وعد بلفور وسايكس بيكو.. الذكرى والدرس الذي لا يحفظه أحد منا.. ووعد بوش

 م. علي حتر

hatar_assabeel@yahoo.com

في الثاني من تشرين الثاني من كل عام.. تعود علينا ذكرى يسمونها ذكرى وعد بلفور..

هذه السنة انسّلت الذكرى قبل يومين.. دون ان يشعر بها أحد.. وكأن هناك اتفاقاً غير معلن لجعلها تمر بصمت..

انا لست من هواة الاحتفال بالذكريات.. ولكن هذه الذكرى بشكل خاص.. لها معنى معين.. مثل 15 أيار .. وكامب ديفيد ووادي عربة.. يجب أن تبقى ماثلة في أذهاننا أكثر من أعياد ميلاد أبنائنا.. إنها ذكرى بداية انهيارنا.. الذي يجب ان نوقفه عند حد ما..

وفي كل عام يكبر أحد أبنائنا قليلا، ويصبح قادرا على الفهم.. وعلينا أن نعرفه بها.. ونكتبها على قالب الكيك الذي نقدمه له في ذكرى ميلاده.. بدل ان نغني له «هابي بيرث داي تو يو»..

ومع هذه الذكرى لا بد ان نذكر دائما معاهدة سايكس بيكو ومؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر.. وكلها حصلت مع بعضها.. بل هي التي نفذ فيها عمليا كل انهيارنا..

وللتذكير فقط.. للشباب الصغار.. وعد بلفور هو وعد قطعه وزير خارجية بريطانيا لروتشيلد اليهودي، عندما سمح ولاة أمرنا لصاحبة الجلالة البريطانية يومها.. جدة بلير.... بالتحكم بمصائرنا، وعبر بلفور في وعده، عن عطف صاحبة الجلالة تلك، على «الشعب اليهودي»، ولأنها حنونة عطوفة، وعدت أنها سوف تساعد هذا الشعب في عملية إنشاء وطن «قومي» له في فلسطين، دون المساس بحقوق «الجماعات المقيمة» في المنطقة..

كلمات دقيقة: اليهود شعب ولهم قومية حتى وهم مجرد أقليات دينية في كل بلاد العالم.. والعرب مجرد جماعات أخرى حتى وهم مجتمعون بشكل طبيعي على أرضهم..

وفي الحقيقة يجب ان نشكر بلفور لأنه لم ينس عبارة «عدم المساس بحقوقنا».. التي ما زال حكامنا يرددونها حتى اليوم مع تغيير بسيط في العبارة، لأن حكام الدول العربية يقولون اليوم: «عدم المساس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني».. (إنه القرف فعلا.. لأنه ما من حاكم واحد يجرؤ على تعريف هذه الحقوق.. وإنني أفضل عبارة بلفور تصدر عنه رغم كذبه.. عن العبارة الأخيرة تخرج عن حكامنا رغم صدقهم المفروض علينا بالقوة..)

طبعا نحن لا نتوقع غير ذلك من بريطانيا.. وهي منبع الفكر الصهيوني الداعي عقائديا لتجميع اليهود في فلسطين منذ بدايات لقرن السادس عشر.. كما ان نشاطات هرتزل ايامها وهو الساعي لإنشاء دولة اليهود.. ووعده «بجر رجل امريكا» إلى الحرب إلى جانب بريطانيا وفرنسا.. ووعده بالقروض اليهودية ووعده بدفع اليهود الشرقيين للوقوف ضد تحالف روسيا مع المانيا.. عززت كل توجه ثقافي وعقائدي لدى البريطانيين لمساعدة اليهود وإصدار هذا الوعد..

على فكرة.. إن هرتزل عمل منفردا ومن موقع غير رسمي لصالح اليهود أكثر مما فعل لصالح الأمة العربية كل من حكموها في القرن العشرين.. وربما الواحد والعشرين..

وأريد ان اثير ملاحظة هامة.. للذين يخافون هذه الأيام من أسلحة امريكا وقوتها ويتعللون انهم لن يفعلوا شيئا حيالها.. ان ايام بلفور كانت ما زالت نسبيا ايام الفرسان.. ولم يكن فيها قنابل نووية او غازات او قنابل وصواريخ تطلق من آخر الدنيا.. ومع ذلك تآمر أصدقاء بلفور من اهلنا على شعبنا ومر وعد بلفور دون ان يقاومه كل من كان يطمع بكرسي.. رغم سهولة ترتيب المقاومة في ذلك الزمن..

وبالتوازي مع الاتصالات التي كانت تجري لإصدار هذا الوعد، كان يتم تبادل مراسلات الشريف حسين / مكماهون، والتي كانت تتعهد فيها بريطانيا للشريف حسين بتنصيبه ملكا على بلاد الشام إذا تحالف معها للثورة على الحكم العثماني.. وهنا لا بد ان نؤكد على أن بريطانيا قالت في إحدى رسائل مكماهون إنها.. ودون أن تبدي الأسباب.. ستستثني من الأراضي التي ستضعها تحت حكم الشريف، المنطقة الغربية من سوريا.. والتي أصبحت فيما بعد فلسطين بشكلها الذي سلم لليهود.. ولم يكن الشريف حسين يطلب تثبيت الوعود على شكل معاهدات..

وفي نفس الوقت تماما.. كانت بريطانيا الماكرة (كما كانت تسميها حليفتها فرنسا) تجري مفاوضات مع الأمير عبد العزيز آل سعود.. وتعده بعكس ما تعد به الشريف حسين وخاصة فيما يتعلق بحكم الجزيرة العربية.. ولذلك هذا الأمير كان يصر على أن يصاغ كل ما يقال له على شكل معاهدات مكتوبة وموقعة..

وفي نفس الوقت كانت تجري مع فرنسا وروسيا مفاوضات مع جمال باشا الوالي العثماني على المنطقة لإغرائه بالاستقلال عن أمه الإمبراطورية العثمانية الضعيفة والوقوف مع الحلفاء ضد ألمانيا..

وفي نفس الوقت.. كانت بريطانيا وفرنسا تجريان مفاوضات بدون علم الآخرين.. لاقتسام المنطقة فيما سمي لاحقا باتفاقية سايكس - بيكو.. وهي المعاهدة التي لم يتم تنفيذها، ولكن بعد الحرب نفذت ضمن اتفاقات جديدة مبنية عليها في مؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر.. لأن الثورة البلشفية في روسيا فضحت هذه المعاهدة وأعلنتها على الملأ بكل ما فيها من قذارة وانحطاط اتصف بهما المستعمر الغربي ويتصف بهما حتى يومنا هذا..

وفي الوقت نفسه وعد تشرشل وجهاء المنطقة (عام 1920) بعدم إنشاء دولة يهودية.. وقال: انه «مجرد ملجأ قومي» لهؤلاء المساكين..

وتقسمت اوصال الوطن.. وتمزقت سوريا.. وظهر لبنان الذي أحبته فرنسا.. وفقدنا (مرحليا) فلسطين.. وأوجدت إمارة شرق الأردن لتكون ضعيفة بلا مقومات حقيقية.. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فرنسا، خلال المفاوضات، كانت مصرة على أن تكون القطعة المسماة سوريا من الصفقة، قادرة على أن تعتمد على نفسها تحت الاستعمار الفرنسي (طبعا حتى لا تشكل عبئا اقتصاديا عليها) ولم تكن بريطانيا مهتمة بهذه المسألة للمناطق الخاضعة لها..

ووزعت محافظاتنا وولاياتنا بطريق عجيبة.. وإذا بالمحافظة الواحدة تتوزع على دول ثلاث.. وأصبحنا امة متعددة الجنسيات.. أسوة بالشركات المتعددة الجنسيات.. (ولكن هذه تحقق ارباحا على الأقل.. أما نحن وبهمة قياداتنا التاريخية.. دون أن تبدي الأسباب.. فلا نحقق إلا الهزائم)..

بريطانيا كانت معنية بمعاملة فلسطين بشكل خاص تمهيدا لإنشاء وطن قومي لليهود، وبمنطقة شرق الأردن التي تصلح لإنشاء خط حديد بين العراق والبحر الأبيض المتوسط.. وبإبعاد روسيا عن الساحة..

وتراكض وجهاء العرب وحكام بعض اقاليمهم.. المعينين تعيينا ديموقراطيا في ذلك الوقت.. للدفاع عن الحدود التي أنتجتها سايكس بيكو وسان ريمو ومعاهدة سيفر ووعد بلفور.. وراحوا يصيحون ان بلفور أعطى ما لا يملك لمن يستحق..

وأصبح تاريخ المنطقة يبدأ هناك..

أما التاريخ الطويل الموحد قبل الإسلام وفي صدر الإسلام وحكم الأمويين والعباسيين والفاطميين والمماليك والعثمانيين.. فقد ألقوا به إلى الجحيم.. وبدأ تاريخنا الجديد منذ ذلك الوعد..

واليوم يخرج علينا بوش بوعود جديدة لتقسيم جديد للمنطقة.. وبنفس الطريقة البريطانية..

الا نتعلم من مؤامرات بداية القرن الفائت..

انظروا إلى وعود بوش هذه الأيام.. وسوف أسميها وعود بوشفور..

ماذا يجري اليوم.. هل يختلف عما كان يجري أيام بلفور..

تقسيم العراق.. وما بقي من سوريا.. وتكميم فلسطين.. وتثبيت قزمية الدول الخليجية.. وتمزيق السودان، وخنق الأردن وربما تقطيعه فهو كبير قليلا.. وإذلال الجزائر ومحاصرة أوروبا.. وتحطيم كل ما تبقى لنا من امل لنا في أن نعود أمة قوية لها كلمتها ومساهمتها في حركة التاريخ..

و بوش أيضا يصدر الوعود مثل مكماهون.. ومثل بلفور في نفس الوقت.. فهو مهتم بالأكراد والفلسطينيين ولبنان وبمصر والسودان وأهل الخليج والسعودية.. وربما ببعض البترول الذي يعومون فيه.. وما زالوا يصدقونه.. مثلما صدقوا مكماهون..

وبعد ان فرض علينا ان ندافع عن الأشياء التي صنعوها لنا في الماضي.. والحدود التي رسموها لنا.. والشخصية غير الكاملة.. ها نحن يفرض علينا ان ندافع سلفا عما يعده لنا بوش.. هذه الأيام.. وها هم أصدقاؤه بيننا يقولون.. «إحنا مالنا».. وعلينا ان نحمي انفسنا واقاليمنا.. حتى إذا قسموها.. نضع لها حراسا يحافظون على اقسامها الجديدة.. إنها المشاركة في المؤامرة المستمرة على امتنا.. يتوارثونها هم.. ونصمت نحن.. إنها التآمر على الذات الكبيرة وهي الأمة.. لصالح الذات الصغيرة.. وهي كراسي الحكم..

هيا بنا نتعلم من التاريخ.. غير البعيد.. بضع سنوات.. أقل من مجرد قرن واحد.. وهي في تاريخ الشعوب لا تساوي شيئا.