بقلم : خليل السواحري
ثمة حرب ظالمة وذات ابعاد استراتيجية خطيرة
تدور رحاها في الضفة الغربية الآن بين الفلاحين الفلسطينيين ملاك شجرة الزيتون
وبين المستوطنين او من يطلق عليهم لقب »زعران التلال«.
يقوم هؤلاء بحرق اشجار الزيتون وتجريفها
واطلاق النار على الفلاحين الذاهبين لقطف ثمار اشجارهم، وقد سقط العديد من هؤلاء
برصاص المستوطنين خاصة خلال هذا الموسم وكان آخرهم الشاب هاني يوسف من قرية يانون
التي تحولت على يد المستوطنين الى نموذج لما يمكن ان يكون بداية للترانسفير المنوي
تنفيذه.
هذه القرية حاصرها المستوطنون وسدوا عليها
منافذ الحياة ومنعوا اهلها من الوصول الى زيتونهم فقتلوا من تحدى الحصار، احرقوا
منازلها وكرومها وروعوا سكانها ولم يبق امام اهلها منفذ للحياة سوى مغادرة ما تبقى
من اطلال في هذه القرية.
العداء اليهودي لشجرة الزيتون يبدو في جانب
منه عداء لاحد اهم الرموز التاريخية في فلسطين، لقد تحولت شجرة الزيتون على مدار
التاريخ الى معلم حضاري عربي ومن قبله كنعاني، ولا بد لقبائل الغزو من الرعاة،
وفقا لتاريخ الدخول العبري الاول الى فلسطين من مناصبة العداء للزيتون وللزراعة
بشكل عام، والاسرائيليون يقومون اليوم بنفس الدور الذي قام به العبرانيون الاوائل
من غزاة فلسطين حين حرقوا الزرع والضرع، وفقا لما تقول اسفار التوراة.
حقد المستوطنين على شجرة الزيتون التي اصبحت
تجسد رمزا من رموز الصمود الفلسطيني دفعهم الى احراق آلاف الاشجار وتجريف حقول
كاملة من الزيتون المحاذي للقرى العربية مثلما حدث لقرية عابود شمال غرب رام اللّه
حين دمرت جرافات المستوطنين والجيش الاسرائيلي كروم الزيتون على مدخلها، كروما
يبلغ طولها كيلومترين بعرض خمسين مترا على جانب الطريق وقد وصل الدمار حدا لم يعد
اصحاب الارض قادرين على معرفة حدود ما كان يسمى كروما لهم، لقد دمرت جرافات الجيش
وعصابات المستوطنين 3500 شجرة زيتون ومئات اشجار التين والكرمة على مساحة مقدارها
الف دونم، ومثل ذلك، وربما بشكل اكثر بشاعة، حدث لكروم الزيتون والتين والكرمة
واللوزيات لقرى عقربا وصفا وسالم ويانون وكفر قليل وصانور وعصيرة الشمالية ويعبد
وقباطيا وعورتا ودير الحطب واللبن الشرقي والساوية وعينابوس والجانية وياسوف
وقريوت وبيت فوريك وترمسعيا وبلعين والمزرعة الشرقية وعزون وكفر اللبد والقراره
ونعلين وخان يونس وجالود ومدينة جنين وغيرها.
ولم تتوقف حرب المستوطنين وزعران التلال على
شجرة الزيتون، مصدر الدخل الرئيس للفلاح الفلسطيني، بحرقها وتجريفها وحرمانه من
الوصول اليها، بل اخذت الحرب في الآونة الاخيرة شكلا اكثر خطورة انه سرقة ثمار
الزيتون بقوة السلاح جهارا نهارا لحرمان الفلسطيني من قوته.
وحين احتجت بعض اوساط اليسار الاسرائيلي على
سرقة المستوطنين لثمار الزيتون الفلسطيني بادر الحاخام الاكبر مردخاي الياهو الى
اصدار فتوى اباح فيها للمستوطين نهب ثمار الزيتون الفلسطيني، يقول الحاخام: »ان
الارض التي زرعت فيها الاشجار هي ارث لشعب اسرائيل، وثمار الاشجار التي غرسها
الاغراب في الارض غير التابعة لهم تعود لنا!! »اي لليهود««.
وقد اثارت هذه الفتوى سخط عدد من الكتاب
الاسرائيليين البارزين وبعض انصار اليسار الاسرائيلي فقاموا بحملة لمشاركة
الفلاحين الفلسطينيين جني ثمار اشجارهم، وذلك يوم 31/10/2002 ونشرت الصحف
الفلسطينية صورا لهؤلاء وهم يقطفون ثمار الزيتون الى جانب الفلاحين الفلسطنيين
وكان من بينهم الروائي عاموس عوز صاحب رواية الطريق الى عين حارود والكاتب دافيد
غروسمان صاحب كتاب الزمن الاصفر والكاتب أ. يهوشواع والكاتب مئير شاليف، وفي معرض
تعليقه على جرائم سرقة الزيتون قال الصحفي الاسرائيلي زئيف شيف: انها جريمة اخرى
تضاف الى جرائم المستوطنين فلأول مرة في النزاع الحالي بين الفلسطينيين
والاسرائيليين يقوم الاسرائيليون بسرقة ومصادرة الغذاء الفلسطيني.
ويضيف شيف: ان سالبي محاصيل الزيتون يظهرون
بأن الاسرائيليين ايضا يساهمون في هدم سلطة القانون في مناطق السلطة الوطنية، فلو
كان السالبون »لصوص الزيتون« قد صدوا في الحال لظهرت الامور على نحو مغاير، قعمق
الانعطافة التي تحدثها هذه الافعال تجد تعبيرها في الوهن الذي يبديه الجيش
الاسرائيلي، والعديد من الضباط يخجلون من هذا الوهن فلا اهمية لادانة رئيس الاركان
لعملية سلب المحاصيل اذا لم يقم الجيش بمنع ذلك.
ويضيف شيف: »بأفعالهم يقول السالبون رسالتهم
في انها ليست حربا ضد الارهاب بل هي حرب لتعميق الفقر لدى الفلسطينيين وتجويعهم«.
ولبيان مدى الاضرار التي تلحق بالفلسطينيين
جراء اتلاف موسم الزيتون لهذا العام يكفي ان نعلم ان حوالي 600 الف فلسطيني يعيشون
بهذا القدر او ذاك، من محاصيل الزيتون التي تشكل ما نسبته 20% من اجمالي الدخل
الزراعي. الارقام المتواضعة لمحصول الزيتون لهذا العام تشير الى ان صافي الدخل
للفلسطينيين من الزيتون والزيت يصل الى اكثر من 200 مليون شيكل، وان الفائض عن
حاجة الاستهلاك المحلي لمناطق السلطة من زيت الزيتون يقارب 25 الف طن هناك حاجة
ماسة لتصديرها، ولا بد للدول العربية المجاورة وغير المجاورة ان تسهل مثل هذا
الامر لما ينطوي عليه من دعم لصمود الفلاحين وتحويل مادة الزيت الى مواد غذائية
اخرى يستعين بها الفلسطيني لمقاومة الحصار والاغلاق والتهجير.
وقد بادرت السلطة الفلسطينية باجراء
الاتصالات اللازمة مع عدد من الدول العربية لشراء فائض زيت الزيتون الفلسطيني بدلا
من استيراده من اسبانيا او تركيا او اليونان.
ان حرب الزيتون الدائرة حاليا على ارض فلسطين
وما يصحبها من اتلاف لهذه الشجرة التاريخية وهدم لمنازل الفلسطينيين هو ضرب خطير
في عصب الصمود الفلسطيني والحاجة الى مواجهته لا تقل اهمية عن سائر اوجه الدعم
الاخرى المالية والعينية.