بقلم : محمد جمال
عرفة
في أقل من شهرين حقق التيار الاسلامي فوزا يتراوح بين
الكاسح والمتوسط في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أربعة دول عربية واسلامية
هي علي التوالي : باكستان ثم المغرب فالبحرين واخيرا تركيا مما أثار العديد من
التساؤلات هو هذه المصادفة أو الظاهرة العامة أو الانتصار وفق التسميات المختلفة
للمحللين السياسين ، وأصبح السؤال الذي يطرحه الجميع هو : لماذا فاز الاسلاميون ؟!
فقد فاز حزب حزب العدالة
والتنمية الاسلامي بـ 52 مقعدا من مقاعد البرلمان الـ 325 بنسبة حوالي 20% وحل في
المرتبة الثالثة بفارق يعد علي اصابع اليد عن الاحزاب التي تسبقه ، وتبعه فوز ثان
لتحالف الأمل الذي يضم ستة أحزاب اسلامية باكستانية بـ 53 مقعدا من 272 ليحل ايضا
في المركز الثالث ايضا بفوارق بسيطة عن الاحزاب التي تسبقه .
وفي أول انتخابات برلمانية تجري
في البحرين منذ حل البرلمان والغاء الدستور عام 1975 ، فاز المنتمون الي التيار
الاسلامي ايضا بـ 19 مقعد ( 15 سنة و5 شيعة) من أصل 40 مقعد ليسيطروا علي نصف
مقاعد البرلمان تقريبا ، وجاءت انتخابات تركيا لتكسر كل الحواجز والتوقعات ويكتسح
الحزب الاسلامي (العدالة والتنمية) الذي تأسس منذ عام ونصف فقط كل الاحزاب القديمة
والجديدة ويفوز بثلثي مقاعد البرلمان وحده ( 363 من 550) ويشكل حكومة منفردا لأول
مرة في تركيا (بلد الائتلافات الانتخابية ) منذ سنوات عديدة .
الملاحظات الجوهرية
التي يجب رصدها هنا تتلخص فيما يلي :
1-
أن التيار الاسلامي في البلدان
الاربعة تميز بعقلانية شديدة ولم يرفع شعارات عنترية مثلما فعل اسلاميون اخرون في
السبعينات والثمانينات ( حالة الانقاذ في الجزائر مثلا) ، وانما تحرك مستندا الي
مطالب الجماهير العادية والتأكيد أن حلها متصل بالواقع الاسلامي للمجتمعات العربية
والاسلامية وليس من الخارج .
2- أن هذه الاحزاب الاسلامية الفائزة أختارت اللعب علي وتر الاقتصاد والاحوال
الاجتماعية في بلادها وعلي راسها قضيتي الفقر والفساد الأقتصادي / السياسي /
الاجتماعي ، حتي أن اثنين من هذه الاحزاب أختار لنفسه من البداية أسما متصل بهذه
القضايا بنفس الأسم في تركيا والمغرب (العدالة والتنمية) حيث تشير الكلمة الأولي
الي الدور الاجتماعي للحزب وتشير الثانية للدور الأقتصادي ، فيما اختار التحالف
الباكستاني اسم (تحالف الأمل).
3- يتصل بالنقطة السابقة تركيز برامج هذه الاحزاب علي محاربة الفقر والفساد مع
ملاحظة أن الدول الأربعة التي جرت فيها الانتخابات يدور فيها جدل شديد منذ
سنوات حول انتشار الفساد بكل انواعه:
أ- ففي باكستان رفع الاسلاميون شعار
محاربة الفساد والفقر بسبب استمرار حالة الفقر والبطالة الحادة وعدم تحقيق
حكومة مشرف أي تقدم فيها رغم المساعدات الأمريكية ، وركزت دعاياتهم علي رفع شعارات
إيجابية بشأن تحسين أحوال الفقراء والأحوال الاقتصادية .
ب-
وفي المغرب كان الشعار الاساسي لحملة الاسلاميين
الانتخابية هو توفير وظائف للعاطلين حتي أن عبد الإله بن كيران أحد
الأعضاء المؤسسين للحزب الإسلامي قال: "نريد أن نوفر وظائف لملايين من
العاطلين".
ولهذا قال محللون مغاربة وحتى أعضاء في الحزب الإسلامي الفائز بأن التصويت
للإسلاميين في المغرب ربما كان "تصويتا احتجاجيا" على التشكيلات
السياسية التقليدية (سيطرة الاشتراكيين القريبين من الملك)، وتعبيرًا عن ضيق
اجتماعي عميق بسبب الفقر والبطالة وظروف السكن الرديئة لشريحة كبيرة من السكان. وهذا
ما عاد نائب رئيس الحزب الدكتور سعد الدين العثماني ليؤكده بقوله: "إن
المواطنين لم يصوتوا على حزب العدالة والتنمية بهذا الشكل من أجل نشر الإسلام،
ولكن من أجل إيجاد الحلول لمشاكل التشغيل والبطالة واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية
وزرع الثقة المطلوبة في البلاد والدفع بكل وسائل التنمية إلى الأمام
ت-
وفي البحرين كان التركيز في الدعاية الانتخابية –خصوصا
للمرشحين الشيعة- علي التوجه بجدية لمعالجة القضايا الوطنية الملحة مثل البطالة والاسكان
ومحاربة الفساد المالي والاداري والاخلاقي لكي تنصب الجهود على توفير البيئة
المناسبة لتطوير اقتصاد البلاد وجلب الاستثمارات وبالتالي العمل على حلحلة
المشكلات المزمنة التي تعاني منها قطاعات كبيرة من المحرومين تعيش دون خط الفقر،
وتكافح للحصول على مسكن لائق وعمل شريف وتعليم لابنائها ورعاية صحية لعوائلها .
ث-
وفي تركيا لم يرفع الاسلاميون شعارات السعي لاصلاح الاقتصاد وتحسين الظروف
الاقتصادية فقط ، ولكنهم تحدثوا عن برنامج شامل لمحاربة الفقر والفساد معا علي
اعتبار ان الثاني هو عنوان الأول . حيث رفعوا شعار التخلص
من الائتلاف الحكومي السابق "الفاسد سياسيا والفاشل اقتصاديا" والحد من زيادة
نسبة البطالة التي وصلت لأرقام مخيفة (مليون عاطل العام الماضي فقط !) وزيادة ديون
تركيا الخارجية .
4- أن غالبية هذه الاحزاب سعت لدفع تهمة التطرف عنها في ظل القلق العالمي الذي
افرزته هجمات 11 سبتمبر وحرب الارهاب الأمريكية وشددت علي أن هدفها ليس تطبيق
الشريعة مباشرة ولكن تطبيق قيم عامة هي في الأصل قيم اسلامية مثل العدالة والحرية
والديمقراطية وحقوق الانسان والتوزيع العادل للثروة .
- فالباكستانيين رغم حرصهم علي تأكيد أن احد
اهدافهم الانتخابية المرفوعة كانت (فض التحالف الباكستاني العسكري مع أمريكا )
،فقد حرصوا بشكل اكبر علي تاكيد أنهم ليسوا مثل طالبان وحرص (قاضي حسين) أمير حزب الجماعة الاسلامية الباكستاني
في حوار مع صحيفة
باكستانية نشره موقع التحالف الاسلامي ( MMA)
علي الأنترنيتhttp://www.mma.org.pk/) ،علي
تأكيد أن التحالف الاسلامي (ليس نسخة) من حركة طالبان بقوله :“We are not
Taliban’s reincarnation…” . بل وسعي
الاسلاميون لتصحيح الصورة التي يرسمها الغرب لهم، والتأكيده أن الأحزاب السياسية الاسلامية
لا تناهض الغرب عموما ولن تتخذ بالتالي سياسات مناهضة للغرب ،بل وستقيم علاقات
ودية مع القوى الأجنبية . والمح أن قاضي حسين – في لقاء مع وكالة الأنباء الفرنسية-
إلى إن معارضة التحالف لوجود القوات الأمريكية قابل للتفاوض بقوله : "سنظهر
مرونة وسنتخذ جميع الخطوات التي تتفق مع المصالح القومية."
- أما المغاربة فشددوا علي أن هدفهم
هو تطبيق الشريعة بالتدريج وسارع عبد الإله بن كيران أحد الأعضاء المؤسسين
للحزب الإسلامي بنفي التقارير التي وردت في وسائل إعلام أجنبية بأن حزبه سيضغط من
أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، وشدد في تصريحات لوكالة رويتر على أن الحزب يفضل
"التطبيق التدريجي" للشريعة على مظاهر الحياة اليومية مثل حظر المشروبات
الروحية ونوادي القمار واليانصيب.
- وكانت الحالة في تركيا أكثر وضوحا بسبب
الطبيعة العلمانية للدولة وطبيعة العلاقة بين التيار الاسلامي والجيش ، حيث شدد
رئيس الحزب الطيب اردوجان علي تأكيد أن حزبه ليس اسلاميا ولكنه محافظ وعلي القول : "نحن حزب علماني معتدل، لا يحارب الدين" ، ما يعتبر
رسالة ذكية للجيش وأنصار الأتاتوركية بأن العلمانية ليس معناها محاربة الدين أيضا .
5- وهناك
ملاحظة أخري خاصة بالعلاقة مع الجيش في هذه البلدان الأربعة ، حيث يحكم دولتان من
الاربعة الجيش (تركيا وباكستان) فيما تعتبر الدولتان الاخريان من المقربين لأمريكا
وتعطيان تسهيلات عسكرية لأمريكا .
6- أن قسم من
هذه الاحزاب الاسلامية الفائزة لم يتحدث مباشرة عن سعيه الي الحكم ، بل وفضل بعضها
الاعلان علنا (المغرب) انهم غير جاهزين لهذا ويفضلون التريث لمزيد من ثًقل كوادرهم
.وكان هذا واضحا في قول مصطفى الرميد رئيس الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية
أن حزبه لا يرغب في الحصول على المرتبة الأولى أو أن يشكل هو الحكومة قائلا:
"نرفض أن نكون الأوائل في هذه المرحلة، ونرفض أن نكون من يتحمل المسؤولية
الأولى في هذا الظرف"، مرجعًا ذلك إلى أن الوضع الداخلي والموقف الخارجي
لا يسمح بذلك في هذه المرحلة.
7- وتأتي
الملاحظة الأخيرة والجوهرية وهي أن الاسلامييين الذين شاركوا ليسوا هم كل
الاسلاميين في كل البلدان الأربعة ، ففي باكستان شاركت العديد من القوي تحت أسم
(اسلامي) ، وفي المغرب رفض الفصيل الاسلامي الكبير (جماعة العدل والاحسان)
المشاركة في الانتخابات ، وفي تركيا شارك أحزاب اسلامية أخري من أنصار رئيس
الوزراء السابق نجم الدين أربكان في الانتخابات ، وحتي البحرين شهدت مقاطعة
للانتخابات من أربع جمعيات سياسية منها جمعيتين اسلاميتين هما: جمعية الوفاق الوطني الإسلامية التي تعبر عن التيار السياسي الرئيسي وسط
الشيعة، والعمل الإسلامي - شيعية قيد التأسيس احتجاجا على تعديل أدخل على دستور
1973 يقضي بسلطات تشريعية متساوية للمجلس المنتخب ومجلس آخر يتولى ملك البحرين
الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة تعيين أعضاءه .
لماذا فازوا
؟!
ويبقي السؤال : لماذا
فاز الاسلاميون ؟! .. هنا نشير الي اربعة اسباب – مرتبطة بالملاحظات السابقة-
تتردد علي ألسنة المحليين وهي :
وهذا السبب تردده غالبا الأوساط الغربية التي تعتبر أن النشاط الاسلامي
الزائد في البلدان العربية والاسلامية ما هو سوي رد فعل احتجاجي علي حملة الارهاب
الأمريكية التي تطال المسلمين والدول الاسلامية وتشبه حربا صليبية جديدة ، وفي هذا
الاطار لفتت الصحافة الغربية الصادرة 5 نوفمبر (لوموند – ليبراسيون – فايننشيال
تايمز دوتشلاند) الأنظار الى ان فوز حزب العدالة والتنمية الاسلامي في الانتخابات
التركية يشكل تحديا كبيرا بشان قدرته علي اثبات امكانية التوفيق بين الديمقراطية
والاسلام كما انه يشكل تحديا للاتحاد الاوروبي. واكدت صحيفة "لوموند" انه
تقع على عاتق الحزب الاسلامي "مسؤولية اظهار توافق الاسلام مع الديمقراطية …
وكيفية التكييف بين الاسلام والحداثة ".
ولكن محللون عرب يعتبرون أنه احد الاسباب التي تدفع الناخبين
لانتخاب الاسلاميين كون الغرب اختار ميدان المعركة (دينيا) وتحدث بوش واركان حكمه
عن حرب صليبية ، فلماذا لا يختار العرب والمسلمون من يفهم هذه اللغة ليدير المعركة
بكفاءة أكبر!؟ .
وهذا السبب مرتبط نسبيا بالسبب الاول ، ويعبر عن احتجاج شعبي
تجاه أمر خارجي يتعلق بتزايد تغلغل النفوذ الغربي (الأمريكي تحديدا) في الأوساط
السياسية العربية الحاكمة وهو ما يظهر بوضوح في باكستان والبحرين وتركيا التي
تستضيف القواعد الأمريكية .
وقد زادت حالة العجز الرسمي العربي تجاه ما يحدث في فلسطين
وما يُعد للعراق من هذا التيار الاحتجاجي الشعبي العربي – وفق هذا التحليل – فكان
من الطبيعي أن يصوت الناخبون بقوة للتخلص من الحكومات التقليدية وإخراجها بعنف ليس
من السلطة ولكن من الحياة السياسية النيابية ككل ( أحزاب الائتلاف الحاكم التركي
لم تحصل علي مقعد واحد في البرلمان والاحزاب الاباكستانية التلقليدية تقهقرت بشكل
غير مسبوق ، وبعض احزاب الائتلاف المغربي الحاكم السابق تعرضت لهزيمة منكرة مثل
الاتحاد الدستوري الذي خسر 34 مقعدا دفعة واحدة !) .
والملفت هنا أن نسبة كبيرة من الناخبين في بعض هذه الدول
كانت تدرك أن تصويتها لصالح الاسلاميين لن يأتي بجديد أو تغيير حقيقي ، ففي المغرب
كان التعليق الأساسي الذي أدلى به أكثر من سياسي في الأحزاب المغربية تعقيبًا على
نتائج أول انتخابات تجري في عهد الملك الجديد (محمد السادس) وحلول حزب العدالة
والتنمية الإسلامي في المركز الثالث هو: "حتى لو فاز الحزب بكل المقاعد فلن
يكون له أي تأثير على الحياة السياسية في البلاد!".
وسبب هذا التعليق المتشائم -رغم حالة التفاؤل العامة لإجراء انتخابات تتسم بقدر من
النزاهة النسبية– أن الدستور المغربي ما زال يعطي الملك حقوقًا أكبر من الحكومات،
بل ويعطيه حق تعيين رئيس الوزراء وأربعة من أهم الوزراء في الحكومة؛ ما يعني أنه
يحكم ويملك معًا، ويتحكم في أي حكومة حتى لو شكلها الإسلاميون !.
والأمر نفسه قيل في تركيا رغم اكتساح الاسلاميين بسبب سطوة
الجيش التركي للحد الذي دفع الاسلاميين انفسهم لتغيير لقبهم الي (يمين محافظ
علماني) بل (اسلامي) لأن هذا يغضب الجيش (!) ، ناهيك بالطبع عما ترتب علي هذا من
تدني نسبة التصويت في الأنتخابات عموما استنادا الي حالة من التشاؤم وعدم توقع
تغيير .
ولكن أن هذا ليس السبب الحقيقي لاختيار الناخبين
للتيار الإسلامي رغم أنه ساعد في زيادة أصوات الحزب الإسلامي ، حيث أن أحد أهداف
غالبية هذه الأحزاب منذ تأسيسها رفع شعارات الحريات والقضاء علي الفساد وتحسين
الأحوال الاقتصادية عموما ، ورجب اردوجان رئيس حزب العدالة التركي الفائز معروف
منذ حكومة اربكان في منتصف التسعينات بأنه كان رئيس بلدية استنبول وأشتهر بأنه
الرجل الذي قاد حملة تنظيف استنبول وحسن ظروف المرافق الصحية فيها ، كما أنه مشهور
بأنه الرجل الذي طهر المدينة من الفساد وحتى من بيوت الدعارة بفضل خططه في تنفيذ
فكرة توفير عمل شريف للعاهرات يغنيهن عن بيع أعراضهن .
وكان اخيار الناخبين له دافعه
الرئيسي ان ينظف لهم تركيا كلها من الفساد كما فعل مع استنبول وأن يطبق برامج
اقتصادية جيده تعيد الازدهار الاقتصادي لتركيا ، وهو بالمناسبة شعار رفعه هو أيضا
في الانتخابات بل وأكد عليه .
وهذا السبب
تحديدا لا يمكن إغفاله ، واشار اليه بعض قادة هذه الاحزاب الاسلامية الفائزة ، بل
واعتبره قادة حزب العدالة والتنمية المغربي أحد اسباب عدم رغبته في التسرع بالحكم
وتفضيل البقاء في مقاعد المعارضة لمزيد من ثقل الخبرات والكوادر .
فليس سرا
أن قادة العدالة والتنمية التركي عركتهم الحياة السياسية ونالوا خبرات طويلة منذ
عودة الديمقراطية والتعددية للبلاد عام 1983 وما قبلها عبر زعيمهم اربكان الذي دخل
الحياة السايسية منذ الستينات ، وقد خاضوا من قبل ثلاثة انتخابات تركية فازوا في
بعضها وخسروا الأخري وفي كل مرة كان خطابهم السياسي يتحسن ويتعلم من تجارب الماضي
.
وكدليل
نلاحظ أن اردوجان حرص علي تأكيد أنه لن يصطدم بالجيش كما فعل اربكان في 28 فبراير
1997 ، كما أنه شدد علي الطبيعة العلمانية لحزبه (وليس الاسلامية) ، وهو نفس ما
فعله الاسلاميون المغاربة الذين شددوا علي أنهم مع الدستور المغربي ،
والباكستانيين الذين تحدثوا عن قبول التعايش مع الوجود الغربي علي أرضهم !.
ولا يعني
هذا تنازلات بقدر ما يمكن أن نطلق عليه (فهم صحيح للعبة السياسية) وإدارة العلاقات
الدولية وفق المضامين الدولية السائدة ، فاردوجان عندما قال انه سينفذ برنامج
صندوق النقد الدولي اشترط ان يرتبط هذا بمصلحة تركيا ، وعندما قال انه علماني ربط
هذا بأن العلمانية لا تحارب الدين ، وقادة باكستان عندما أعلنوا التعايش مع
الغربيين في بلاهم (كنوع من التعاون الأمني بين الدول) أكدوا رفضهم الوجود الأجنبي
العسكري علي أرضهم .
ولكن
السؤال بعد كل هذا هو : الي أي حد واي مدي سوف يتمكن الاسلاميون من التكيف مع
الواقع الجديد عقب فوزهم ؟! ..وكيف سيكون حال العلاقة بينهم وبين الجيوش الموالية
للغرب في بعض الدول أو الجيوش التي لا تزال تعيش فكر كهوف الماضي كالاتاتوركية
التي يحميها الجيش التركي ؟! .
بعبارة
أخري : هل تراهن هذه القوي الاسلامية علي تغيير تدريجي مع الزمن .. وهل تنجح في
هذا ؟ أم أن مصالح القوي الحاكمة خاصة المرتبطة منها بالنفوذ الخارجي المتعاظم
ستقف لها بالمرصاد ؟ وما هو المستقبل في هذه الحالة ؟.
الجيش
التركي
"يحترم" ارادة الشعب في الانتخابات انقرة 5-11 (اف ب)- قال رئيس
هيئة اركان الجيش التركي الجنرال حلمي اوزكوك اليوم الثلاثاء انه
يحترم "ارادة" الشعب الذي منح الفوز في الانتخابات التشريعية
الاحد في تركيا الى حزب اسلامي معتدل. وفي تصريح اوردته وكالة انباء الاناضول في نبأ
من واشنطن التي يزورها رئيس الاركان التركي قال اوزكوك ان "النتائح تعكس ارادة
الشعب وانا احترمها". واضاف ان "الانتخابات جرت طبقا للقواعد
الديموقراطية
يتصور الكثيرون أن العنصر الرئيسي في فوز
الإسلاميين هو رغبة الجماهير التركية في التغيير والتخلص من الائتلاف الحكومي
السابق الفاسد سياسيا والفاشل اقتصاديا لحد زيادة نسبة البطالة لأرقام مخيفة
(مليون عاطل العام الماضي فقط !) وزيادة ديون تركيا الخارجية ، والحقيقة أن هذا
ليس السبب الحقيقي رغم أنه ساعد في زيادة أصوات الحزب الإسلامي .
فرجب اردوجان معروف منذ حكومة
اربكان في التسعينات بأنه كان رئيس بلدية استنبول وأشتهر بأنه الرجل الذي قاد حملة
تنظيف استنبول وحسن ظروف المرافق الصحية فيها ، كما أنه مشهور بأنه الرجل الذي طهر
المدينة من الفساد وحتى من بيوت الدعارة بفضل خططه في تنفيذ فكرة توفير عمل شريف
للعاهرات يغنيهن عن بيع أعراضهن .
ولذلك بمجرد أن شكل حزب العدالة
والتنمية منذ عام ونصف فقط أظهرت استطلاعات الراي أن حزبه سيكون الأول في النتائج
!
وكان اخيار الناخبين له دافعه
الرئيسي ان ينظف لهم تركيا كلها من الفساد كما فعل مع استنبول وأن يطبق برامج
اقتصادية جيده تعيد الازدهار الاقتصادي لتركيا ، وهو بالمناسبة شعار رفعه هو أيضا
في الانتخابات بل وأكد عليه .
حيث أكد أردوجان ان حزبه سيسعى
لتنفيذ برنامج اقتصادي يهدف للقضاء علي الفساد وتحسين الاقتصاد ، وأكد ان
"مكافحة الفساد والفقر" سيشكلان الهدف الرئيسي للحكومة التي سيشكلها
حزبه. وقال: "إن الحكومة الجديدة ستعمل على حل المشاكل الاقتصادية" .
ولم يشأ الدخول في معارك مع أحد
( أوروبا) بتأكيده أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي ابرم مع صندوق النقد الدولي
لاخراج البلاد من أسوأ أزمة انكماش تشهدها البلاد، سيستمر ، ولكنه شدد هنا علي شرط
أن يكون البرنامج لصالح "حماية المصالح الوطنية" .
ورغم فوز الحزب الإسلامي فمن
المتوقع أن يخلق له العلمانيون وقادة الجيش المزيد من المشاكل بهدف منع سيطرة
الإسلاميين علي الساحة أو تغيير القوانين الاتاتوركية العلمانية ، وهو ما يمكن
القول أن خبرة الإسلاميين السابقة في السلطة ستسمح لهم بالتعامل مع هذه المؤامرات
بشكل افضل.
فقد لوحظ أن اردوجان حرص مثلا
علي التأكيد – فور فوز حزبه- علي القول "نحن حزب علماني معتدل، لا يحارب
الدين" ، ما يعتبر رسالة ذكية للجيش وأنصار الأتاتوركية بأن العلمانية ليس
معناها محاربة الدين .
كما حرص علي توجيه رسالة ضمنية
للجيش كي لا يسعي لضرب حكومته يلفت فيها الأنظار إلى احتياج تركيا إلى الهدوء،
وعدم إلحاق الضرر بالأمن والاستقرار الذي يعيشه الشعب، مذكرا بقول زعيمهم مصطفى
كمال أتاتورك نفسه : "يجب أن يعيش الشعب في أمن واستقرار" !.
وبالطبع لم يمنع هذا قادة الجيش
وأجهزة الدولة العلمانية من القلق ، فاردوجان معروف بأنه متدين ومتخرج من إحدى
مدارس الفقهاء ، وزوجته وابنته محجبتان . وقد سجن لمدة اربعة اشهر سنة 1999 لانه
قرأ أبيات من قصيدة تركية خلال تجمع سياسي تقول كلماتها "المآذن حرابنا
والقباب خوذاتنا والمساجد ثكناتنا" !!.
بل أن بعض المتشائمين بدأ الحديث
عن توقع انقلاب عسكري رابع في تركيا ضد الحزب الإسلامي بعدما أطاحت انقلابات
عسكرية بثلاث حكومات تركية منذ 1960 كما أدت الضغوط التي مارسها الجيش الى إسقاط
أول حكومة إسلامية ( ائتلافية) في البلاد في 1997.
ومن الواضح أن الإسلاميين سوف
يلعبون علي وتر الوحدة مع أوروبا علي اعتبار ان هذا مطلب شعبي أولا ، كما أنه
سيضطر العسكريين لتوفير الحد الأدنى من الديمقراطية التي تسمح للإسلاميين بالعمل ،
ولهذا ركزوا علي تأكيد أنهم مع انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي .
اذا أن هذا الانضمام يضطر تركيا
لاتخاذا خطوات تشريعية تمنع مثلا حل الأحزاب بما يكبل يد الجيش والعلمانيين تجاه
حزب العدالة ، كما أن حاجة تركيا للاستقرار سوف تدفع اوروبا للمساعدة في كبح جماح
تطرف المؤسسة العسكرية في اتخذا اجراءات استثنائية تتعارض مع الديمقراطية .
وما بين فوز الاسلاميين وضمانة
الاتحاد الاوربي يقف العسكريون في ورطة أو (حيص بيص) كما يقول المثل الشعبي !
مأزق الأمريكان والصهاينة
وربما كان أكثر المتضررين في الخارج من فوز
الإسلاميين هما أمريكا وإسرائيل ، فالأولي تخشي أن يعرقل الحزب الإسلامي حربها ضد
العراق ، والثانية تخشي تاثير وصول الحزب الإسلامي علي المصالح العسكرية المشتركة
بين الطرفين .
فقد أعلن حزب العدالة والتنمية
الإسلامي عقب فوزه انه يعارض أي عمل عسكري أميركي ضد العراق. وقال عبد الله غول،
نائب رئيس الحزب ورئيس الوزراء المنتظر : "لا نريد وقوع حرب في العراق".
وأضاف لشبكة التلفزيون العامة تي ار تي "سنقوم بكل ما يمكننا القيام به
لتحاشي نشوب حرب ستجر تركيا إليها". ولم ينس جول أن يذكر الأتراك بأن هذا
لصالح تركيا مشددا علي أنه "سوف نتصرف طبقا لمصالح تركيا" حيث تكبدت
تركيا خسائر اقتصادية كبيرة قدرت بحوالي 40 مليار دولار بعد حرب الخليج في 1991.
أما اسرئيل فقد اظهرت مخاوفها من فوز الإسلاميين علي علاقاتها العسكرية
والاقتصادية مع تركيا خصوصا أن تجربة اربكان السابقة كانت سلبية مع الإسرائيليين
حيث جمد الكثير من مشاريع التعاون معهم ، كما أحيا أيام معينة للقدس خرج فيها
أنصاره بالآلاف يهتفون ضد العنصرية الصهيونية وقمع الفلسطينيين .
وهنا نشير إلى أن الجمعية
التركية لرجال الأعمال والصناعيين – أحد أكبر جماعات الضغط التركية – قد أعطت دفعة للحزب الإسلامي بإعلانها مساندة خططه
لمواصلة البرنامج الاقتصادي لاخراج تركيا من أسوأ ركود تشهده. حيث أكدت الجمعية في
بيان ان "برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي ابرم مع صندوق النقد الدولي يجب ان
يتواصل". وان لم تنس أن تذكر الحزب الإسلامي باحترام "المبادئ
الأساسية" للنظام، في إشارة إلى الطابع العلماني للدولة التركية.
ويبقي السؤال الذي يجب علي
الجميع أن يسأله وهو : لماذا يفوز الإسلاميون في الانتخابات ؟ ولماذا في أقل من
نصف عام فاز الإسلاميون في تركيا والبحرين وباكستان والمغرب ؟!
وهل لذلك علاقة بالحملة
الأمريكية ضد الاسلام أم أن خبرة الاسلاميين في هذه الدول وثقلهم بالتجارب
المختلفة جعلهم يدركون اخطائهم السابقة ويجودوا في الانتخابات الأخيرة ؟