في تهافت مقولة عدم استفزاز امريكا
ان العلاقات الدولية هي عبارة عن علاقات قوة
ولا مكان للضعيف في هذه الساحة لان الضعيف سيسحق ويدمر ويذوب، ولذلك عندما سأل
ستالين لماذا لا تعترف بدولة الفاتيكان، أجاب: كم دبابة تملك الفاتيكان حتي تستحق
الاعتراف بها.
وللاسف نحن العرب او بالاحري حكامنا لم
يفهموا هذه المعادلة، ولم يفهموا ان الساحة الدولية اليوم هي عبارة عن تكتلات
وتجمعات اقليمية واقتصادية. وان دولة بمفردها لا تستطيع ان تفعل اي شيء او تغير
موازين القوي.
وامريكا وفقا من هذا المنظار تنظر الي العرب
ودولهم باحتقار وازدراء، وتوجه لهم الادارة الامريكية رسائل توبيخ وانذار يغلب
عليها طابع الامر وتنفيذ الاوامر بدون اي مراعاة للاصول الدبلوماسية والبروتوكولات
الدولية المتعارف عليها، واستشهد هنا بالرسالة التي وجهها بوش الأب للرئيس صدام
حسين قبل حرب الخليج الثانية والتي يأمره فيها بالانسحاب من الكويت بلهجة غير
دبلوماسية مما ادي بطارق عزيز عندما تعرف علي فحواها رفض استلامها وبقيت الرسالة
علي طاولة فندق كونتيننتال في جنيف.
ويتدخل السفراء الامريكيون وبدون اي مراعاة
للقواعد المتعارف عليها والبروتوكولات الدبلوماسية بطلب مقابلة الزعماء العرب
لاملاء شروط وتوصيات امريكية، والمطالبة بحذف فقرات من جداول مؤتمر القمم العربية،
واحيانا يطلبون وبشكل فاضح تأجيل انعقاد المؤتمر او يقفون بشكل راديكالي ضد حضور
او مشاركة شخصية عربية مرفوضة امريكيا وغير مرضي عنها من طرف البيت الابيض.
والغريب ان هناك اصواتا تصدر من بعض الجهات
العربية تطالب بوجوب عدم استفزاز امريكا وعدم انتقادها بشدة او ادانتها، او توجيه
اللوم لسياستها الخارجية.
واستغرب هنا صدور هذه الاصوات وفي هذا الوقت
بالذات، فالسعودية حليفة امريكا لم تستفز هذه الاخيرة ابدا بل علي العكس من ذلك،
فقد امدتها بالنفط ووضعت في مصارفها استثماراتها المالية مساهمة بذلك برفع قيمة
الدولار الامريكي.
اما بالنسبة لسورية فسأكتفي بالتعهدات التي
قطعها جورج بوش الأب للرئيس الراحل حافظ الأسد في فندق الكونتيننتال بجنيف عندما
تقابلا في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1990 اي قبل شهرين من معركة الخليج الثانية
وهي:
1) العمل علي ايجاد تسوية سلمية لقضية الشرق
الاوسط تسترد فيه سورية جولانها وفقا لحدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967.
2) عدم التعرض لسيادة ووحدة الاراضي العراقية
في حال طرد القوات العراقية من الكويت.
3) الاعتراف لسورية بدور اساسي ومركزي في
لبنان.
4) شطب اسم سورية من لائحة الدول الارهابية.
اين نحن من هذه التعهدات بعد مرور اثنا عشر
سنة عليها، فلا التسوية السلمية حصلت، ولم تسترد سورية جولانها، اما بالنسبة
للعراق فوحدة اراضيه وكيانه وسيادته اصبحت مهددة بشكل فعلي، واخيرا بالنسبة للدور
السوري في لبنان فهو بدوره اصبح مهددا بعد المناورات التي تشنها اجهزة الادارة
الامريكية ضد هذا الدور وعلي رأسها الكونغرس الامريكي محركة بعض التيارات
اللبنانية الحاقدة مستخدمة اياها كمطية للضغط علي دمشق، اما بالنسبة لشطب اسم
سورية من لائحة الدول الارهابية علي قائمة وزارة الخارجية الامريكية، فحدث ولا
حرج، وهناك من يطالب اليوم ليس بشطب اسم سورية من هذه القائمة، بل اضافة عقوبات
جديدة عليها في حال عدم انسحابها من لبنان، وبعد كل هذا وذاك، نسمع من بعض رؤساء
الاجهزة الامنية انه يجب عدم استفزاز امريكا حتي لا يحصل لنا ما حصل لسورية كما
يحصل حاليا للعراق، يجب ان لا يغيب عن بال السوريين انه اذا امريكا طعنت بصداقة
حلفائها التقليديين كالسعودية وايران الشاه، فهل ستتواني او ستتجنب طعن الآخرين
الذين لا تعتبرهم بمثابة الحلفاء؟
بل يجب ان يعرف السوريون بأن وعود بوش للرئيس
الراحل حافظ الاسد كانت بمثابة وعود مكماهون للشريف حسين ووعود الادارة الغربية
لعرفات عندما خرج من لبنان واعدين إياه بأنه لن يصيب اي سوء السكان الفلسطينيين في
المخيمات، وكلنا يعرف ماذا حدث في صبرا وشاتيلا بعد خروج عرفات. واريد ان اسأل هنا
المصريين الذين يعتبرون ان مصر قد استفتزت امريكا في قضية الباحث المصري سعد الدين
ابراهيم بغض النظر عن عدالة او عدم عدالة الحكم القضائي المصري بحقه بأن هناك
مبادئ وقوانين دولية تمنح الحق الكامل لأي دولة مهما كانت مساحتها وعدد سكانها
بممارسة سلطاتها القضائية السيادية علي اراضيها وبدون اي تدخل خارجي، والسؤال
الموجه لأولئك المصريين هل قبلت امريكا بالتعاون القضائي مع مصر في حادثة سقوط
الطائرة المصرية فوق الاراضي الامريكية؟
اما بالنسبة لصدام حسين والاصوات التي تعلو
وتعلن علي الشعب بأن صدام حسين استفز امريكا واقام علاقات مع القاعدة وبن لادن،
نرد علي هذه الاصوات وبغض النظر ان كنا نحب او نكره صدام حسين بأن الضربة مبيتة ضد
العراق حتي ولو نزع صدام حسين ورقة التوت ورضخ بشكل كامل للمطالب الامريكية، وقصة
ضرب العراق شبيهة بقصة الداي حسين مع القنصل الفرنسي الذي هدده بمروحة الذباب بسبب
عدم تسديد فرنسا للديون الجزائرية، حتي ان بعض المؤرخين اعتبروا هذه الحادثة بمثابة
الذريعة لغزو واحتلال الجزائر عام 1830، بينما اثبتت الوثائق ان الغزو الفرنسي كان
محضرا قبل سنة من هذه الحادثة.
وفي الختام، فانني اناشد الحكام العرب
والمسلمين وقف هذا التدهور الحاصل وهذه البيانات الضعيفة والفاترة تجاه امريكا،
فانا لا اطالب بالصدام مع امريكا واعلان الحرب عليها، لان هذا ليس في نية وقدرة
الانظمة العربية، بل اطالب اولئك الحكام بالوقوف صفا واحدا ضد التهديد الامريكي
لوجودهم كأنظمة وسيادتهم علي اراضيهم، وحق التصرف بثرواتهم، انني هنا لا اتكلم عن
الشعوب التي اصبحت في خبر كان، ولكن البيت عندما يحرق سينهار علي الجميع انظمة
وحكاما وشعوبا، والوقوف بوجه امريكا لن يتم الا عبر اتحاد اقليمي بين سورية
والعراق وايران والسعودية ومصر او علي الاقل اتحاذ مواقف موحدة وبيانات تشجب هذا
التدخل الامريكي السافر في شؤون الآخرين، وكفانا عيشا في التاريخ وذكريات القادسية
ومقتل الامام علي رضي الله عنه، ومجزرة كربلاء والدخول في الانقسامات الطائفية
والمذهبية، فكيف يمكن تفسير اتفاق رامسفيلد المسيحي المتطرف مع شارون اليهودي
المتطرف علي اهانة وذل العرب والمسلمين، بينما لا يستطيع صدام حسين زيارة ايران او
سورية؟ كيف يمكن لنا ان نتكلم عن امة عربية واحدة او اسلامية خالدة بينما نحن
عاجزون عن الاتفاق علي الحدود الادني من التضامن؟ وفي وجه هذا الخطر المحدق، وفي
الاخير، نقول للايرانيين ان امريكا سترفضهم مهما حاول البعض منهم التقرب منها،
ترفضهم كاصلاحيين ومتطرفين، والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، ودرس الشاه ما زال
ماثلا امام اعينهم.