الدفاع عن الوطن والنضال ضد الاستبداد.. هدفان لا يفترقان
بقلم : باقر ابراهيم
حين يتابع المرء، في القنوات الفضائية وغيرها
من وسائل الاعلام، موقف الرأي العام العراقي من الضربة الامريكية، المعلن عنها: مع
او ضد، يصاب بالدوار في البداية لذلك التناقض بين مؤيديها ومعارضيها.
ويغدو واضحا تماما، ان دوافع الاحباط والشعور
بخيبة الامل من تحسن الاوضاع الداخلية في العراق، وقساوة القمع والحجر علي الرأي
الاخر المعارض، هي في مقدمة اسباب اندفاع البعض من العراقيين الطيبين والبسطاء
وراء قول: نعم للتدخل الامريكي. وهذا ما ينبغي ان يدركه كل المعنيين بتفهم اوضاع
العراق.
وحينما نقول ان العراق يمر بواحدة من اصعب
الظروف التي واجهها، فعلينا ان نبين وجه هذه الصعوبة، في وضع العراق، والأمة
العربية كلها. فقد صار واضحا ان منبع الخطر والشر الذي يتهددنا اليوم، هو طمع
وعدوانية الولايات المتحدة الامريكية، وركيزتها في قلب بلادنا، اسرائيل.
لكن مأساتنا ونقطة ضعفنا الهامة، هي ان شطرا
مؤثرا في قوانا، وقيادات هذه القوي، لم تعد تري نفس الرؤية للخطر الذي ذكرناه، بل
اكثر من ذلك راحت تتلمس حلا، او ترتجي خيرا وراء التعامل مع الد اعدائنا، والتصديق
بوعودهم.
كان ذلك في مقدمة اسباب التداعيات
والانهيارات التي اصابت معسكرنا النضالي، الذي عرف بالقوة والعزيمة والمبادأة.
وهذا ما ينطبق علي التطورات التي شهدتها
الحركة الوطنية العراقية، بتلاوينها المختلفة، وخاصة في العقد الاخير من السنين.
والمؤسف انه يترتب علينا اليوم، ان نبدأ، مع هؤلاء
من الالف باء للتدليل علي عدم جدوي اي امل في التلاقي او التفاهم مع الشيطان
الاكبر ـ امريكا، وذلك عدم جدوي الامل في المسامحة معه، حتي بهدف اتقاء شروره.
ان غرابة وضعنا العراقي ـ تجعلنا نضطر غالبا
الي اعادة تأكيد المعطيات والشروحات عن الطبيعة العدوانية الشريرة لخصمنا الذي
يتأهب اليوم لعدوان جديد مرتقب علي العراق، يعلن عنه كل صباح ومساء، مع تجنب تحديد
موعده او كيفيته.
فهذا الاصرار علي اخفاء المواعيد والكيفية لم
يكن مصادفة. انه المهمة الاولي للدوائر الامريكية الحاكمة في اخافة العراق شعبا
وحكومة وجيشا، من الضربة المرتقبة.
فالهدف هو ابقاء العراقيين جميعا، وبالتالي
العرب جميعا، في حالة رعب دائم للضربة التي لا يعرف، ولن يعرف موعدها او محاور
انطلاقها.
الجنرال الرعب هو الذي يقود التحضير للمعركة
مع العراق، وما جورج بوش الابن، او رامسفيلد، او وولفويتز، وكونداليزا رايس، او
الحمامة كولن باول، سوي ناطقين مختلفين باسم الجنرال الرعب .
نعود للحديث عن مأساتنا ونقاط ضعفنا، فقد
اشرنا في البداية، الي تأثير الاحباط وخيبة الامل، التي تراكمت في نفسية الانسان
الطيب البسيط، وخاصة في بلدان المهاجر.. ولنتحدث الان عن مواقف القيادات.
في البداية نقول، ربما يكون العراق من بين
البلدان القليلة التي استطاع فيها الشيطان الاكبر ، ان يجمع هذا العدد الواسع من
المتعاونين معه، ومن الادلاء والمرتدين والخانعين.
اجتماعات تتلوها مؤتمرات، بيانات احزاب او
قوميات صغيرة او طوائف، مشاريع لدساتير عراقية تعدنا بديمقراطية تعددية تبادلية
وفدرالية، لا نظير لها في بلدن العالم الثالث، بل حتي في اوروبا مرجعيات دينية
تسبق اسماءها القاب ورتب القدسية، تطلق فتاوي تجيز التعاون مع الاجنبي في احتلال
البلاد ويسمونه معونة وتحريرا !
ها هم جموع هؤلاء يملأون ساحات الاعلام الخارجي،
يحتلون النجوميات الشديدة اللمعان، ويغتنون بقفزات، عسكريون هاربون يعدوننا بنظام
دمقراطي لا يقوده العسكر.
قادة احزاب ثورية، يغازلون العدوان الامريكي
ويقبلون به بعد ان سموه التعامل مع العامل الدولي ! وشروطهم بسيطة جدا لهذا
التعاون فهي تطالب بالوضوح والمشروعية الدولية والنزاهة وحتي العفة!
بضع حفنات من المثقفين والكتاب اجتذبتهم
ثقافة الهيمنة العالمية وصحافة بيع الضمائر، وكان اكثر ما يغيظهم تقارير وقوائم
كشف الحسابات المالية او تأخر منح وزارة الخارجية الامريكية.
سبق ان قلنا اكثر من مرة، ان العراق هو من
البلدان التي تميزت ايضا بقساوة قمع السلطة وبطول فترة هذا القمع وبتضاؤل الامال
بالاصلاح والتعديل.
ان هذه السمة التي ميزت وضع العراق، ذات
علاقة مباشرة بتوفير الفرص والمناخات الملائمة لسعة الارتداد المعلن او المستور،
وحتي التنكر لثوابت الكفاح الوطني، حتي للخيانة الوطنية.
ان حلاوة بترول العراق ولطافة موقعه
الاستراتيجي، ونباهة شعبه، قد حولها الشيطان الاكبر من عناصر نعمة لهذا البلد
الآمن، الي اسباب نقمة، الي رغبة للاخضاع والاذلال. وتلتقي اطماع الشيطان الاكبر
مع القمع السلطوي والكره للديمقراطية، او الخوف منها، كعوامل متفقة تعمق مأساتنا،
خاصة في ظاهرة اتساع الخيانة الوطنية.
ان مأثرة تيار الصمود والمقاومة الوطنية
العراقية، التي تضم في تجمعاتها القوميين والشيوعيين والبعثيين والاسلاميين،
والوطنيين المستقلين، تكمن في قدرتها علي تأكيد وجودها في ساحات النضال داخل الوطن
وخارجه، كرد علي الدكتاتورية من جانب، وعلي خيانة الوطن من الجانب الاخر. انها
الرد والبديل المرتجي في النضال لتحقيق الهدف الوطني الاول: الدفاع عن الوطن ضد
العدوان الامريكي، وعن الهدف الذي يلازمه ولا يفترق عنه، وهو النضال من اجل
الديمقراطية وتقدم بلادنا.
ان القوي والاحزاب التي كانت تحمل لافتات
واختام النضال الوطني، او تدعي وراثة مجده ومآثره السابقة، لم تلق الحماس الذي
توقعته بين صفوفنا حين وصفت تلك المهمة الوطنية الاولي: الدفاع عن الوطن ضد
العدوان الامريكي، في مرتبة ثانوية او في صيغ غامضة يسهل تفسيرها بما يعاكسها تماما.
بينما هي جعلت مهمتها الاولي والمركزية، وفي ظروف العدوان الامريكي المرتقب، اسقاط
النظام في العراق.
يترتب علينا كوطنيين عراقيين ان نركز جهدنا
الكفاحي الرئيسي لاحباط خطط ومشاريع العمالة المشكوفة والتعاون مع الاجنبي.
وفي ذات الوقت فان الكفاح ضد اخطاء المترددين
والحائرين والمهرولين وراء سحر الشعار الثوري هو دواء المناعة والحصانة للحركة
الوطنية العراقية، انه بلسم صمودها وقوتها.
ان هذا الجانب الاخير في جهدنا وواجباتنا،
انما يجري داخل معسكرنا الوطني، وهو الهادف لتصحيح الخطأ وليس الاحراج او الاساءة.
سندافع عن الوطن ضد العدوان الامريكي
الصهيوني، بلا قيود ولا شروط، وسواء كان نظامنا في العراق.. وفي اي بلد آخر
ديمقراطيا ام ديكتاتوريا.
الدفاع الواضـح والثابت عن الوطن امام
العدوان الخارجي هو دليل مصداقية نضال الوطنيين العراقيين وهو سلاحهم الذي سيعزز
نضالهم ضد الاستبداد ومن اجل الديمقراطية.
ان رفض التلون والتردد والحيرة امام التحديد
الواضح والصارم للموقف الوطني والمبدئي هو من اولويات موقفنا وان قساوة احقاد
اعدائنا ترفض الرخاوات.