توقد العزائم.. في خير المواسم!!

د. عبد الله فرج الله
farajalla_assabeel@yahoo.com

من حديث المعلى بن الفضل رحمه الله عن حال سلفنا الأولين مع رمضان، قوله: «كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم».

وذكر يحيى بن أبي كثير رحمه الله أنه كان من دعائهم: «اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً».

ويعقب ابن رجب الحنبلي رحمه الله على هذا بقوله: «بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، من رحم في رمضان فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم».

أتى رمضان مزرعة العبــاد ... لتطهير القلوب من الفســاد
فـأد حـقــوقـه قـولاً وفعــلاً ... وزادك فـاتـخــــذه للمـعــــاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادماً يـــوم الحصـاد

هذا هو شأن الأولين رحمهم الله مع هذا الشهر العظيم، فما هو شأننا؟! وهذه هي عاطفتهم نحوه، فما هي عاطفتنا تجاهه؟! هل أعددنا لاستقباله نفوسنا؟ أو هل نظفنا للقائه قلوبنا؟ وهل جددنا سفننا ومراكبنا لخوض غماره، والغوص في أعماقه؟! فأين المشتاقون للقاء؟ وأين الحبيب الذي لوحه طول الغياب؟! نعم أين المشمرون عن ساق الجد والعزيمة؟ أين الذين امتطوا صهوات جيادهم، لخوض مضمار السباق، وميدان العز والفخار، في طاعة العزيز الغفار؟!

واسمع أخي رحمك الله نداء الأولين لك.. بل هاتف الخير في شهر الخير.. وهو يرسل نوره كي يخترق حجب الغفلة.. ويبدد ظلمات البعد و الغيبة «يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة، يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح، من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح:

أناس أعرضوا عنـــا بلا جـــرم ولا معنــى ... أساءوا ظنهم فــينـا فهلا أحــسنوا الظــنا
فإن عادوا لنا عـــدنا وإن خانوا فمـا خنـا ... فإن كانوا قــد استغنوا فإنا عنهـــم أغنــى

كم ينادى: حي على الفلاح.. وأنت خاسر؟! كم تدعى إلى الصلاح.. وأنت على الفساد مثابر:

إذا رمضان أتى مقــبلاً ... فأقبــل فبالخيـــر يستقبل

لعلك تخطــئه قـابـلاً وتأتي بعــذر فلا يقبــــل ثم اسمع قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يبشرك ويهنئك بقدوم هذا الشهر العظيم، ويقول لك: «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم».

قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بشهر رمضان.. ثم يتساءل ابن رجب الحنبلي:

كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟!
كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران ؟!
كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشيطان ؟!
من أين يشبه هذا الزمان زمان ؟!

يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبان
لقـد أظـلـك شهـر الصـوم بعدهــمـا ... فلا تصيـره أيضــاً شهـــر عصـــيـان
واتـل القــرآن وسـبــح فـيه مجـتهداً ... فـإنــه شهـــر تســـبيـح وقـــــــرآن
فاحمل على جسد ترجو النجاة لـه ... فســـوف تضــرم أجســـاد بنيــران
كم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهــل وجـيـــران وأخــوان
أفنـاهـم الموت واستبـقـاك بعــدهم ... حياً فما أقرب القاصــي من الداني
ومـعـجـب بثيـاب العـيـــد يقطـعــهـا ... فأصبحت في غــد أثـواب أكــفـــان
حتى متى يعمر الإنســان مسكنه ... مصـيــر مسكـنـه قـبــــر لإنـســـان

ثم تذكر كم هو فضل الله عليك.. بشهود هذا الشهر العظيم.. فـ«كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر خانه أمله، فصار قبله إلى ظلمة القبر؟ كم من مستقبل يوماً لا يستكمله، ومؤمل غداً لا يدركه، إنكم لو أبصرتم الأجل، ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره ..».

فيا قوم.. هذا خير المواسم.. وموسم الخيرات.. فمن ذا الذي توقدت فيه عزائمه.. وتنبهت أركانه.. واشتد حرصه.. وزاد بذله.. وقوي وصله؟!!

يا معشر السائرين..

«ألا خاطب في هذا الشهر إلى الرحمن.. ألا راغب فيما أعده الله للطائعين في الجنان.. ألا طالب لما أخبر به من النعيم المقيم.. مع أنه ليس الخبر كالعيان؟!!».