فلسفة
الانتحار اسلامياً
د. أحمد نوفل
nofal_assabeel@yahoo.com
كتب الكاتب العربي التعيس، الذي
اشرنا اليه في مقال سابق، مقالاً تحت هذا العنوان، في
المجلة اياها «نيوزويك»، بل
في افتتاحيتها، وفي عنوان فرعي هو خاتمة المقال قال: «معالجة فكر الجهاد تحتاج الى الكثير من علم النفس..» وهذه هي زبدة
مقاله على كل حال: «معالجة فكر الجهاد» وليس معالجة حال الاستخذاء والانخذال والاستسلام للاعداء
وعدّهم اصدقاء بل خيرة الاصدقاء.
هو يرشد امريكا الى جذور
وبذور المشكلة، فهو قرون استشعارها للخطر.
يبتدئ المحروس مقاله باسترجاع
حكم قضائي صدر في مصر سنة 84 من محكمة امن الدولة وجاء في حيثيات الحكم: ان حالة المجتمع المصري هي البيئة التي أفرزت تنظيم الجهاد،
وغياب شرع الله عن مجتمع مصر، ووجود مظاهر في المجتمع لا تتفق مع شرع الله، وعدم
مساهمة علماء المسلمين في بحث فكر الجهاد وبيان حكم الاسلام
فيه «لماذا؟؟».
ويعلق الكاتب -لا حفظه الله-
بقوله: واذا كانت الاسباب
التي اوردتها محكمة أمن الدولة تكفي لانتشار فكر الجهاد
في مصر، فان اسباب انتشار الفكر نفسه في اماكن اخرى تختلف الى حد كبير. ويذكر مثلاً حالة فلسطين. ثم يقفز الى بيت القصيد اذ يقول: اذا كان الامر كذلك في مصر والاراضي الفلسطينية! فما الذي يدفع شاباً كويتياً مثل انس الكندري ذي الـ21 عاماً والذي يعيش حياة سهلة مريحة مرفهة في
بلد آمن لا تمارس سلطاته أي قمع للحريات، ما الذي يدفعه للقيام بعملية انتحارية ضد
جنود امريكيين كانوا قد حرروا بلاده من الاحتلال
العراقي؟!
ثم يقرر الكاتب الفهيم ويؤكد ويطلق الاحكام:
«لقد كانت العملية التي نفذها
انس وشاب آخر في جزيرة فيلكا، وقتل فيها جندي امريكي والشابان المهاجمان، عملية انتحارية بمعنى الكلمة، اذ لم يكن امام الشابين المهاجمين
مفر بعد تنفيذ العملية، وكانا يدركان حتماً ان الاحتمال
الارجح بالنسبة لهما هو الموت، لذلك فقد كتب انس وصيته
قبل تنفيذ العملية».
وقبل ان
نسترسل في النقل عن هذا الفذ نناقشه في بعض ما اطلقه،
ولن نناقشه في ترديد مصطلحات اسرائيل «او العدو الصهيوني» من وصف الاستشهاديين
بالانتحاريين فيما يخص حديثه عن فلسطين، فيبدو ان الاخ ليس في قاموسه مثل هذا المعنى ولا مثل هذه المصطلحات فلا
جهاد ولا استشهاد. وهذا يبين لنا مدى النجاح في غسل الامخاخ
عند امثال الكاتب وهم كثر متصدرون! انما
نريد ان نقف عند استفهامه التعجبي او
الاستنكاري عن الذي يدفع شاباً كويتياً يعيش حياة مريحة مرفهة في بلد لا تمارس
السلطة فيه القمع، للقيام بعملية انتحارية؟
واستفهام الكاتب وعجبه من
المفارقة المثيرة -في نظر الكاتب- بين اختيار الموت على الحياة المرفهة الميسرة
السهلة المريحة المليحة واضح منه ان مثل الحياة الأعلى
عنده هو هذه الحياة الميسرة، اما العزة والكرامة، وحال
الأمة الشقية المتعبة، كل هذا مما لا ينبغي ان يعنينا
في كثير او قليل.
ان العالم
العربي، والاسلامي من بعده، وحدة واحدة ألمها واحد
وهمها واحد. هذا الاحساس المتضخم بالأنا
وبالذات الذي يريده الكاتب وتضاؤل الاحساس بالجماعة
والأمة والوطن والمصلحة العليا للدين، اساس من اسس البلاء.
وبهذا المنطق ألم يكن اليهودي
مرتاحاً في أوروبا وامريكا وآسيا، فلماذا يأتي مهاجراً الى فلسطين قبل اكثر من قرن من
الزمان وقت كانت فلسطين والعالم العربي كله متأخراً؟ ولماذا يأتي الآن من فرنسا وامريكا ليؤدي خدمته العسكرية في قمع الانتفاضة؟
ولماذا الامريكي
وهو ملك في بلاده، فلا احد مرتاح قدر ما الامريكي مرفه
مدلل مرتاح، فلماذا يترك راحته ويأتي الى تورا بورا ومغاور افغانستان، ومن ثلوجها الى صحراء
العراق والخليج؟ وهذه ارقام سريعة عن جنود امريكا في العالم (80) الف في
اليابان وكوريا (10) آلاف في افغانستان (45) الف في الخليج «العدد زاد قطعاً» (120) الفاً
في اوروبا (7) آلاف في يوغسلافيا، لماذا في مجاهيل افريقيا ووسط بعوضها
وذبابها وافاعي غاباتها يأتي الغربيون
من فرنسيين وامريكان وانجليز
ويهود؟
اما سؤال
كاتبنا العظيم عن العمل ضد الامريكان الذين حرروا بلاد
«المنتحر» من الاحتلال العراقي، فنقول في جوابه: من الذي فجر الصراع بين العراق
والكويت اصلاً، أليس امريكا؟
من الذي منع اتمام سير المفاوضات في جدة بين سعد وعزت؟
من الذي اثار حرب اسعار
البترول لكسر اقتصاد العراقي ليقوم العراق برد فعل؟ من الذي اغرى
العراق بعد خلق اجواء التوتر بين البلدين بدخول الكويت؟
ما خبر السفيرة غاسبي؟ وهل قتلت؟ واذا
كانت امريكا مولعة بتحرير الشعوب فها فلسطين محتلة من اكثر من نصف قرن، فَلْتُرنا حرصها. ان
امريكا تشعل النار بأجرة ثم تطفئها بأجرة وتعيد بناء ما
احرقته النار بأجرة. هل فهمت
يا..!
ويا طويل العمر، سلمنا ان امريكا جاءت الكويت محررة،
فلماذا هي في السعودية وقطر والبحرين.. ودول اخرى
خليجية وغيرها؟ ابقصد التحرير هناك هي موجودة ايضاً؟ أوليس الكويت قد تحرر والحمد لله، فلماذا الامريكان مقيمون؟ وهل يملك أصحاب البلد ان
يطلبوا خروجهم؟ ما رأيك لو نجرب؟ ولم تقل لنا يا عبقري:
بكم تشتري امريكا نفط الكويت؟ وما ثمن بقاء الجنود الامريكان في الكويت؟ وما اجرة
استئجار الجندي الامريكي؟ وكم مدة العقد؟ ومتى ينتهي؟
وكم ديون الكويت؟ هذه الاسئلة دارت في ذهن الشاب ولم
يتلق عنها أي جواب، ولو اجبتموه لهدأت النار في صدره.
انه يتوهم -مخطئاً بالطبع- ان وجود الامريكان
عودة للاستعمار. وتطوير كيفي للاستعمار، فبينما كان الاستعمار يغرم هو تكاليف
بقائه في الدول المستعمرة - بفتح الميم- اصبح الآن
يتلقى اجرة استعماره للدول. وكما قالت امريكا: سنأخذ من نفط العراق ثمن تدمير العراق في الحرب
القادمة.
أي انهم
-بالعربي- سيدمروننا وندفع نحن الفاتورة، فاتورة تدميرهم لنا ثم فاتورة بقائهم
عندنا ثم فاتورة ما يسمى اعادة البناء «دي امريكا يا ريس».
هذا الوهم يا صاحب الفهم هو
الذي حرك الشاب، ولو جليتم له الحقيقة واقنعتموه ان الضيفان الشقران لهم مدة محدودة
ومهمة محددة لطار الوهم من رأسه. ولكن المعنى في بطن «الشاعر» والاتفاقية بين
«الرأس» والامريكان لا يعلم بها الا نفر او اثنان.. والأمة كلها ابو محجوب!
ثم يصف الكاتب النحرير عملية انس وصاحب بأنها انتحارية بمعنى الكلمة ، اي انها قياسية معيارية عملية
انتحارية بالمواصفات العالية الكاملة للعملية الانتحارية ويستشهد لذلك بأنه لم يكن
امام الشابين مفر الا الموت،
وهما يدركان ذلك، ثم ان وصية انس تدفع نحو التفكير، كما
يقول النحرير، واما اتجاه
التفكير فبدل ان يتجه به الكاتب نحو الاستعمار ومقاومته
كاسباب دافعة لمثل هذه العملية، اتجه بتفكيره العظيم
وعقله المغسول بالاريال نحو: الفكر الجهادي،
ليخلص الى التالي، وننقل عبارته: «ان
وصية انس تدفع نحو التفكير في اتباع منهج جديد في
التعامل مع الفكر الجهادي، فقد ذكر انس في وصيته انه
يكتب كلماته في زمن اليأس والخنوع، ويتساءل -أي الموصي- وكيف يطيب لنا عيش والارض ملئت ظلماً وجوراً..؟ ويواصل الكاتب مستطرداً، فيقول: ان شاباً ملتزماً مع الجماعات الاسلامية
يرى في عبارات انس ايماناً وغيرة على المسلمين». وانتبه
ايها القارئ لتكتشف ماذا يقول الكاتب عن مثل هذه
الوصية: «انها علامات على حالة اكتئاب
شديد كان يمكن ان تزول لو تناول حبات «بروزاك» او اي مضاد للاكتئاب.
ثم يشرح كاتبنا المنشرح
والمنبسط وغير المكتئب وغير المكترث اسباب الاكتئاب، ويرى منها: وجود طرق تفكير خاطئة
تؤدي الى الاحباط، ويمكن
القول -كاتبنا يقول- بلا تردد ان الخطاب الديني لبعض
الجماعات الاسلامية بيئة خصبة ليس لانتشار الفكر الجهادي، بل ولتفشي الاكتئاب في
صفوف اعضائها.
يرى الكاتب اذاً
ان الوصية لا تدل على الايمان
ولا على الغيرة على المسلمين ولا على الولاء ولا على الشعور مع الامة المنطلق والمنبثق من الاحساس
بوحدة الأمة كل ذلك غير كائن، انما الوصية لها سبب واحد
وطريق وحيد، وهو الاكتئاب الناشىء
عن الخطاب الديني.
هكذا تحلل قرون استشعار امريكا الامور لها وتفهمها ما لا
تفهم من احوالنا، وهم يغشون امريكا
من حيث ينصحونها او يسترضونها بهذا الكلام. واذا كانت المسألة تعالج بحبة بروزاك- من الذي جربه الكاتب،
قبل ان يشتغل مع امريكا -فلماذا لا تتكرم الدولة بصرف البروزاك
اجباري لكل الجماعات وفي كل المساجد وعلى كل المصلين،
من باب الاحتياط؟ يا قرون استشعار امريكا لا تغشوا امريكا. ان النار في كل صدر.
ويستنكر الكاتب ان الارض ملئت جوراً لانه يرى نصف الكوب الملآن في الكوب الفارغ. يا قرون استشعار امريكا ألا تحسون مثل باقي العباد بالقهر العظيم الذي ينوء
تحته كل عربي ومسلم؟
ألا تهزك صور الفواجع في فلسطين
وما وراءها الا امريكا؟ اما يهزك ان العالم الاسلامي ينتقص كل يوم من طرف من اطرافه،
فاليوم افغانستان وغداً العراق وبعد غد باكستان ثم
السعودية وسوريا ومصر وكل الواقفين في الطابور من عرب الخيبة ومسلمي النيام نيام.
ونسرع الخطى مع الكاتب لنصل الى نهاية مقاله حيث يواصل تحليله النفسي للاستشهاد والاستشهاديين، فيقول: وبالطبع فان اقترن الفكر الجهادي بالاكتئاب تكون النتيجة
المتوقعة عملية «استشهادية» -القوسان من الكاتب لتفهم
انه لا يقصدها!
ثم قال حفظه الله من الحفظ:
ولأن الاسلام يحرم الانتحار فان «الاستشهاد» -انتبه
للأقواس!- هو الحل الامثل لا للتخلص من الامريكان بل للتحايل على عدم مشروعية الانتحار».
هكذا فليكن التحليل النفسي
والاجتماعي والانثروبولوجي والسياسي، والا فلا. وهكذا فليكن استرضاء امريكا
بالتهوين من شأن كل من يعاديها انهم مجموعة من المهاويس المكتئبين -الله يشفيهم!-، فان تمت معالجتهم
النفسية، وغسيل مخهم من الفكر الجهادي زال عنهم الاكتئاب، فاذا تخلصوا من ركني
الشر: فكر الجهاد، وحالة الاكتئاب، فان امريكا ستقعد على صدورنا بكل ترحاب، ونفتح لها اوطاننا وكل الابواب من مصر الى اليمن ومن طنجة الى عدن ومن شام لبغدان الى سائر بلاد الاعراب. بلاد العرب
ترحب بالامريكان ويا هلا بالاغراب
و«لا» كبيرة لكل فكر مقاوم ولا نامت اعين الاحرار والشرفاء والغيورين والنشامى
والميامين والمقاومين والشهداء. والمجد والخلود للعملاء والجبناء وكتبة التقارير
ومن يسترضون امريكا. ولا ندري من الذي يحتاج الى طبيب نفسي؟! واذا جن «ربعك»
ترى أينفعك عقلك؟!.