ثمرات الأوراق

إعداد : محمد الشريف

mmfareedb@hotmail.com

 

ذكر الله

جيل قرآني فريد : سيد قطب

حقائق الناس : ابن الجوزي

ثبات تميم بن جميل

من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذنه : ابن القيم

لا يصح أن يقال : الخليفة هو الخليفة عن الله مثل النائب عنه : ابن تيمية

شباب يحفظون أمر الإسـلام : محمد أحمد الراشد

مفقودات : أحمد مطر

 

ذكر الله

أعلى الصفحة

 

عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فِيمَا يَذْكُرُ مِنْ اجْتِهَادِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِبَادَةِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ مِنْ نَجْدٍ فَغَشِينَا دَارًا مِنْ دُورِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ فَأَصَبْنَا امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَالَ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَجَاءَ صَاحِبُهَا وَكَانَ غَائِبًا فَذُكِرَ لَهُ مُصَابُهَا فَحَلَفَ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يُهْرِيقَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمًا قَالَ فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَزَلَ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ وَقَالَ مَنْ رَجُلَانِ يَكْلَآَنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ مِنْ عَدُوِّنَا قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَحْنُ نَكْلَؤُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَخَرَجَا إِلَى فَمِ الشِّعْبِ دُونَ الْعَسْكَرِ ثُمَّ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ أَتَكْفِينِي أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَكْفِيكَ آخِرَهُ أَمْ تَكْفِينِي آخِرَهُ وَأَكْفِيكَ أَوَّلَهُ قَالَ فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ بَلْ اكْفِنِي أَوَّلَهُ وَأَكْفِيكَ آخِرَهُ فَنَامَ الْمُهَاجِرِيُّ وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي قَالَ فَافْتَتَحَ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَبَيْنَا هُوَ فِيهَا يَقْرَأُ إِذْ جَاءَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ قَالَ فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَ قَائِمًا عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ فَيَنْتَزِعُ لَهُ بِسَهْمٍ فَيَضَعُهُ فِيهِ قَالَ فَيَنْزِعُهُ فَيَضَعُهُ وَهُوَ قَائِمٌ يَقْرَأُ فِي السُّورَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَلَمْ يَتَحَرَّكْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَقْطَعَهَا قَالَ ثُمَّ عَادَ لَهُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ بِسَهْمٍ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَانْتَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي وَلَمْ يَتَحَرَّكْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَقْطَعَهَا قَالَ ثُمَّ عَادَ لَهُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ الثَّالِثَةَ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَانْتَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ثُمَّ رَكَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ اقْعُدْ فَقَدْ أُوتِيتُ قَالَ فَجَلَسَ الْمُهَاجِرِيُّ فَلَمَّا رَآهُمَا صَاحِبُ الْمَرْأَةِ هَرَبَ وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ نُذِرَ بِهِ قَالَ وَإِذَا الْأَنْصَارِيُّ يَمُوجُ دَمًا مِنْ رَمْيَاتِ صَاحِبِ الْمَرْأَةِ قَالَ فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الْمُهَاجِرِيُّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَلَا كُنْتَ آذَنْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَاكَ قَالَ فَقَالَ كُنْتُ فِي سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَدْ افْتَتَحْتُهَا أُصَلِّي بِهَا فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَهَا وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا .

جيل قرآني فريد

أعلى الصفحة

 

الشهيد سيد قطب

هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان . وأن يقفوا أمامها طويلاً . ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها .

لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلاً مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه . ثم لم - تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى . نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ . ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم ، في مكان واحد ، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة .

هذه ظاهرة واضحة واقعة ، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه ، طويلاً لعلنا نهتدي إلى سرِّه .

 إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا ، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه العملي ، وسيرته الكريمة ، كلها بين أبدينا كذلك ، كما كانت بين أبدي ذلك الجبل الأول ، الذي لم يتكرر في التاريخ .. ولم يغب إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر ؟

لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة ، وإيتائها ثمراتها ، ما جعلها الله دعوة للناس كافة ، وما جعلها آخر رسالة ، وما وكّل إليها أمر الناس في هذه الأرض ، إلى آخر الزمان . .

ولكن الله - سبحانه - تكفل بحفظ الذكر ، و علم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبمكن أن تؤتي ثمارها . فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الرسالة ، وأبقى هذا الذين من بعده إلى آخر الزمان . . وإذن فإن غيبة شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها .

فلنبحث إذن وراء سبب آخر. لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول ، فلعل شيئا قد تغير فيه . ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه ، فلعل شيئا قد تغير فيه كذلك .

كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو القرآن . القرآن وحده . فما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع . فعندما سُئلت عائشة رضي الله عنها - عن خُلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : (( كان خُلقه القرآن )) أخرجه النسائي .

كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه ، ويتكيفون به ، ويتخرجون عليه ، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة ، ولا ثقافة ، ولا علم ، ولا مؤلفات ، ولا دراسات . . كلا ! فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوروبا تعيش عليه ، أو على امتداده . وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها ، وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم . وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك . وحضارات أخرى قاصية ودانية : حضارة الهند وحضارة الصين إلخ . وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها ، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة. . فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده .. في فترة تكونه .. وإنما كان ذلك عن (( تصميم )) مرسوم ، ونهج مقصود . يدل على هذا القصد غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى في يد عمر بن الخطاب - رض الله عنه - صحيفة من التوراة . وقوله : (( إنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني )) رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي جابر .

وإذن فقد كان هناك قصد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل .. في فترة التكون الأولى . . على كتاب الله وحده ، لتخلص نفوسهم له وحده . ويستقيم عودهم على منهجه وحده . ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب - رض الله عنه -يستقي من نبع آخر.

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد صنع جيل خالص القلب . خالص العقل . خالص التصور . خالص الشعور . خالص التكوين من أى مؤثر آخر غير المنهج الإلهي ، الذي يتضمنه القرآن الكريم .

 ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده . فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد .. ثم ما الذي حدث ، اختلطت الينابيع .! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم ، وأساطير الفرس وتصوراتهم . وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى ، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات . واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكرم ، وعلم الكلام ، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا . وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل ، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا .

وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملاً أساسيا من عوامل ذلك الاختلاف البيِّن بين الأجيال كلها وذلك الجيل المميز الفريد.

هناك عامل أساسي آخر غير اختلاف طبيعة النبع . ذلك هو اختلاف منهج التلقي عما كان عليه في ذلك الجيل الفريد ..

إنهم - في الجيل الأول - لم يكونوا يقرؤون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع ، ولا بقصد التشوق والمتاع . لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة ، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولاً يملأ به جعبته . إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها ، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته ، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه ، كما يتلقى الجندي في الميدان (( الأمر اليومي )) لا ليعمل به فور تلقيه ! ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة ، لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه ، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه ([1]) .

هذا الشعور . . شعور التلقي للتنفيذ .. كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة ، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع ، وكان ييسر لهم العمل ، ويخفف عنهم ثقل التكاليف ، ويخلط القرآن بذواتهم ، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي ، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف ، إنّما تتحول آثارًا وأحداثًا تحوِّل خط سير الحياة .

إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن بُقبل عليه بهذه الروح : روح المعرفة المنشئة للعمل . إنه لم يجئ ليكون كتاب متاع عقلي ،ولا كتاب أدب وفن . ولا كتاب قصة وتاريخ - وإن كان هذا كله من محتوياته - إنما جاء ليكون منهاح حياة . منهاجًا إلهيًّا خالصًا . وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقًا . يتلو بعضه بعضًا :

{ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } [ الإسراء :106]

لم ينزل هذا القرآن جملة ، إنما نزل وفق الحاجات المتجددة ، ووفق النمو المطَّرِد في الأفكار والتصورات ، والنمو المُطَّرِد في المجتمع والحياة ، ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية - وكانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة والحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم ، وتصور لهم ما هم فيه من الأمر ، وترسم لهم منهج العمل في الموقف ، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك ، وتربطهم في هذا كله بالله ربهم ، وتعرِّفُه لهم بصفاته المؤثرة في الكون ، فيحسون حينئذ أنهم يعيشون مع الملأ الأعلى ، تحت عين الله ، في رحاب القدرة . ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم ، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم .

إن منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول . ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرَّج الأجيال التي تليه . وما من شك أن هذا العامل الثاني كان عاملاً أساسيًا كذلك في اختلاف الأجيال كلها عن ذلك الجيل المميز الفريد .

هناك عامل ثالث جدير بالانتباه والتسجيل .

لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية . كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها إلى الإسلام أنه يبدأ هذا جديدًا ، منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية . وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف ، الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام ! وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد ، فإذا غلبته نفسه مرة ، وإذا اجتذبته عاداته مرة ، وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة . . شعر في الحال بالإثم والخطيئة ، وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه ، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدي القرآني .

كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماض المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه ، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية ، فهو قد انفصل نهائيًا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيا ببيئته الإسلامية . حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي ، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر .

وكان هناك انخلاع من البيئة الجاهلية ، وعُرْفُها وتصورها وعاداتها وروابطها ، ينشأ عن الانخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود . وينشأ من الانضمام إلى التجمع الإسلامي الجديد ، بقيادته الجديدة ، ومنح هذا المجتمع وهذه القيادة كل ولائه وكل طاعته بل تبعيته .

وكان هذا مفرق الطريق ، وكان بدء السير في الطريق الجديد ، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي ، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه . ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة ، ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى الجاهلي عليه ولم يعد لضغط ا لتصور الجاهلي ، ولا لتقاليد المجتمع من سبيل .

 نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم . كل ما حولنا جاهلية . . تصورات الناس وعقائدهم ، عاداتهم وتقاليدهم ، موارد ثقافتهم ، فنونهم وآدابهم ، شرائعهم وقوانينهم . حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ، ومراجع إسلامية ، وفلسفة إسلامية ، وتفكيرا إسلاميًا . . هو كذلك من صنع هذه الجاهلية !!

 لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا ، ولا يتضح في عقولنا ، ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة .

فلا بد إذن - في منهج الحركة الإسلامية - أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها . لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال ، النبع المضمون أنه لم يختلط ولم تشبه شائبة . نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق ، وجود الله سبحانه .. ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة ، وقيمنا وأخلاقنا ، ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة .

ولا بد أن نرجع إليه - حين نرجع - بشعور التلقي للتنفيذ والعمل لا بشعور الدراسة والمتاع . نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون ، لنكون . وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص وبمشاهد القيامة في القرآن .. وبالمنطق الوجداني في القرآن .. وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع . ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول . إن هدفنا الأول أن نعرف : ماذا يريد منا القرآن أن نعمل ؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور ؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله ؟ كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة ؟

ثم لا بد لا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية . . في خاصة نفوسنا . . ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له ، فهو بهذه الصفة .. صفة الجاهلية . . غير قابل لأن نصطلح معه . إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولاً لنغير هذا المجتمع أخيرًا .

إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع . مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه . هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي ، وبالتصور الإسلامي ، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش . إن أولى الخطوات إلى طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته ، وألا نعدِّل في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق .كلا ! إننا وإياه على مفرق الطريق ، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق !

وسنلقى في هذا عنتًا ومشقة ، وستفرض علينا تضحيات باهظة ، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي ، ونصره على منهج الجاهلية .

وإنه لمن الخير أن ندرك دائمًا طبيعة منهجنا ، وطبيعة موقفنا ، وطبيعة الطريق الذي لا بد أن نسلكه للخروج من الجاهلية كما خرج ذلك الجيل المميز الفريد . .


حقائق الناس

أعلى الصفحة

 

ابن الجوزي

ينبغي لمن صحب سلطاناً أو محتشماً أن يكون ظاهره معه وباطنه سواء فإنه قد يدس إليه من يخبره فربما افتضح في الابتلاء‏.‏

وقد كان جماعة من الملوك يقصدون تقريب المنادم ، ويجعلون له حجرة في دورهم ، فإذا أرادوا أن يختصوه : اختبروه باطناً من حيث لا يدري فيظهر منه ما لا يصلح  .. فيطرد‏!‏‏.‏

ولقد امتحن أبرويز رجلاً من خاصته فدس إليه جارية معها ألطاف وأمرها أن لا تقعد عنده فحملتها‏.‏

ثم أنفذها مرة أخرى وأمرها أن تقعد بعد التسليم هنيهة ففعلت فلاحظها الرجل‏.‏

ثم بعثها ثالثة وأمرها أن تطيل القعود عنده وتحدثه فأطالت الحديث معه فأبدى لها شيئاً من الميل إليها فقالت‏:‏ أخاف أن يطلع علينا ولكن دعني أدبر في هذا‏.‏

فذهبت فأخبرت الملك بذلك فوجه غيرها من خواص جواريه بمثل ذلك فلما جاءته قال‏:‏ ما فعلت فلانة قالت مريضة فاربد لونه‏.‏

ثم فعلت الجارية الثانية مثل ما فعلت الأولى فقالت له‏:‏ إن الملك يمضي إلى بستانه فيقيم هناك‏.‏

فإن أرادك على أن تمضي معه فأظهر أنك عليل‏.‏ فإن خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام هنا فاختر المقام ههنا وأخبره أنك لا تقدر على الحركة‏.‏

فإن أجابك إلى ذلك جئت إليك كل ليلة ما دام الملك غائباً فسكن إلى قولها ثم مضت وأخبرت الملك بذلك‏.‏

فلما كان بعد ثلاث استدعاه الملك فقال‏:‏ إني مريض‏.‏

فعاد الرسول فأخبره فتبسم‏.‏

وقال‏:‏ أول الشر‏.‏

فوجه إليه محفة حمل فيها إليه فلما بصر به أبرويز قال‏:‏ والمحفة الشر الثاني‏.‏

فرأى العصابة على رأسه‏.‏

قال‏:‏ والعصابة الشر الثالث‏.‏

فقال له الملك‏:‏ أيهما أحب إليك الانصراف إلى نسائك ليمرضنك أو المقام ههنا إلى وقت رجوعي قال‏:‏ المقام ههنا أرفق لي لقلة الحركة فتبسم وقال‏:‏ حركتك ههنا إن تركت أكثر من حركتك إلى منزلك‏.‏

ثم أمر له بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنا‏.‏

فأيقن الرجل بالأمر وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفاً حرفاً فيقرأ على الناس حرفاً حرفاً إذا حضروا وأن ينفى إلى أقصى المملكة وتجعل العصا على رأس رمح يكون معه حيث كان ليحذر منه من لا يعرفه‏.‏

فلما نفي أخذ من بعض الموكلين مدية فجب بها ذكره وقال‏:‏ ومات من ساعته‏.‏

قلت‏:‏ وقد كان جماعة من الأمراء يتنكرون ويسألون العوام عن سيرتهم فيتكلم العامي بما لا يصلح فيضبطونه وربما بعثوا دسيساً عليه‏.‏

ورب كلمات قالها مسترسل فبلغها فضولي فأهلكت صاحبها‏.‏

ورأى عمر بن عبد العزيز رجلاً من العمال كثير الصلاة فدس عليه من قال له‏:‏ إن أخذت لك الولاية الفلانية فما تعطيني قال‏:‏ أعطيتك كذا وكذا قال له عمر‏:‏ غررتنا بصلاتك‏.‏

وقد بلغت أن رجلاً كلم امرأة فأجابته فاستدعته إلى دارها فلما دخل أقامت على قتله‏.‏

فقد ينجلي من هذه الحكاية أنه لا ينبغي أن يسكن إلى قول امرأة أو بعل يجوز أنه يكون وكذلك لا يظهر ما ينبغي إخفاؤه من مال أو مذهب أو سب رجل فربما كان له في الحاضرين قريب‏.‏

ولا يوثق بمودة لا أصل لها فربما كانت تحتها آفة تقصده‏.‏

وليحذر من كل أمر يحتمل‏.‏

ورب كلمة نقلها صديق إلى صديق فتحث بها من لا يقصد أذى للقائل فبلغت فتأذى‏.‏

ورب مظهر للمحبة مبالغ حتى يستمكن من مراده‏.‏

فالحذر الحذر من الطمأنينة إلى أحد خصوصاً من عدو آذيته أو قتلت له قريباً‏.‏

فربما أظهر الجميل شبكة لاصطيادك كحديث الزباء‏.‏

 

ثبات تميم بن جميل

أعلى الصفحة

 

قال أحمد بن أبي داود‏:‏ ما رأينا رجلاً نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يحب أن يفعله إلا تميم بن جميل ، فإنه كان تغلب على شاطئ الفرات وأوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة ودخل عليه ، فلما مثل بين يديه دعا بالنطع والسيف فأحضرا ، فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئاً ، وجعل المعتصم يُصعِد النظر فيه ويُصَوِّبُه ، وكان جسيماً وسيماً ، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جَنانُه ولسانُه من منظره ، فقال‏:‏ يا تميم ، إن كان لك عذر فأت به أو حجة فأدلِ بها .

فقال‏:‏ أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول‏:‏ الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين‏.‏

يا أمير المؤمنين : إن الذنوب تُخرِسُ الألسنة ، وتصدع الأفئدة ، ولقد عَظُمَت الجريرة ، وكبُر الذنب ، وساء الظن ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك ، وأرجو أن يكون أقربَهما منك وأسرعَهما إليك : أولاهما بإمامتك ، وأشبههما بخلافتك  . ثم أنشأ يقول‏:‏

أرى الموت بين السيف والنطع كامناً            يلاحظني من حيثما أتلفت

وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي               وأي امرئ مما قضى الله يفلت

ومن ذا الذي يُدلى بعذرٍ وحجةٍ            وسيف المنايا بين عينيه مُصلَت

يعز على الأوس بن تغلب موقف          يُسَلُّ عليَّ السيفُ فيه وأسكت

ولكنَّ خلفي صبيةً قد تركتهم              وأكبادهم من حسرة تتفتت

كأني أراهم حين أُنعى إليهم                     وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا

فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة         أذود الردى عنهم وإن مِتُّ مُوِّتوا

فكم من قائل‏:‏ لا يبعد الله روحه           وآخر جذلان يُسَرُّ ويشمت

قال‏:‏ فتبسم المعتصم وقال‏:‏ كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل ، اذهب : فقد غفرت لك الصبوة وتركتك للصبية‏.‏

 

 

 

من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذنه

أعلى الصفحة

 

ابن قيم الجوزية

·       من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بأذنه.

·  للعبد ستر بينه وبين الله , وستر بينه وبين الناس, فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله , هتك الستر الذي بينه وبين الناس.

·       للعبد رب هو ملاقيه وبيت هو ساكنه, فينبغي له أن يسترضي ربّه قبل لقائه ويعمّر بيته قبل انتقاله اليه.

·  اضاعة الوقت أشد من الموت, لأن اضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة, والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.

·       الدنيا من أولها الى آخرها لا تساوي غم ساعة, فكيف بغم العمر.

·       محبوب اليوم يعقبه المكروه غدا, ومكروه اليوم يعقبه المحبوب غدا.

·       أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع في معادها.

·       كيف يكون عاقلا من باع الجنّة بما فيها بشهوة ساعة.

·       يخرج العارف من الدنيا ولم يقضي وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه, وثناؤه على ربّه.

·       المخلوق اذا خِفته استوحشت منه وهربت منه, والرب تعالى اذا خِفته أنست به وقربت اليه.

·       لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب ، ولو نفع العمل بلا اخلاص لما ذم المنافقين.

·  دافِع الخطرة, فان لم تفعل صارت فكرة. فدافع الفكرة, فان لم نفعل صارت شهوة. فحاربها, فان لم تفعل صارت عزيمة وهمّة, فان لم تدافعها صارت فعلا, فان لم تتداركه بضدّه صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها.

·       التقوى ثلاث مراتب:

احداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرّمات.

الثانية: حميتها عن المكروهات.

الثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.

فالأولى تعطي العبد حياته, والثانية تفيد صحته وقوته, والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته.

·       غموض الحق حين تذب عنه            يقلل ناصر الخصم المحق

تضل عن الدقيق فهوم قوم               فتقضي للمجلّ على المدقّ

 

·       بالله أبلغ ما أسعى وأدركه               لا بي ولا بشفيع لي من الناس

اذا أيست وكاد اليأس يقطعني           جاء الرجاء مسرعا من جانب اليأس

·  من خلقه الله للجنّة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره , ومن خلقه الله للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات.

·  لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها. اقرأ الآيات 19-24من سورة الأعراف.

·  ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤية لبث فيها بضع سنين.  اقرأ يوسف آية 42.

·       اذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستّة مشاهد:

الأوّل: مشهد التوحيد, وأن الله هو الذي قدّره وشاءه وخلقه, وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

 الثاني: مشهد العدل, وأنه ماض فيه حكمه, عدل فيه قضاؤه.

الثالث: مشهد الرحمة,وأن رحمته في هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه, ورحمته حشوه أي ظاهره بلاء وباطنه رحمة.

الرابع: مشهد الحكمة, وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك, لم يقدّره سدى ولا قضاه عبثا.

الخامس: مشهد الحمد, وان له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه.

السادس: مشهد العبوديّة, وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيّده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده, فيصرفه تحت أحكامه القدريّة كما يصرفه تحت أحكامه الدينيّة, فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه.

·  قلّة التوفيق وفساد الرأي, وخفاء الحق, وفساد القلب, وخمول الذكر, واضاعة الوقت, ونفرة الخلق, والوحشة بين العبد وبين ربّه, ومنع اجابة الدعاء, وقسوة القلب, ومحق البركة في الرزق والعمر, وحرمان العلم, ولباس الذل, واهانة العدو, وضيق الصدر, والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت, وطول الهم والغم, وضنك المعيشة, وكسف البال... تتولّد من المعصية والغفلة عن ذكر الله, كما يتولّد الزرع عن الماء, والاحراق عن النار.

·       وأضداد هذه تتولّد عن الطاعة.

 

 

 

 

 

لا يصح أن يقال

الخليفة هو الخليفة عن الله مثل النائب عنه

أعلى الصفحة

 

تقي الدين بن تيمية

و((الخليفة)): هو من كان خلفاً عن غيره، فَعِيلة بمعنى فاعلة، كان النبي r إذا سافر يقول: ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل))(1)، وقال r: ((من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا))(2)... وفي القرآن الكريم: {سَيَقولُ لَكَ المُخَلَّفونَ مِنَ الأعْرابِ}(3) ، وقـوله: {فَرِحَ المُخَلَّفونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رسولِ اللهِ}(4).

والمراد بـ ((الخليفة)) أنه خلف من كان قبله من الخلق، والخلف فيه مناسبة، كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله r