زلزال في تركيا

 

 

بقلم : حسين الرواشده

 

منذ انقلاب العسكر على اربكان (حزيران 1997) وهدير الازمة في تركيا لم يتوقف، لا من ناحية الاسلاميين الذين اجهضت تجربتهم في الحكم وارغموا على تغيير جلدهم تحت ضغوط التخويف وسحب الشرعية والاستئصال، ولا من ناحية العلمانيين المدعومين من العسكر والبازار الذين استماتوا - وما يزالون - من اجل تغريب تركيا والغاء هويتها الاسلامية واجبار الشعب التركي المسلم على الزواج كرها من العلمانية.

لكن الزلزال الذي هز تركيا في الانتخابات الاخيرة، لم يكن مسبوقا على اية حال، فقد الحق زعيم حزب العدالة والتنمية اردوغان بالاحزاب العلمانية وبالحكومة الخفية التي تقف وراءها اقسى هزيمة تشهدها تركيا منذ ثورة اتاتورك على الخلافة الاسلامية قبل نحو ثمانين سنة، اذ حصد نحو 70% من اصوات الناخبين وبما يعادل 350 مقعدا في البرلمان (حصل اربكان قبل ست سنوات على 158 مقعدا: 21% من الاصوات) وهي نتيجة تؤهله لتشكيل الحكومة دون الحاجة لمشاركة الاحزاب الاخرى.

وقبل ان نقرأ المشهد التركي عشية الانتخابات بما فيه من تعقيدات، لا بأس ان نشير الى ملاحظتين سريعتين: اولاهما ان الصراع على السلطة في تركيا (85% من سكانها مسلمون) هو صراع حضاري في الدرجة الاولى، رغم لبوساته السياسية والدينية، فقد انتهت التجارب التي وصل اليها المحسوبون على التيار الاسلامي هناك (مندريس مثلا الذي اعدم بعد الانقلاب عليه، واربكان الذي قدم استقالته بعد سنة من الحكم وانتهى الى المنع من ممارسة العمل السياسي) الى انقلابات غالبيتها عسكرية، اعادت العلمانيين الى السلطة، وتركت لمجلس الامن القومي الذي يسيطر عليه الكماليون حرية معاقبة او حذف كل من يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها اتاتورك لتحويل تركيا والى غير رجعة، عن محيطها الاسلامي وهويتها الحضارية.

اما الملاحظة الثانية فهي ان الصورة التي قدمها الاسلام المعتدل في تركيا، مقارنة بصورة التطرف العلماني الذي رفض - وما يزال - حكم الصناديق الديمقراطية هذه الصورة التي بدأها حزب الرفاه وانتهى اليها حزب العدالة، يمكن ان تسجل نموذجا قابلا للتعميم في تركيا وخارجها ايضا، اذ يثبت الاسلاميون انهم اكثر حرصا على الديمقراطية وخيارات الناس من خصومهم، واكثر فهما لمشكلات مجتمعاتهم وقدرة على معالجتها، فيما يعبر خصومهم من العلمانيين والعسكر والمستفيدين من لعبة الصراع عما هو اسوأ من تدخل الدين في السياسة، الحجة التي يرفعونها في وجه الاسلاميين حين يسعون الى تديين السياسة ذاتها، والانقلاب على الديمقراطية والتعامل مع الاخرين بمنطق القتل والاستئصال.

ومع اننا نتمنى ان يتعلم العلمانيون من درس سقوطهم في هذه الانتخابات، وان لا تتكرر تجربة العسكر مع مندريس واربكان (نتذكر الشروط العشرين التي فرضها العسكر على اربكان لدفعه الى الاستقالة بعد قراره برفع الحظر على التبرع بجلود الاضاحي في عيد الاضحى لمؤسسات غير حكومية والسماح للنساء بارتداء الحجاب)، الا ان ثمة ما يشير الى ان ما حدث لاربكان منذ 29 حزيران 1996 سيتكرر لاردوغان وقد بدأ ذلك فعلا، رغم ان التصريحات التي اطلقها الرجل لم تمس العلمانية ولا العسكر ولا الاسلام السياسي الذي يخشون منه، ولعل استنساخ بيان جديد من قبل مجلس الامن القومي كالذي صدر للاطاحة باربكان، مسألة يمكن ان تعاد لاخراج اردوغان وحزبه من الحكم، لا سيما وان المجلس - كما جاء في بيانه انذاك - يدرس كافة الملفات الخاصة بالحركات الرجعية التي تستهدف النظام الديمقراطي العلماني واسس النظام الاجتماعي القائم على الافكار الكمالية التي اقرها الدستور.. والتي تحاول تهيئة الجو لاقامة نظام خارج افكار العصر (المقصود بذلك كله الاسلاميون) الامر الذي يقوض اركان الدولة ويحطم ارادتها وديمقراطيتها ويحول دون دخول تركيا الى المجلس الاوروبي.. الخ.

وبموجب ذلك تم اقصاء الاسلاميين من السلطة وتم تنصيب زعيم حزب الوطن الام رغم انه لم يحصل الا على المركز الثالث (116 نائبا) فقط.

لكن ذلك، ان حصل، سيزيد من شعبية الاسلاميين وسيدفع هذا البلد لا سمح الله الى مزيد من الازمات، وسيكون عنوانا لصراعات قادمة لا يعرف احد مداها.. ولا يستفيد منها الا اعداء تركيا.. ودعاة فصلها عن امتها وهويتها الاسلامية.