بقلم : ياسين سويد
لفتتني الافتتاحية التي كتبها الاستاذ طلال
سلمان لجريدة <<السفير>> بتاريخ 12 الجاري، بعنوان <<مصر
المقهورة... بالعجز والتهديد>>، والتي وصف فيها، بأسلوب معبر وبليغ، حالة
شعب مصر الذي يشعر <<بالقهر وافتقاد الدور>> ويستشعر
<<المرارة... والانكسار>> بسبب <<تعذر الثورة لتغيير الواقع
المهين>>.
لقد أثبتت المقولة الشهيرة <<لا حرب
بلا مصر، ولا سلم بلا سوريا>> صدقيتها منذ أن خرجت مصر على الإجماع العربي،
على يد أنور السادات، حيث أحدث خروجها، في <<كامب دايفيد>>، جرحا
عميقا في الوجدان العربي، وشرخا في العزيمة العربية لم يلتئم. وبعد خروج مصر من
دائرة الصراع مع العدو الصهيوني، وبرغم عودتها الى العرب، وعودة جامعة الدول
العربية الى عاصمتها القاهرة، بعد حرب الخليج الثانية وما تبعها من انهيار عربي توجته
مفاوضات مدريد التي أفرزت معاهدتي اوسلو ووادي عربة، فقد العرب عنفوانهم كما عرفه
العالم في زمن عبد الناصر.
لقد قادت مصر العرب، وهي أكبر بلدانهم
وأهمها، فترة من الزمن كانت من أزهى فترات تاريخهم المعاصر وأكثرها اشراقا، وذلك
منذ ان تألق عبد الناصر، مفجّر ثورة 23 تموز وقائدها. وانحسر دور مصر بعد غياب عبد
الناصر، حين لم يحفظ خليفته أنور السادات العهد الذي قطعه القادة العرب على
أنفسهم، في مؤتمرهم الذي عُقد بالخرطوم، بعد نكسة حزيران عام 1967، بأن <<لا
تفاوض ولا صلح ولا اعتراف>> بالكيان الصهيوني، بل ان السادات ضرب، عرض
الحائط، بكل القيم التي رعاها عبد الناصر، والتي جعلت من مصر <<دولة
كبرى>> في المشرق العربي، خصوصا ان عبد الناصر استطاع ان يحول خسارته لحرب
حزيران الى انتصار سياسي حاسم أفقد اسرائيل القدرة على استثمار انتصارها العسكري
في هذه الحرب، فكانت اللاءات الثلاث، وكانت <<حرب الاستنزاف>> التي
خاضها عبد الناصر بعد ذلك، وكان الإعداد <<لحرب التحرير>> التي أعدها
الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية حينذاك، ورعى عبد الناصر هذا الإعداد خطوة
خطوة، حتى انه حدد، لمحمد فوزي، الموعد الذي يجب ان يكون الجيش المصري، فيه،
مستعدا لبدء هذه الحرب، وهو 7 تشرين الثاني عام 1970، الا ان عبد الناصر غاب قبيل
هذا الموعد بشهر وبعض الشهر (28 أيلول). لقد أدرك عبد الناصر، بعد حرب حزيران، ان
الهزيمة ليست في خسارة معركة بل هي في فقدان ارادة القتال، ولذا، فان خسارة تلك
الحرب لم تهزم ارادة القتال عنده، وانما هزمه القدر الذي هزم بموته، العرب جميعا
(راجع، لحرب حزيران، بحثنا المنشور في مجلة <<دراسات أمنية>> عدد 7،
شهر تموز ايلول 2001).
لقد حققت اسرائيل انتصارا عسكريا باهرا في
حرب حزيران 67، الا انها فشلت في هزيمة الإرادة العربية التي كان عبد الناصر
يقودها، والتي صممت على المقاومة والتحرير. وبعكس ذلك، حقق العرب انتصارا عسكريا
باهرا في حرب تشرين 73، إلا ان اسرائيل ألحقت بهم، على يد السادات نفسه، هزيمة
سياسية لا يزالون يعانون نتائجها وآثارها الى اليوم.
لم تكن <<نكسة>> حزيران، إذاً،
هي التي هزمت مصر والعرب، وانما القدر الذي انتزع ناصر من قمة الزعامة العربية لكي
يرمي مصر في أحضان رئيس تتناقض أهدافه، تناقضا كليا، مع أهداف سلفه. فبينما كان
عبد الناصر يصر على تحرير الارض، التي احتلت في حزيران، بالقوة، عملا بالشعار الذي
كان سبق ان أطلقه في مطلع ثورته وهو <<ما أُخذ بالقوة لا يُسترد الا
بالقوة>>، راح السادات يعدّ <<لحرب تحريك>> تنتهي في اليوم
الثاني من بدئها (بعد عبور القناة مباشرة)، مخادعا، بذلك، رفيقه في تلك الحرب،
حافظ الأسد، الذي أرادها، بعكس ذلك، حرب تحرير كامل، لا حرب تحريك. ويبدو ان
السادات، الذي اخفى عن الأسد أهدافه ونواياه، كان متفقا مع كيسنجر وزير الخارجية
الأميركية، على هذه المناورة، ويتضح ذلك جليا من مذكرات كيسنجر نفسه، حيث يقول إنه
كان على اتصال مستمر بالقاهرة طوال ايام الحرب، وان حافظ اسماعيل، مستشار الأمن
القومي للسادات، أبرق اليه، في اليوم الثاني للقتال (اي في 7 ت1) يبلغه بشروط مصر
لوقف النار في سيناء، بينما كان السادات يعلن، في اليوم نفسه، ان ليس لدى مصر
النية في متابعة القتال، ضد اسرائيل، الى أبعد مما وصلت اليه (راجع <<مذكرات
كيسنجر>>، ج1:556، وراجع، للتأكد من نوايا السادات هذه، مذكرات الفريق سعد
الدين الشاذلي، وباتريك سيل في كتابه <<الأسد>>).
لقد كان اقتحام الجيش المصري لقناة السويس
وعبورها، وتحطيم <<خط بارليف>> وكسر ارادة القتال لدى الجيش
الاسرائيلي، من روائع الحروب العربية الاسرائيلية، إلا ان الذي جرى، بعد ذلك، كان
مهينا لمصر وجيشها وشعبها، ولروح الصمود والعنفوان والمقاومة التي زرعها عبد
الناصر في قلوب المصريين، بل في قلوب العرب جميعا، ذلك ان السادات لم يلبث ان تخلى
عن استثمار النصر الذي حققه جيشه في الايام الاولى من حرب تشرين، بل انه قدمه هدية
مجانية للعدو الاسرائيلي، وذلك عندما حمّل دماء شهدائه، في تلك الحرب، وما قبلها
من حروب مع هذا العدو، ليهرقها، رخيصة، على درج <<الكنيست>>
الاسرائيلي، مقدما نصره هذا للعدو بلا ثمن، ومخالفا أبسط القواعد العسكرية، وهي
استثمار أي نصر عسكري بفرض شروط على العدو ثمنا لهذا النصر. لقد حقق الجيش المصري
نصرا عظيما في حرب تشرين، الا ان السادات حوّل هذا النصر الى هزيمة سياسية، لا
لمصر فقط، وانما للعرب جميعا، يوم ان حقق للعدو هدفا طالما سعى هذا العدو لبلوغه،
وهو اخراج مصر، اكبر الدول العربية وأقواها، من دائرة الصراع معه.
أخرج السادات مصر، إذاً، من دائرة العداء
التي كانت محكمة حول اسرائيل، فعُزلت مصر، عربيا، طوال فترة حكم السادات، وخلال
فترة من حكم خليفته الرئيس حسني مبارك، ولم تعد مصر الى جامعة الدول العربية التي
لم تعد اليها، كذلك، الا بعد حرب الخليج الثانية، لكن مصر عادت، ولا تزال، بحلّة
غير تلك التي عرفها العرب بها في عهد عبد الناصر. عادت وهي <<محكمة
الوثاق>> بمعاهدة سلام مع العدو التاريخي للعرب، مما جعلها عاجزة عن التحرك
والانفعال في مختلف الشؤون المتعلقة بالصراع التاريخي بين العرب واسرائيل.
بعد عبد الناصر، بهتت صورة النضال القومي في
مصر، وبدا جيل عبد الناصر، وقد أنهكه الصراع الذي خاضه السادات ضده، كأنه قد اعتزل
ساحة النضال، وتقاعد، بينما كان الجيل الذي خلف جيل عبد الناصر وتتلمذ على مبادئه
وشعاراته، وانفعل بحماسته القومية وبمعاركه التي لم تنقطع، ضد الاستعمار
والصهيونية، بدا هذا الجيل، بعد ان فقد الأمل بعودة مصر الى مبادئها القومية
الأصيلة، والى مركز الريادة بسبب انحرافها عن خط النضال القومي الذي اختطه عبد
الناصر، حائرا، يفتش عن قائد يرث الزعيم الملهم، إلا انه فتش عبثا، ولا يزال.
وكان الاتحاد السوفياتي قد انهار، ففقد العرب
بانهياره، السند والمُعين، وكان قد تسلم الحكم في مصر، بعد السادات، نظام أخذ
موقعا <<بين بين>>، خصوصا بعد عودة مصر الى العرب، إلا انه لم يخرج عن
الخط الذي كان سلفه السادات قد اختطه، وهو التقيد بالمعاهدة الظالمة التي كان هذا
الأخير قد وقعها مع الكيان الصهيوني، تلك المعاهدة التي أعادت لمصر أرضها المحتلة،
الا أنها كبلتها بقيود، عسكرية خصوصا، جعلت سيناء محرَّمة على الجيش المصري تحريما
قاطعا، والى أمد غير محدد، كما انه لم يخرج عن الخط الذي اختطه السادات في علاقة
مصر بالولايات المتحدة الاميركية، وهي علاقة تبعية مرتبطة بمعونة مالية هزيلة
(ملياري دولار سنويا) كبّلت مصر منذ توقيع <<كامب دايفيد>> ولا تزال.
لقد كانت أجيال مصر تتطلع للعودة الى قيادة
شبيهة بقيادة عبد الناصر، الا ان مصر، بل الأمة العربية كلها، لا تزال تفتقر الى
مثل هذه القيادة، اضافة الى ان مصر، التي جاوزت الستين مليون فم، لم تستطع ان تشبع
ابناءها، برغم ما وفره لها السد العالي من إمكانات، وذلك ليس بسبب قصور في خيرات
مصر وامكاناتها الهائلة الوفيرة، بل بسبب ما عمّ هذا القطر من فساد بدا واضحا، في
الطبقة الحاكمة اولا، ثم في الطبقة الموسرة التي استعادت مكانتها بعد الغاء
التدابير الاشتراكية التي كانت قد وُضعت في عهد عبد الناصر، ولا تزال روائح
المليارات المنهوبة حديثا تزكم الأنوف في مصر، وتزيد من قهر الطبقات العاملة ذات
الدخل المحدود التي تزداد معاناتها كلما أوغلت الطبقة الحاكمة، ومعها
<<منتحلو صفة رجال الأعمال>> والمصرفيون المتورطون ب<<العمليات
القذرة>> (وفقا لوصف الاستاذ سلمان)، في نهبها لثروات الشعب وسلبها للقمة
عيشه، لكن الضغط لا بد من ان يولّد الانفجار.
بعد غياب عبد الناصر، وافتقاد مصر دورها
الريادي الذي قامت به طوال الحقبة الناصرية التي، وان كانت مفعمة بالصراع ضد
الاستعمار والصهيونية من جهة، وضد الفقر والجهل والمرض، من جهة اخرى، فقد كانت
حقبة مضيئة وزاخرة بالعنفوان، في تاريخ العرب جميعا. ويفتقر الشارع المصري،
وجماهير مصر ونخبها، اليوم، الى هذه الحقبة، فيخرجون في شوارع القاهرة والاسكندرية
وكبريات المدن المصرية، رافعين صور الزعيم القائد الذي يفتقدونه، فتسجنهم شرطة النظام
ضمن أسوار من الهراوات والقنابل المسيلة للدموع، او ضمن أسوار الجامعات، ثم تتفرق
جموعهم وهي تتفجر غضبا لعجزها عن إنزال علم الكيان الصهيوني الذي يرفرف، مختالا،
في سماء القاهرة، ولعجزها عن إكراه النظام الحاكم على اقفال سفارة العدو وطرد
سفيره من ارض مصر، برغم ما يرتكبه جيشه من مجازر يومية بحق الأخوة الفلسطينيين في
الضفة والقطاع، بينما يسود صمت مريب لدى حكام بلدهم ازاء تلك المجازر، صمت لا
يبرره سوى الشعور بالخوف والجزع والمذلّة، وهو ما لم تألفه تلك الجماهير أيام
الحقبة الناصرية، هذا اضافة الى ما تعده الدولة العظمى، الولايات المتحدة
الاميركية، ضد العراق، من حرب لا بد من ان تطال آثارها المدمرة العرب والمسلمين
جميعا. وإذ يحزّ ذلك كله في نفوس الجماهير المحبَطة والحائرة والغاضبة، في مصر،
وإذ ينتابها شعور بالخزي والعجز عن التأثير او التغيير في طبيعة الحاكمين او سلوكهم
تجاه قضايا أمتهم، تتطلع الى بروز قيادات واعية ومخلصة وجريئة ومبادرة ومقدامة
تتخذ من مواقف عبد الناصر وسيرة نضاله نهجا تقتدي به، فتلتف تلك الجماهير حولها،
وتحتضنها، وتمنحها، من الثقة والحب والتأييد، مثل ما منحته للقائد الذي مضى.
هل يستطيع النظام الحالي، في مصر، ان يلعب
هذا الدور؟ نظن أن لا، فقد مضى على قيامه نحو ربع قرن من دون ان يتقدم خطوة واحدة
في هذا المجال، فلا هو تجرأ على ان يقفل سفارة العدو احتجاجا على ما يرتكبه من
مجازر في فلسطين، ولا هو تجرأ على ان يقول <<لا>> لأميركا، ولو لمرة واحدة
برغم كل دعمها لاسرائيل وتهديداتها للعراق، ولا هو استطاع ان يقدم لشعبه ما يغنيه
عن المعونة الهزيلة التي تقدمها أميركا له، فيحرره من عبودية
<<الحسنة>> التي تزعم انها تقدمها لشعبه، ولا هو استطاع ان يلغي
المعاهدة الجائرة التي فرضها العدو، مدعوما بأميركا، عليه، فيحرر سيناء، ويجعلها
أرضا مصرية غير خاضعة لأي قيد.
لقد سقطت مصر منذ ان أسقطها السادات في شرك
<<كامب دايفيد>>، ولم يستطع مبارك، او انه لم يحاول، إنقاذها منه، مما
أفقد مصر دورها الرائد في عالم عربي يحتاج الى ريادتها، وفي حقبة مصيرية خطيرة من
حقبات هذا الزمن العربي الرديء الذي ينذر الأمة بعبودية جديدة ربما تمتد أجيالا،
فهل ان مصر قادرة على ذلك؟ سؤال يحتاج الى جواب من جماهير مصر وشعبها.