حينما شعر المواطنون الأمريكان أن المرشحين
من كلا الحزبين في الانتخابات الأمريكية الأخيرة لا يفترقون عن بعضهم جوهريا في
القضايا الأساسية، وأنهم عموما، مرتهنين للشركات الأمريكية الكبرى، فضلوا الراحة
في منازلهم أو الاستجمام خارجها على الذهاب إلى صناديق الانتخابات. ولذلك كانت
نسبة من أدلوا بأصواتهم لا تتجاوز الثلث ممن يحق لهم الاقتراع، بينما استنكف الثلثان
عن المشاركة. فالامتناع عن المشاركة لم يكن في جوهره نزوع إلى اللامبالاة، كما
تحاول بعض أجهزة الإعلام تفسيرها، بل كان الامتناع بحد ذاته مشاركة في التصويت.
فلم يقل ثلثا الأمريكان لبعضهم دعونا نصوت لأفضل المرشحين، أو على الطريقة
العربية، لأقلهم سوءا. إذ لو فعلوا ذلك، لما كسبوا شيئا ذا قيمة في قضاياهم
الأساسية، ولأعطوا ثمنا باهظا لها، وهو إضفاء الشرعية والمصداقية لمزاعم الاختلاف
بين الحزبين. لكن الجمهور الأمريكي كان أكثر ذكاء وعقلانية.
لكن بعض العرب لهم عقلانية أخرى، ولهم مذهب
مختلف في فهم الأمور وإدراكها. فلسنين طويلة كان البعض من الصفوة الفلسطينية يوهم
نفسه ومعه آخرين أنه يستطيع أن يؤثر على الانتخابات الإسرائيلية، ويرسل إشارات أو
بالأحرى تنازلات كي يؤثر على الرأي العام الإسرائيلي كي يدلي بصوته لظل دون آخر من
ظلال اللون الإسرائيلي. وفي هذا التصور أغلوطاتان. أولاها، التوهم بأن تنازلات أو
إشارات ود يمكن أن تقرر مجرى الانتخابات العامة الإسرائيلية. ففي هذا عزل
للإسرائيليين عن المشروع الصهيوني، كأنهم ليسوا عموما جزءا منه أو من الموالين له.
وفيه سذاجة سياسية تفترض أن ممارسات شكلية وطقوس متوددة وشعارات عامة ممن يرى أنه
عدو يمكن أن تثني الإسرائيليين عما يرون ويعتقدون. وقد أصبحت هذه المراهنة البائسة
مدخلا لليسار الإسرائيلي واليسار الأوروبي ليطالب الفلسطينيين خصوصا خلال
الانتخابات الإسرائيلية بالتعبير عن حسن النوايا بأشكال من التنازلات من تراكمها
أصبحت جوهرية. وكأن طريق النوايا الحسنة ذو ممر واحد.
أما ثانيها، فالتوهم الأعظم بوجود الفوارق
الجوهرية بين الأطراف الإسرائيلية الأساسية في شأن التسوية السياسية. والقضية
الفلسطينية لدى عموم الفلسطينيين ليست إلا قضية عودة اللاجئين. وكلنا نعرف موقف الأحزاب الإسرائيلية المعتدلة والمتطرفة
منها. وحتى لو اختزلنا القضية الفلسطينية في ما يريده البعض، الدولة الفلسطينية
مقابل حق العودة، فليس هناك من فروق جوهرية بين الطرفين الأساسيين داخل إسرائيل.
فما يطلق عليه " بالجبنة السويسرية" هي من صنع اليسار الإسرائيلي، من
خلال القضم والضم وبناء المستوطنات. ولقد عانت القيادة الفلسطينية على يد باراك
المخملية أكثر مما عانت على يد نتانياهو
الحديدية من قبله. أما ما عانت منه بعدهما فقد كانت من اليدين كلاهما.
ولم تبدأ الأحزاب الإسرائيلية حملتها
الانتخابية بعد، لكن الحزب العربي يريد أن يبدأها. فالأهرام ترى فرصة للسلام في
الانتخابات الإسرائيلية. لكنها على ما يبدو لا تتوقف على الأطراف الإسرائيلية، بل
تتوقف على الطرف الفلسطيني. إذ أنها ترى " أن أمام الفلسطينيين فرصة جيدة لكي
يمكنهم التأثير على اتجاهات الناخبين في إسرائيل". وتحقيق ذلك يتم بأمرين على
وجه التحديد. الأول، يتحقق " بوقف العمليات الفدائية". وفي هذا مشكلة لا
أعرف كيف يمكن حلها. فلو استمرت العمليات الفدائية فمن المحتمل أن يستخدمها اليمين
الإسرائيلي في الانتخابات. وإن توقفت فالاحتمال أكبر أن يستخدمها الائتلاف اليميني
للإدعاء بأن سياسة القبضة الحديدية قد أعطت أكلها، وبالتالي على الإسرائيليين أن
يجددوا البيعة بل أن يعظموها حتى يصلوا بالنتائج إلى غاياتها القصوى. ويمكن للمرء
أن يحاجج أن الاحتمال الأول أي
استمرار العمليات الفدائية أقوى في التأثير على الانتخابات ضد اليمين. إذ أن
استمرارها قد يعطي دليلا لليسار كي يبرهن للإسرائيليين على عقم سياسة اليمين.
بينما توقفها قد يستخدمها اليمين للتدليل على فعالية سياساته. هذه معضلة، هل فكر
كاتب المقال بذلك؟
الأمر الثاني، يقول بضرورة أن " تقوم
القيادة الفلسطينية في تنفيذ خطط تتعلق بالتعريف بالقضايا الفلسطينية المختلفة بشكل
مقبول لدى الشعب الإسرائيلي". لكن ماذا تستطيع أن تفعل مع اليسار الإسرائيلي
غير تقديم التنازلات التي يطلبها الإسرائيليون. ولو قبلنا افتراضا بأنه لا بد من
إعطاء التنازلات، فهل يا ترى تعطى في نطاق المفاوضات أم يجري التبرع بها حتى يتمكن
اليسار الإسرائيلي من الوصول إلى السلطة. هل أصبحت الغاية العربية تمكين اليسار
الإسرائيلي من الوصول إلى السلطة؟ لكن السؤال الأخطر ما بقي لدى الفلسطينيين
ليتنازلوا عنه؟ هل أن يخرج عرفات ليقول للإسرائيليين أن المطالبة بحق العودة فكرة
سخيفة! أم ليقول لهم لن يضايقنا إن منحنا جزرا عديدة نسميها دولة ونرفع عليها
علما! أم ليقول لهم لقد كنا مخطئين حينما ظننا أن القدس لنا، ولكن نرجوكم السماح
لنا بالصلاة في المسجد!
لكن الأدهى والأمر أن يقاس نجاح السلطة
الفلسطينية بقدرتها على تحقيق النجاح لأحزاب اليسار " التي تؤيد السلام
والتعايش مع الشعب الفلسطيني". ولا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تحقق ذلك إلا
بأحد شكلين، إما أن تبدأ بذبح كل من يرفع السلاح بوجه إسرائيل، أو تعلن قبولها في
بيان انتخابي، على الأقل، بعرض باراك. لكن الأغرب التمييز الضخم لليسار عن اليمين
في قضية الحل النهائي. حقا إنها السخرية أن يختزل الصراع العربي الإسرائيلي في
قدرة القيادة الفلسطينية على إيصال اليسار الإسرائيلي إلى الحكم. ولكنه ليس من
عجب، فالعجز يميت العقل قبل الجسد.