هيكل يطلب تصورا مستقبليا من غير ذي صفة

رئاسة الدولة لا تستطيع انجاز مهمة من اختصاص الساسة

 

 

بقلم : محمد عبدالحكم دياب

 

يبدو أن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل رمي حجرا كبيرا في بحيرة السياسة المصرية الراكدة، وذلك عن طريق محاضرته التي ألقاها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة في منتصف الشهر الماضي، وكانت بعنوان المستقبل الآن . هناك من أثني عليها ثناء كبيرا، من بين القوميين الوحدويين، وعناصر أخري من تيارات سياسية اسلامية وغير اسلامية، في حين هاجمها، بشدة، يساريون، من داخل حزب التجمع ومن خارجه، وكان ذلك واضحا في موقف رئيس تحرير جريدة الأهالي ، الناطقة بلسان الحزب. بجانب أن ليبراليي حزب الوفد منعوا جريدة حزبهم من نشر نص المحاضرة، فبعد أن أعدت الصحيفة النص للنشر، هدد أحمد أبو الفتح بالامتناع عن الكتابة فيها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. هناك صحف مستقلة كانت تتلقف أحاديث هيكل وتصريحاته، وتنشرها علي أوسع نطاق، مثل صوت الأمة ، التي يرأس تحريرها عادل حمودة، و الأسبوع ، التي يرأس تحريرها مصطفي بكري، لم تنشر أيا منهما النص، وإن كانت الأسبوع نشرت خبرا عن المحاضرة. تجنبت فيه الخوض في القضايا الحساسة والشائكة التي جاءت علي لسان هيكل، فيما يتعلق بموضوع الوراثة وجمال مبارك.

وحتي قناة دريم الفضائية الخاصة، التي أذاعت نص المحاضرة، وكانت قد وعدت الجمهور باعادة بثها تراجعت عن وعدها لأسباب فنية وإن كان هناك من أشار إلي أن الأسباب كانت سياسية محضة، والصحيفة الوحيدة التي نشرت النص كاملا هي صحيفة العربي الناطقة باسم الحزب الديمقراطي العربي الناصري. وصفت كلام هيكل بأنه الأخطر، ونعتقد أنها محقة في هذا القول، إلي حد كبير، من حيث توصيف الواقع وتبيان مراحل التبدل في الرؤي والتوجهات الرسمية، منذ فجر يوم 23 تموز (يوليو) 1952، بدءا من محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وانتهاء بأنور السادات وحسني مبارك، وتستمد المحاضرة جانبا من قيمتها من هيكل نفسه، لأنه كان طرفا في حوار مستمر مع جمال عبد الناصر، ومساهما في صياغة رؤي وأفكار طبعت مرحلة الثورة الناصرية بطابع خاص، واستمر في أداء هذا الدور في السنوات الأولي لحكم السادات، لكن سرعان ما أبعد، وعزل عن رئاسة تحرير الأهرام ، وتفرغ بعدها لكتابة الكتب السياسية، إلي أن بدأ، منذ أكثر من سنتين، يطل علي الناس من خلال مقال شهري في مجلة وجهات نظر بجانب إطلالات متفرقة تبثها قناة دريم الخاصة.

ما يصدر عن هيكل مطلوب ومفيد، في كل وقت، وفائدته الأكبر الآن تستمد قيمتها من طبيعة الزمن الحالي، واللحظة الراهنة. زمن افتقدت فيه بوصلة التوجيه، وضاعت من أيدي صناع القرار، ولحظة سيطر عليها تصور بأن الضجيج والصراخ الذي أصاب الناس بالدوار، يمكن أن يحدث حضورا ووهجا يصم الأذان عن سماع الحقيقة، ويعمي الأبصار عن رؤية الطريق، ونسوا أن ضجيجهم وصراخهم أشبه بذلك الذي تشهده جنازات القبائل البدائية، وهي تشييع أحد أفرادها إلي مثــــواه الأخير، والصوت العالي في حالتنا هو مــــن العلامات المصاحبة للموت وليس تعبيرا عن نبض الحياة.

لن نختلف كثيرا مع الكاتب الكبير، لا في التوصيف والتصنيف، ولا في التصريح والتلميح، ولا في الاتجاه للحديث عن المستقبل، لكن المشكلة في أن النتائج التي تم التوصل إليها، لم تكن بمستوي المقدمات، فما أن انتهي المحاضر إلي طلب مشروع تصور مستقبلي تطرحه رئاسة الدولة، ويكون من حوله مدار الحوار ومجاله، حتي يتوصل إلي هدفه في فسحة وقت تكفيه ، وذلك من أجل الانتقال المقبل للسلطة، بعد انتهاء الولاية الرابعة للرئيس مبارك. بعيدا عن الدستور الحالي بسبب الثغرات الواردة فيه.. وتفادي الارتجال أو الاعتماد علي المصادفات، ويتحسب لكل شيء حسابه، وأن يكون المشروع نموذجا يحتذي للأمة من بلد تعود طوال عمره أن يكون مهد البدايات، وراسم الخرائط وكاشف الطرق كما قال هيكل بالنص. وما ان انتهي إلي هذه النتيجة، وجدنا المشهد متناقضا، يقف هيكل الرافض لمبدأ الوراثة ، ونحن معه، مطالبا بهذا التصور المستقبلي من غير ذي صفة كما يقول فقهاء القانون، وممن تحوم حولهم شبهة السعي لاقرار مبدأ توريث الحكم .

ودون لف أو دوران، نقول للكاتب الكبير وهو يعلم مدي الاعتزاز به: أن الرهان هنا ليس في محله ولا وقته، وقد يوظف كحبل للنجاة لسياسة تترنح، بسبب ضيق أفقها وأنانيتها الشديدة. فأصبحت لا تري سوي مصالحها الضيقة، ومصالح فئة محدودة جدا من رجال الأعمال وكبار الأثرياء، وهذه السياسة التي تغرق، قد تجد فيما توصل اليه الكاتب الكبير مادة تسوقها لشراء وقت تحتاجه، للوصول إلي مرحلة وإيه إللي نقدر نعمله !! لتمرير الوراثة كما سبق ومررت غيرها.

وهذا الموقف الواضح والمباشر. تعمدناه قبل مناقشة مطلب الكاتب الكبير، وقبل أن نبدأ بالرد علي سؤال: هل في قدرة رئاسة الدولة تقديم مثل هذا المشروع المرتجي؟، وهي لم تبد منها بادرة من هذا النوع، علي مدي واحد وعشرين عاما مضت، لم تبادر بما هو أيسر بكثير من هذا المطلب، وهيكل أول من يعلم أن هذا المشروع يتجاوز قدرة الفرد، حتي لو كان رئيسا للدولة، ويتناقض مع ما قاله الكاتب الكبير، وإن اختلفنا معه في بعضه، عن شرعية الرجل الواحد القائمة في مصر منذ 1952 وحتي الآن. النظام الفردي لا يستطيع انجاز مهمة، هي في طبيعتها مهمة غير فردية، وما نختلف فيه علي عجالة هو حول مرحلة الانتقال، التي مثلها محمد نجيب، وكانت غير مرحلة الثورة، التي مثلها جمال عبد الناصر، وكلتا المرحلتين اختلفتا مع ما جاء بعد ذلك، خاصة فيما بعد حرب 1973، فالانعزالية والتراجع، ثم التقوقع والانكفاء، والانتقال من الاستقلال إلي التبعية. كانت منطلقات بني عليها السادات نظامه، وأوصلتنا إلي مرحلة الجمود والتسيب والنهب الحالية، وبين هذه المراحل ندعي أن مصر لم تمر إلا بشرعيتين. قامتا وفق تصور واضح ومحدد، احداهما بدأت بعد انتصار الخط الثوري، لجمال عبد الناصر، علي الخط التقليدي، الذي مثله محمد نجيب، بشكل فتح الباب أمام تغيير حقيقي. استهدف بناء نظام جديد. تغيرت فيه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية تغيرا جذريا، والشرعية الثانية بناها السادات، وكانت نقيضا لشرعية الثورة، وإذا كان نجيب قد فتح الباب تاريخيا لشرعية الثورة، فإن السادات هو الذي هيأ الظروف التي ولد فيها نظام الجمود الحالي، وليس هذا هو موضوعنا، ونعود إلي الرد علي السؤال الذي طرحناه.

رئاسة الدولة في مصر لها طبيعة خاصة، عكست نفسها علي كل شيء، لأكثر من عقدين. من طبيعتها أنها تخاف التغيير، وتقلق منه، وتتحمل عفنا وهواء ملوثا أفسد الحياة السياسية كاملة، وجاء زحف الفساد السياسي بدوره ليشمل مجالات أخري كثيرة، أهمها المجال الأخلاقي، فخربت الذمم، وغابت الضمائر، وتراجعت المروءة، وانتفت الشجاعة، فالذمم الخربة هدمت ما بناه الشعب بالدم والعرق، وغياب الضمائر أدي إلي نهب الثروات والقضاء علي امكانيات النمو والازدهار، وتراجع المروءة ترك أشقاء لنا في فلسطين، يتصدون بأجسادهم للهجمة الاستيطانية علي الوطن العربي، والنذالة الرسمية لا ترحمهم ولا تتركهم لرحمة الله. يضغط ساستنا عليهم لترويج منطق الانكسار، ونهج المذلة، أما انتفاء الشجاعة يصادر علي المقاومة، ويحرم المواطن من حقه المشروع في الدفاع عن الوطن والأمة. وشعار التغيير المرفوع حاليا، شعار موقوت بأداء مهمة، هي إتاحة الفرصة أمام مبارك الابن، للوصول إلي سدة الحكم!! وفور انجاز هذه المهمة تعود الأمور إلي ما كانت عليه.

والطبيعة الثانية هي نمطية التوجه. واعتبار العمل الإداري البيروقراطي هدفا في حد ذاته. وهذه النمطية عزلت بين رئاسة الدولة والمجتمع، مما جعلها غير قادرة علي استكشاف متطلبات التقدم والتطوير فيه، وتصورت أن تصفية المشروعات الانتاجية، واستبدالها بتقانة مستوردة. تستهلك بين شرائح محدودة من القادرين، من الممكن أن تكون بديلا عن الانتاج والاكتفاء الذاتي، ولقد أزاحت هذه النمطية الطاقات والقدرات من الطريق، حتي أصبحت غير قادرة علي تقديم شيء مفيد للبلد، ومصر. البلد شديد الغني بالكفاءات حولته النمطية إلي بلد يبدو عقيما، فتأبد وجود المسؤول في منصبه، حتي يشيخ ويشيخ معه المنصب، وأذكر بالمناسبة أنني، في منتصف التسعينات، التحقت بواحدة من الكليات اللندنية لدراسة التصميم والاخراج الفني والصحافي، ولأنني كنت الأكبر سنا بين الطلبة، هالني ما سمعته في المحاضرة الأولي من وصايا المحاضر إلي تلاميذه الجدد، قال: عليكم أن تعوا أن فرصة العمل الحقيقي لديكم هي سنوات العمل الثلاثة الأولي، فالسوق البريطاني يقبل علي صغار السن، في هذا التخصص، ويعطيهم أعلي الأجور، وأكبر الامتيازات، لأنه يعي أن مدة العطاء والابداع تكون في ذروتها خلال السنوات الثلاث الأولي، بعد التخرج، بعدها يبحث عن دماء جديدة وعقول طازجة، وعليكم أن تتنبهوا لهذا من الآن، وإلا ضاعت عليكم فرصة ما تحصلون عليه من دخل ومال وعلاقات، عليكم استثمارها، لبناء مشروعكم الخاص لكي لا تجدوا نفسكم بلا عمل.. عمر العطاء والابداع في هذه المهنة هو ثلاث سنوات فقط، فما بالنا بالسياسة التي تحدد مصائر ومستقبل البشر والمجتمعات.

والطبيعة الثالثة هي فردية القرار والحكم، دون أن يكون هناك ما يبرر ذلك. فلسنا في حالة حرب لنعطي الفرد الحاكم صلاحات تنوء بحملها الجبال، ولا نواجه كوارث تستوجب التفويض غيرالمبرر، ولا نحكم بأنبياء ليسوا في حاجة إلي مشورة، بسبب نزول الوحي الالهي، ولسنا شعبا فاقدا للأهلية يقبل بوصاية الفرد وتسلطه. هذا فضلا عن نظرة الفرد المستبد للحوار باعتباره تطاولا، وعمل الفريق باعتباره تدخلا وتآمرا، وهكذا. هذا النهج يري الأمان في العمل بقاعدة الأقدمية، والقيادة ضمن دوائر الفنيين وأصحاب الثروة، والاستقرار في الضبط والربط، ونشر قيم ووسائل الدولة البوليسية، وأما الاقتصاد فيخضع للتجار والسماسرة، ومنطق رجال الاقتصاد الرسميين يتراوح بين منطق البقال، وبائع السجائر علي النواصي، وسمسار الماشية في أسواق القري والنجوع، وبين أسلوب تاجر العملة وسمسار البورصة الذي يريد المال بأي ثمن، أو بمنطق الموظف البسيط محدود الدخل، فيما يسمي بسياسة تلبيس الطواقي . أي الاعتماد علي سياسات قصيرة النظر، وحلول مسكنة.

أما الطبيعة الرابعة هي فقدان الخيال والقدرة علي المبادرة، ودون هذا الخيال أو هذه القدرة علي المبادرة يتراجع التطور، وينخفض مستوي المعيشة، ولا تستقر الحياة، وبذلك تحل اللوائح والقوانين، شديدة التخلف، محل مشروعات التجديد والتصدي للمشاكل. وبذلك تتعمق الفردية ولا تخف حدتها، وتصبح مهمة المواطن، البحث عن ثغرات يخترق بها قيود اللوائح والقوانين، وهنا يتمكن الموظفون، صغارا وكبارا، من احتكار المعرفة بها، ولفك طلاسمها وتيسيرها يحصلون علي المقابل في شكل رشاوي وعمولات، فتنتهي الثقة في جهاز الدولة، ويتضعضع حال المجتمع. ونتوقف عند هذه النقطة لنواصل ملاحظاتنا علي محاضرة الكاتب الكبير، فإلي الأسبوع القادم بإذن الله.