم ككيانات قابلة للنمو.. وان التفتيت والتقسيم لم يعد أمراً بعيد الاحتمال وان اخضاع العرب شعوباً وحكاماً ليس أمراً بات محسوساً وملموساً.. وان تراخي قبضة أي سلطة عربية عن محاولة حفظ أمن وتماسك أوطانها هو لا يذهب فقط بالأوطان بل ويجعل حتى محاولة بناء مجتمعات أكثر التصاقا بقيم الحضارة وأكثر ارتباطا بوسائل التعايش المدني وأكثر انسجاما مع مشاريع الاصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي تصبح بعيدة المنال.

من يفضل اليوم - على سبيل المثال - عراقا مقسما الى كيانات هشة وصغيرة ومتنافرة ومتحالفة مع أعداء من كل جنس ولون وان بدا هناك شكل من أشكال الحريات والليبرالية المدنية.. من يفضل هذا على عراق موحد قوي متماسك حتى وان بدا ان السلطة التي تتحكم بإدارته باطشة وعنيفة وقاسية وقد تكون ظالمة.

إن النظم بكل قسوتها تذهب وتبقى الأوطان والشعوب.. وإذا سلمت الأوطان من التقسيم والفرز والاقتتال الداخلي.. فاحتمالات وصولها إلى صيغة أكثر تقدماً بحكم التطور التاريخي الملزم سيكون احتمالاً أفضل من حال دويلات تعيد عجلة التاريخ للوراء قروناً طوالا، كان فيها العرب ملوك طوائف وانتهى بهم الحال إلى لاجئين على ضفاف بحار لفظتهم لأنهم لم يكونوا جديرين بالحفاظ على ما بين أيديهم.