قبل الاجهاز علي فلسطين والعراق: هل هناك فرصة لعمل عربي؟

 

 

 

بقلم : طارق مصاروة

 

الرسمية العربية مشغولة هذه الايام ومهمومة كلما ازداد شعورها بأن الغزو الامريكي ـ البريطاني للمنطقة يقترب اكثر، وكلما ازدادت قناعاتها بان اسرائيل شارفت علي الوصول لهدفها النهائي، بالاجهاز علي مقاومة الشعب الفلسطيني وطرده من ارضه!

وانشغال الرسمية العربية لا علاقة له بالحرص علي الوطن ومصالحه ومصيره، وانما هو النظام العربي الذي وصل بعجزه الي حد لم يعد احد لا في واشنطن ولندن ولا في تل ابيب يتعامل معه كحليف، او كشريك في السلام!! فالمرحلة الان هي مرحلة تلمس الرأس، ولعل القناعة ببناء موقف عربي ـ ومركزها الان القاهرة ـ لا تطمح الي الوصول الي مواقع الصمود العراقي والفلسطيني، وانما تقليل الخسائر ما امكن.. بغض النظر عن مصير العراق وفلسطين!!

العقيد معمر القذافي اختار ان يغادر السفينة العربية، والقفز الي السفينة الافريقية، باعلانه الانسحاب من جامعة الدول العربية، وحفاظا علي اللياقات نجح امين عام الجامعة في اقناع طرابلس بالاحتفاظ بالقرار الليبي في خزانة مكتبه، وعدم تقديمها.. او ابلاغها رسميا لمجلس الجامعة.

دول الخليج العربي تعلن تضامنها مع الفلسطينيين وترسل رزا وسكرا لهم، وتعلن انها لن تشارك في الغزو الامريكي ـ البريطاني للعراق، لكنها لا تعلن تجميد النشاط العسكري في قواعد الامريكيين والبريطانيين علي اراضيها، وقد لا يكون الكثيرون تنبهوا الي معني اخلاء ثلث او ربع اراضي الكويت من الكويتيين وفتح الجزء الشمالي منها للمناورات المشتركة بين الجيش الكويتي وجيوش الولايات المتحدة وبريطانيا، فهذا الاخلاء له معان كثيرة لا علاقة لها باطلاق النار علي جندي امريكي في جزيرة فيلكا. فهي محاذية للعراق تماما، وشواطئها مواتية عسكريا لانزال بر ـ مائي واسع النطاق من السفن المرابطة في الخليج، وامداداتها المخزنة في كل مكان، وقد سمعنا اخر مقررات مجلس الدفاع الخليجي بان علي العراق تنفيذ قرارات الامم وهي القصة القديمة الملغزة، التي تضع في يد واشنطن ولندن سلطة تفسير هذه القرارات بالطريقة التي تريدها. اما القول بان دول الخليج لن تشترك في العدوان علي العراق، فانه من المؤكد ان واشنطن ولندن لا تحتاجان الي جيوش المنطقة.. فعندها ما يكفي!! ونكاد نسمع وزير الخارجية الكويتي يعلن بالكثير من الذكاء والواقعية بان بلده لا يستطيع منع الحرب اذا قررتها واشنطن ولندن. لكن بلده يسهل الحرب ويقدم لها القواعد الجوية والبحرية.

وتبقي مصر والسعودية والاردن وسورية ولبنان.. والخطر الخلفي في شمال افريقيا واليمن والسودان. وهذه تحاول الان خلق موقف لا يواجه ـ كما قلنا ـ لكنه يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه في الداخل اولا، وعلي الصعيد الدولي بعد ذلك. فمن غير المعقول ان تقف فرنسا وروسيا هذا الموقف في مجلس الامن في حين يتلطي العرب علي ابواب واشنطن ولندن، والبحث لديهما عن مكان دافيء، ثم ان مطالبة السعودية ومصر والسودان بالقيام بالعديد من التغييرات تكاد تكون مطالبة اذلال فهناك اعتراض علي التدريس الديني، واعتراض علي دور المساجد، واعتراض علي الاسلام السلفي، واعتراض علي دور المرأة، وعلي محدودية الحرية السياسية، وعلي حياة ملايين الناس، وخياراتهم، وطرق تفكيرهم.

وواشنطن تقول بوضوح ان لمطالبها هذه علاقة بالارهاب. وان مجتمعاتنا العربية هي البؤرة الحاضنة للارهاب.

وهنا نقف!! هنا مربط الفرس كما يقولون، وليس فلسطين او العراق فالنظام العربي يدافع عن مواقعه، فان التغيير المطلوب هو اكبر من ان يستوعبه الاصلاح ولعل وضع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، هو النموذج الصارخ للمطالب الامريكية ـ الاسرائيلية. فهو الان محاصر في مكتبه ـ وليس في رام الله ـ هو يعمل علي الاصلاح لكنه مرفوض شخصيا، وممنوع من اية علاقات له بالاصلاح ، وهو يشكل حكومة لكن الجيش الاسرائيلي يمنع المجلس التشريعي من الاجتماع لطرح الثقة بها، فالتغيير تناول كل شيء، شكل السلطة الوطنية، اهدافها منظماتها واحزابها.

يستطيع النظام السعودي ان يقاوم الان بطرق مختلفة، وتستطيع مصر، او المغرب، او اليمن لكن لهذه المقاومة حدودها، وقد اكتشف الجميع ان غزو العراق سيزيل كل حواجز المقاومة، في كل مكان، فهل، بعد ان ترابط القوات الامريكية علي حدود سورية الشرقية وحدود ايران الغربية، هل تستطيع الدولتان تقديم الدعم لحزب الله اللبناني، او تمنعان اسرائيل من اعادة اجتياح لبنان واخذ الوزاني والحاصباني ومياه الجنوب كلها؟! وهل تبقي السعودية كما هي: كعبة المسلمين وبيت نبيهم في الغرب، وثروة النفط في الشرق؟!

يستطيع العقيد القذافي ان يهرب من السفينة العربية الغارقة، لكنه لا يستطيع اطلاقا الافلات من الاستحقاقات الامريكية واولها الفتك بنظامه السياسي.

فلا احد يقبل هذا النمط من الحكم، فنفط ليبيا ليس لاوروبا وكذلك نفط الجزائر، واذا كان الاوروبيون يريدون حصة منه باعتباره الاقرب فان عليهم ان يذهبوا، اولا، الي واشنطن!!

اما جيران العرب الايرانيون والاتراك، فحالهم ليس مختلفا كثيرا، رغم هذا الذي يبدو علي السطح، وهم قضية مؤجلة في كل الاحوال، فطهران ستبقي محور من محاور الشر، وتركيا ستبقي خارج الوحدة الاوروبية، وكلتاهما ستبقيان قوي معادية للامة العربية حتي لدي التيارات الاسلامية.

كنا نقول: صنع العقيد القذافي بانسحابه من عضوية الجامعة العربية خيرا، فعلي العرب ان يعيدوا النظر بهذه التركة الميتة التي نصر جميعا علي عدم دفنها، فليس من الضروري ان تكون قرارات الجامعة ملتزمة بارضاء الحد الادني، وليس من الضروري عضوية الصومال وجزر القمر وجيبوتي وغيرها.

واذا كان هناك من يضع امنه القومي في يد الولايات المتحدة، ولا يريد الامن العربي والدفاع المشترك، والضمان الجماعي العربي فلماذا يبقي في الجامعة؟!

لقد كانت امام العرب فرصة ثمينة جدا لاعادة تشكيل الجامعة العربية في الوقت ذاته الذي تخلصوا فيه من الاستعمار البريطاني، بعد عام 1956 تحديدا.

لكن قيادة الراحل جمال عبد الناصر لم تؤمن ابدا بان الانظمة العربية يمكن ان تكون شريكة لها في الجامعة الامر الذي ابقي جامعة انتوني ايدن كما هي، بالاضافة الي الشكوك والاحقاد التي استوطنت العواصم العربية.

ان المرحلة الان هي مرحلة احياء الجامعة العربية لانها المؤسسة الوحيدة التي تجمع الدول العربية، فاذا كانت القاهرة والرياض ودمشق تستشعر الخطر القادم من غزو العراق وفلسطين فان عليها ان تطرح صيغة تحالف واضحة في ظل الجامعة العربية، ومن يريد الانضمام الي هذه الصيغة فان عليه الالتزام بها قبل ان يوقع.

فلا معني لرفض العدوان الامريكي والابقاء علي قواعده في الارض العربية، ولا معني لاجراء مناورات عسكرية معه، ومن لا يريد الانضمام الي هذا التحالف فله ذلك، فالرابطة القومية هي الاقوي وليست اللعبة السياسية، والمصير الواحد للعرب هو الثروة وليس النفط. وقوي العرب العسكرية الموحدة هي الضامن للحدود، والضامن للسيادة والكرامة، وليست المعاهدات الدفاعية مع الاجنبي علي ابناء الامة!

العواصم العربية الان تبحث عن نفسها وسط هذه الاكوام الهائلة من التيارات التي تعصف بالمنطقة، وهذه بداية متأخرة لكن من المهم ان يتبعها بناء موقف عربي واضح، وصارم، ولا بأس من ان تعود الجامعة العربية الي السبعة اعضاء كما كانت، فهناك دول غير مؤهلة بعد، وغير مقتنعة بعد، وغير واثقة بعد، وعلينا ان نتحرك بسرعة لوقف السيل الذي يداهم الجميع.. اما البقية فستلحق، اذا اقتنعت ووثقت واهلت نفسها للانضمام الي النموذج الوحدوي القومي الجديد!!