ضد الشرذمة

 

 

 

بقلم : د. مصطفي البرغوثي

 

ترتكز السياسة الاسرائيلية المتبعة ضد الشعب الفلسطيني علي محاولة خلق حالة عميقة من الشرذمة في صفوفه، كوسيلة لاضعاف قدرته علي البقاء او تكوين مؤسساته الوطنية المستقلة. وتحاول اسرائيل تحويل الشرذمة الجغرافية الي شرذمة اجتماعية واقتصادية وسياسية.

ومن المثير للانتباه ان عملية الشرذمة الجغرافية قد تسارعت مع بدء ما سمي بعملية السلام في مؤتمر مدريد. ففصلت القدس اولا، ثم فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وتواصل تقطيع الاوصال حتي وصلنا الي فصل المدن عن القري وتقطيع نابلس الي شرقية وغربية والخليل الي احياء وتحولت الاراضي المحتلة ليس الي سجن كبير، كما قال السفير البريطاني في اسرائيل، بل الي مجموعة سجون صغيرة في اطار السجن الاكبر.

ولم يكن ذلك صدفة، فعملية السلام ـ بالنسبة للشعب الفلسطيني كانت جسرا حاول عبوره الي تحقيق الاستقلال الوطني وبناء كيانه الوطني المستقل، اما بالنسبة لحكومات اسرائيل، فكانت مجرد هدنة جري استغلالها لفرض الامر الواقع الاسرائيلي علي الارض وحالة وقف للصراع من جانب واحد فقط بما في ذلك الاستيطان (انشأت 87 مستوطنة جديدة منذ وقع اتفاق اوسلو)، وشرذمة البنيان الفلسطيني لاضعاف قدرته علي التواصل والديمومة.

وذلك هو تفسير خرائط اوسلو سيئة الصيت بما احتوته من كانتونات وبقع وطرق التفافية وجلد النمر الذي تحول بفعل رياح الواقع الي ما يشبه بثور الجدري بكل ما تمثله من تشوه وألم.

واستراتيجيا خلق ذلك الواقع الأليم تشتتا في الجهد الفلسطيني، وتفككا في النسيج الحي بين اجزاء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، حتي قامت الانتفاضة الشعبية لتضع حدا لحالة وقف الصراع من جانب واحد ولتنشيء قاعدة جديدة يمكن استخدامها لاعادة بناء النسيج الوطني الجامع للشعب الفلسطيني.

واذا افترضنا سوء النية يمكن القول، ان معظم الضغوط الخارجية والداخلية التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني تستهدف تعميق الانقسام والشرذمة في صفوفه. وذلك ما تعززه حوادث الصراع الداخلي والمواقف المتشنجة العاجزة عن تقديم المصلحة الوطنية العليا علي المصالح الفئوية الضيقة.

كنت قبل ايام في نابلس، ولم استطع منذ ذلك الحين تجاوز الشعور العميق بالمرارة الذي لمسته في احاديث الناس، حول تجاهل معاناتهم والتعتيم الاعلامي عليها، وقبل ذلك لمست نفس الشعور في البلدة القديمة في الخليل الصامدة ببسالة، مثل نابلس في وجه المستوطنين، وتساؤل ظل يدق في ذهن الناس هناك.. أين المسؤولون ولماذا لا نراهم، وما هي الاهتمامات التي تشغلهم عنا وعن معاناتنا؟

اكتب هذه الكلمات، بعد ان غدا التشكيل الوزاري وما يشاع عن عملية الاصلاح محطة اخري في تعميق التنافس علي المناصب والصراعات والشرذمة، بدل ان يسير في الاتجاه المعاكس.

ان ما نحتاجه، اكبر من مجرد وقفة ضمير ومساءلة مع النفس. واوسع من تغيير اسماء هنا وهناك لتخفيف الضغوط الخارجية او ارضاء المطالبات الدولية ببعض التجديد.

ما نحتاجه هو نهج مختلف. نهج يضع نصب عينيه رؤية استراتيجية موحدة وموحدة.

نهج يعيد تجميع طاقات الشعب الفلسطيني ويحيي دور مؤسسات الشعب الفلسطيني الكفاحية وفي مقدمتها منظمة التحرير، ويضع اسس تفعيل طاقاته في الداخل والخارج، حول الهدف الوطني في الحرية والاستقلال.

نهج يعالج بجرأة كل اسباب الفشل اينما وجدت، ويتصدي بقوة وحزم وثقة للشرذمة وكل ما يعمقها.

ما نحتاجه قيادة وطنية موحدة، تدير دفة الصراع ضد الاحتلال، ومن اجل الاستقلال، وليس فقط حكومة فعالة.