بقلم : د. سعيد الشهابي
الزلزال السياسي الذي حدث في تركيا عبر
صناديق الاقتراع يعتبر الاكبر ربما منذ قيام الدولة العلمانية قبل 79 عاما،
والاخطر كذلك لانه يكرر المشهد الذي ادي في السابق الي تدخل الجيش علنا في الشؤون
السياسية لاسقاط الممارسة الديمقراطية، والاكثر تحديا للنظام العلماني الذي فرضه
كمال اتاتورك علي البلاد متزامنا مع سقوط الدولة العثمانية في العشرينات مع القرن
الماضي. وبالرغم من ان استطلاعات الرأي اشارت الي احتمال فوز حزب العدالة والتنمية
علي بقية الاحزاب، فان ما حققه من فوز ساحق أدهش الكثيرين وأدخل البلاد حقبة
سياسية محرجة جدا للمؤسسة العسكرية. كما انه خلق ازمة للحزب نفسه، اذ يفترض ان
يكون رئيسه، رجب طيّب أردوجان، رئيسا للحكومة المطلوب تشكيلها، ولكنه لم يخض
الانتخابات بسبب حكم قضائي صدر ضده في 1999 عندما كان عمدة لبلدية اسطنبول بحجة
انه يمزج بين الدين والسياسة. وبالتالي مطلوب من الحزب اختيار احد اعضائه
المنتخبين لتشكيل الحكومة، وهي عملية ما تزال موضع نقاش ومشاورات داخل الحزب. اما
الجيش الذي قام بانقلابات عسكرية عديدة خلال العقود الثمانية الماضية، فما يزال
يتدبر الامر ويراقب ما يجري في الوقت الحاضر. فقد عانت تركيا من التدخلات العسكرية
المتتالية وانعكاساتها السلبية علي امن البلاد واستقرارها واقتصادها ونظرة الآخرين
لها. وبالرغم من عدم ارتياح النخب العلمانية التركية والحكومات الغربية عموما من
الفوز الساحق للاسلاميين، فهناك شعور عام بان هذا الفوز يؤهل حزب العدالة والتنمية
لقيادة حكومة مستقرة بعيدة عن المتاعب التي تواجهها الحكومات الائتلافية الهشة
التي سرعان ما تسقط عند اول اختلاف شديد بين اعضاء الائتلاف. فالحزب الذي يهيمن
علي 363 مقعدا من مقاعد البرلمان الـ 550 ليس بحاجة للائتلاف مع الحزب الآخر
الوحيد الذي دخل البرلمان وهو حزب الشعب الجمهوري الذي حصل علي اقل من 20 بالمئة
من الاصوات (اي 178 مقعدا).
نظام الانتخاب في تركيا يقوم علي اساس انتخاب
الاحزاب وليس الاشخاص، ويشترط في الاحزاب المشاركة الحصول علي نسبة لا تقل عن 10
بالمئة من الاصوات لدخول البرلمان حتي لو حققت في بعض المناطق اكثر من ذلك. وحيث
ان حزب اليسار الديمقراطي الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء الحالي، بولند اجاويد، لم
يحصل الا علي 3.1 بالمئة من الاصوات، فقد خسر اجاويد نفسه مقعده في البرلمان. وكان
يشعر بتراجع شعبيته هو وحزبه منذ فترة، ولذلك فقد تردد في الدعوة لانتخابات مبكرة
مرارا، بالرغم من تداعي صحته منذ اكثر من عام، ودخول تركيا في مسلسل من الازمات
الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج. ولم يوافق علي اجراء انتخابات مبكرة الا
بعد انسحاب حوالي نصف اعضاء التحالف المكون من ثلاثة احزاب، بعد ان اصبح هذا
التحالف مشلولا ويعاني من تصدعات داخلية بينما كان اجاويد البالغ من العمر 77 عاما
يرقد علي سرير المرض بالمستشفي اولا وفي منزله بعد ذلك. واثناء حكم هذا التحالف
الهش حدثت ازمة بين الرئيس، احمد نجدت سيزر، ورئيس الوزراء، بولند اجاويد، في اثر
اتهام الرئيس الحكومة بالسلبية في مواجهة الفساد. هذا الخلاف العلني ادي الي ازمة
اقتصادية فورية، اضطرت الحكومة معها الي تعويم العملة الرسمية التي فقدت اكثر من
نصف قيمتها خلال الاثني عشر شهرا اللاحقة. وعندما تقدمت تركيا في فترة سابقة من
هذا العام الي صندوق النقد الدولي بطلب قرض قدره 16 مليار دولار طرحت عليها شروط عديدة
لاصلاح اوضاعها السياسية والاقتصادية. وفي بداية آب (اغسطس) الماضي بدأت لجنة
العدالة بالبرلمان مناقشة المقترحات التي تهدف لتوفير شروط الانضمام الي الاتحاد
الاوروبي من جهة والحصول علي قروض صندوق النقد من جهة اخري. وبعد مداولات كثيرة تم
اقرار عدد من الاصلاحات اهمها الغاء عقوبة الاعدام وتحسين ملف حقوق الانسان،
السماح بتدريس اللغة الكردية بين المواطنين الاكراد وبث البرامج بلغتهم، وتخفيف
الحظر علي حرية التعبير والتجمع. وتجدر الاشارة الي ان التمرد الكردي ادي الي قتل
اكثر من 30 الف شخص.
وهكذا ستكون لنتائج الانتخابات التركية أبعاد
عديدة. فهي أولا مؤشر لمدي استعداد الجيش لقبول نتائجها، والاعتراف بحق حزب
العدالة والتنمية في ممارسة السياسة في اعلي مستوياتها. هذا الجيش بجنرالاته
الموالين لأفكار كمال أتاتورك، مؤسس جمهورية تركيا علي انقاض الدولة العثمانية، هو
الذي أسقط في العام 1997 حكومة التحالف بين حزب الرفاه الذي كان برئاسة نجم الدين
اربكان وحزب الطريق القويم الذي كان برئاسة تانسو تشيلر. وبعد ذلك تم حل حزب
الرفاه ومنع اربكان الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك من ممارسة العمل السياسي عشر
سنوات. صحيح ان حزب العدالة والتنمية يختلف شيئا عن حزب الرفاه ثم حزب الفضيلة
الذي تأسس بعد حل الاول، ولكنه يعتبر اسلاميا وبالتالي يمكن ان يكون عرضة للقوانين
التي تمنع المزج بين الدين والسياسة. ونتيجة للتجربة المرة التي حدثت قبل خمسة
اعوام، بادرت قيادة الحزب لتأكيد علمانيتها والتزامها بدستور جمهورية أتاتورك،
وتمثل رئيس الحزب بكلام أتاتورك بضرورة الاستماع الي رأي الشعب. محاولات الحزب هذه
تهدف لعدم اثارة الجنرالات الذين يعتبرون انفسهم حراسا للنظام العلماني لجمهورية
اتاتورك، وطمأنة الدول الغربية بعدم وجود أجندة اسلامية يسعي الحزب لتطبيقها.
ويعلم قادة الحزب ان الجيش الذي يبدو احيانا خارج الممارسة السياسية اليومية،
يراقب ما يجري عن كثب، وفي اغلب الدوائر الحكومية هناك تمثيل للجيش يمارس هذه
الرقابة بصرامة للتأكد من ابقاء الدين بعيدا عن حياة الناس. فما يزال الحجاب
ممنوعا في المؤسسات العلمية والحكومية ولا يسمح للمؤسسات الرسمية او العامة توظيف
المحجبات. وقبل اربعة اعوام حرمت احدي عضوات البرلمان من مقعدها بسبب ارتدائها
الحجاب، بحجة انها تحمل الجنسية الامريكية. ويقول الحزب انه سوف يتعامل مع
المحجبات كما هو معمول به في سائر الدول الاوروبية التي تعتبر الحجاب امرا خاصا
يدخل في نطاق ممارسة الحرية الشخصية.
الحكومة التي سوف يشكلها حزب العدالة
والتنمية ستجد امامها مهمات كبيرة تستدعي طروحات قادرة علي استعادة موقع تركيا
الذي فقدته في العقود الاخيرة، وسوف تواجه عقبات كثيرة، داخلية وخارجية. فعلي
الصعيد الداخلي، يمثل الاقتصاد التحدي الاكبر للحكومة المقبلة. وقد حاول الحزب
طمأنة الجهات الاقتصادية والسياسية الدولية باعتدال اطروحاته والتزامه بقوانين
الجمهورية، وعبّر رجال الاعمال الاتراك عن املهم بان يكون استقرار الحكومة عاملا
ايجابيا لتوفير مناخ اقتصادي مستقر. ويعلم الحزب قبل غيره ان القرض الذي تطلبه
تركيا من صندوق النقد محكوم ليس باعتبارات اقتصادية فحسب بل بمواقف سياسية كذلك.
فالبلد مثقل بديون خارجية كثيرة وتتداخل مشاكله الاقتصادية بضغوط سياسية من قبل كل
من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية و اسرائيل . فاذا كانت التنازلات
التي قدمتها حكومة اجاويد للغرب غير كافية لاقناع الاتحاد الاوروبي بصلاحية تركيا
لعضوية الاتحاد مع وجود حكومة لا دينية، فكيف سيكون الامر اذا كان حزب العدالة
والتنمية، هو الحاكم؟ وبالتالي، فحتي لو حصلت تركيا علي ما تريده من قروض في الوقت
الحاضر فان هذه القروض ستكون وسيلة اضافية لوسائل الضغط الاخري التي لا تنفك عن
ابعادها العقائدية والدينية. ويرتبط الوضع الاقتصادي بالفساد المالي والاداري
المستشري في اوصال الدولة، فهل لدي الحزب برنامج لاحتواء هذا الفساد؟ وهل يمكن
تحقيق نهضة اقتصادية مع وجود هذا الفساد؟ المتفائلون يرون في زعيم الحزب طاقة
ايجابية للتطوير نظرا لتجربته في تطوير اوضاع مدينة اسطنبول التي كان عمدة لها في
الفترة 1994 ـ 1998.
ومن جانب آخر، ستجد الحكومة نفسها مطالبة
بتحسين الاوضاع المعيشية للملايين الذين وضعوا ثقتهم فيها لاسبابهم المختلفة. وثمة
شريحة غير قليلة من هؤلاء انطلقوا في موقفهم من انتمائهم الديني ورغبتهم في
استرداد شيء من التراث الاسلامي، الامر الذي ينظر اليه العسكر بقدر كبير من الحذر
والشك. سيجد الحزب نفسه في تناقض مع مبادئه اذا اضطر لمسايرة العسكر بشكل كامل.
كما ان مواجهته لهم ستؤدي حتما الي وأد التجربة. وبالتالي فالخيط الرفيع المطلوب
من الحزب السير عليه سيكون تجربة صعبة جدا. وهناك المسألة الكردية التي حصلت علي
تعاطف غربي عام، والتي تجد لها اصداء مختلفة داخل تركيا. فمن يسمّون بـ أتراك
الجبل يطالبون بقدر من الحكم الذاتي وهي مسألة تثير الحساسية ليست في تركيا فحسب
بل حتي في الدول المجاورة ذات الوجود الكردي الكبير مثل العراق وايران.
اما علي الصعيد الاقليمي والدولي فستجد حكومة
الاسلاميين صعوبة في التعاطي مع القضايا الساخنة. فالحرب التي تعد الولايات
المتحدة لشنها ضد العراق ستحرج الحكومة التركية الجديدة التي ستجد نفسها في موقف
صعب بين ناخبيها الرافضين للحرب ضد بلد مسلم جار، والتزاماتها السياسية مع
الولايات المتحدة الامريكية. فواشنطن لن تقبل بوقوف تركيا علي الحياد فيما لو حدثت
الحرب، بينما ستجد الحكومة نفسها في وضع صعب للغاية، خصوصا ان قاعدة أنجيرليك
التركية ضرورية للعمليات العسكرية الامريكية. وحتي اجاويد نفسه وجد نفسه غير قادر
علي اعطاء الامريكيين صكا مفتوحا بسمح لهم بالانطلاق لضرب العراق من الاراضي
التركية برغم وجود 1700 جندي امريكي علي الاراضي التركية، واشترط ان تكون الحرب ضد
العراق في اطار الامم المتحدة. اما العلاقة التي ترعرعت بين المؤسسة العسكرية
التركية والحكومة الاسرائيلية في السنوات الاخيرة فهي الاخري عرضة لان تصبح قضية
حوار ساخن في اوساط الحزب الحاكم (الاسلامي)، اذ انها تنطوي علي ابعاد ايديولوجية
وقناعات راسخة لدي الناخبين الاتراك الذين يشاطرون مشاعر بقية المسلمين في المسألة
الاسرائيلية، خصوصا في شقها العسكري المتعلق بالمناورات العسكرية المشتركة. وتراقب
الولايات المتحدة الموقف التركي من الشأن الاسرائيلي بقدر كبير من المتابعة
والمساءلة. فهي لا تريد لتركيا قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وتتوقع ان تبقي
حليفا استراتيجيا قويا، وبالتالي فقد غضت النظر عن انتهاكات حقوق الانسان التي
ارتكبت في العقود الاخيرة علي ايدي حكم العسكر، ولم تستنكر اسقاط حكومة تشيللر
التي تحالفت مع الاسلاميين، تماما كما فعلت مع الجزائر عندما قام الجنرالات بالغاء
الديمقراطية في 1992. والامل ان تكون التجربة الجزائرية المرّة وما ادت اليه من
تطرف وعنف وارهاب، مانعا من تكرار التجربة في تركيا. ولا شك ان الاسرائيليين
انزعجوا كثيرا من فوز الاسلاميين، وهذا ما عبّروا عنه في تصريحاتهم. ولكنهم لن
يكتفوا بالتعبير عن الانزعاج بل سيراقبون الوضع ويخلقون العقبات للاسلاميين اذا
رأوا منهم توجها لتغيير سياسة التعاون السياسي والعسكري معهم.
ويمكن القول ان تجربة حكم الاسلاميين
(المعتدلين) في تركيا سوف تحظي باهتمام الكثيرين، ليس في الغرب فحسب، بل في العالم
الاسلامي كذلك. فقد منع الاسلاميون من الوصول الي الحكم عبر صناديق الاقتراع في
الجزائر وجري ما جري من تصاعد العنف والعنف المضاد. ووصل الاسلاميون في السودان
الي الحكم ولم يحققوا نتائج تذكر خصوصا بعد انشقاقهم وانقلاب احد طرفيهم علي
الآخر.