نستطيع أن نهزم أمريكا

 

 

بقلم : : محمد السخاوي

mohamedelskhawy@ hotmail.com

 

 

أكتب هذا المقال عن إمكانية هزيمة أمريكا ,بل ضرورة إيقاع الهزيمة السياسية والعسكرية بها حتى نخلص أنفسنا والعالم من عوامل الشر, ولكن قبل الدخول في موضوع المقال , وجدت أنه من الضروري أن الفت نظر القارئ إلى حدثين مهمين ,الأول هو" الهوجة " الإعلامية والسياسية الأمريكية الصهيونية حول مسلسل " فارس بلا جواد" الذي سيعرضه التلفزيون المصري وعدد من تلفزيونات الدول العربية خلال شهر رمضان المبارك , والثاني هو " هوجة "انهيار حكومة الوحدة الوطنية بقيادة السفاح شارون في الكيان الصهيوني, كلام كثير ,قال الباحثون السياسيون في الحدثين, فالحدث الأول يدل على انحياز أمريكا للكيان الصهيوني وعنصريتها تجاه العرب و المسلمين, فإسرائيل عند أمريكا ,لها الحق أن تنشر في عشرات بل مئات الكتب وآلاف الصفحات ما تشاء, في وصف العرب بأوصاف عنصريه منحطة ,ولان أمريكا دوله عنصريه, فهي تقر ذلك و تشجعه, أما العرب إذا ردوا بموضعيه على العدوانية الصهيونية ,فهم عند أمريكا عنصريون ضد السامية ,أي أن أمريكا تطلب من العرب أن يهيئوا أنفسهم دائما لتلقى الضرب بالأحذية الصهيونية فوق رؤوسهم, وان يتقبلوا بصدر رحب وروح رياضية وصف الصهيونية لهم بأنهم نوع رديء من الديدان يجب حرقهم,فالعرب في الثقافة الأمريكية يرتكبون جريمة في حق أنفسهم وحق أمريكا والصهيونية إذا ما اعتبروا أنفسهم بشر يتساوون مع غيرهم من البشر في الحقوق والواجبات ,وعلى وجه الخصوص إ      ذا كان هؤلاء البشر هم الأمريكان واليهود,أما الحدث الثاني – انهيار حكومة الوحدة الوطنية الإسرائيلية – فقد ركز الباحثون والمحللون وبشكل إجمالي على نقطتين ,الأولى أن هذا الانهيار يبين بوضوح ما أحدثته الانتفاضة الباسلة من تفكك وتحلل داخل المجتمع الصهيوني , والثانية هي أن الكاسب الرئيسي من انهيار الحكومة الإسرائليه و الدعوة المبكرة للانتخابات هو شارون واليمين الإسرائيلي.

ومع الأخذ فى الاعتبار كل ما قال له الباحثون والمحللون في الحدثين ,فأنني أعتقد أن الأهم الذي يجب أن يؤخذ هو الأخر في الاعتبار , هو أن الحدثين تم افتعالهما وصياغتهما إعلاميا للتغطيه  وإبعاد الأنظار عن : (1) ضرب العراق .(2) مزيد من الإبادة والتدمير الصهيوني في فلسطين .

(3) الأحداث الخطيرة التى تحدث الآن في السودان والتى تتمثل في صعود  جارانج واللوبي الأمريكي الصهيوني في السودان إلي قمه السلطة في الدولة السودانية  وهو ما يشكل خطراً بالغا على وحدة السودان وهويته وخطراً مباشراً على الأمن المصري , وعلينا أن نرى الأخطار التى ستحيط بنا في مصر من الحصار الإسرائيلي لنا في الشرق وفى الجنوب حيث منابع النيل شريان الحياة المصرية , باختصار, أن الحدثين والعاصفة الاعلاميه التى صاحبتهما يستهدفان فرصه تقييم إعلامي على المعركة الكبرى لتدمير الأمة العربية في الشرق (العراق) و القلب ( فلسطين ) و الجنوب ( السودان ),فهل نحن مستعدون لخوض القتال حفاظاً على وجودنا وكرامتنا؟ أم أننا سننبطح أرضاً كالديدان التى تستحق الحرق والأباده؟ أن أمه العرب,أمة الإسلام دين الحق والعدل والمساواة ,لن تنبطح لأنها تدافع  عن قضيتها العادلة بمشيئة الله وفضله, علينا فقط أن نعد لهم إعداداً صحيحاً ما استطعنا من قوة ومن تماسك قومي مرتكز على شفافية ديمقراطية غير أمريكية / نؤكد غير أمريكية.

 

ونعود إلى السؤال الرئيسي " وهل نستطيع أن نهزم نهزم أمريكا ؟ أو بدقه الحلف الأمريكي البريطاني الصهيوني ؟ " والإجابة ,نعم نستطيع أن نهزم أمريكا والصهيونية وتوابعهما ,وهذه سنه نستخلصها من التاريخ عامه ومن تاريخنا خاصة, فقد هزمنا الفرس والروم ,وهزمنا الإمبراطوريتين الانجليزيه والفرنسيه وكما هزمنا إمبراطوريات الشر البائدة ونحن قله متماسكة عقيديا, فإننا نستطيع اليوم بالعقيدة والاستعداد للقتال والاستشهاد ضد الطغيان وطوفان الهوان الموجه إلينا ,أن ننتصر على امبراطوريه الشر في الوقت الراهن أمريكا والصهيونية .

وكما أن سنه النصر انطبقت على الأولين أعداء البشرية , فإنها انطبقت على أمريكا عدوة الإنسانية في الوقت الراهن ,فقد هزمت أمريكا عسكريا ًوسياسياً .على سبيل المثال لا الحصر في خمسه مواقع إستراتيجية وهى : المواجهة السوفيتية ,المواجهة الصينية, المواجهة الفيتنامية ,المواجهة الكورية ,والمواجهة الديجوليه ,وسنتناول كل مواجهه من هذه المواجهات بشكل مختصر لنبين لأنفسنا الدروس المستفادة من كل منها لنستفد ونتعلم ما ينفعنا في مواجهتنا المصيرية.

(1)المواجهة السوفيتية : نريد أولا أن نبتعد بفكرنا وبصرنا عن موقعه انهيار الاتحاد السوفيتي  السابق في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي ,لان ذلك موضوع مهم ويحتاج دراسة مستقلة ,الذي يهمنا هو الصراع الذي حدث بين أمريكا والاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية 1945مباشرة ,لقد كانت أمريكا والاتحاد السوفيتي ضمن تحالف عالمي يضم بريطانيا وفرنسا وغيرهما دخل الحرب في مواجه دول المحور بقيادة ألمانيا النازية وإيطاليا واليابان الغاشيتين , واستمرت الحرب العالمية الثانية حوالي خمسه سنوات ,أتهت سنه 1945 بانتصار دول التحالف ,وخرجت أمريكا والاتحاد السوفيتي من الحرب اكبر قوتين حلتا محل القوتين التقليديتين بريطانيا وفرنسا , ولكنهما انتقلا من مرحله التحالف إلى مرحله الصراع ,لان كل منهما خرجت من الحرب قائدة وزعيمه لمعسكر مختلف في العقيدة والنظام والمصالح للمسكر الآخر ,خرجت أمريكا من الحرب زعيمة للمعسكر الغربي الرأسمالي ,وخرج الاتحاد السوفيتي منها زعيماً للمعسكر الشرقي الاشتراكي ,وحل الصراع بين المعسكرين محل الصراع الذي كان دائرا بينهما وبين ألمانيا وإيطاليا واليابان ، وإن اتخذ هذا الصراع بين المعسكرين أشكالاً متعددة ومتنوعة مختلفة عن القواعد التي حكمت الصراع الأول نتيجة لاختلاف الظروف التي استجدت بعد الحرب عن الظروف التي سادت قبلها ، وتحدد هدف كل معسكر في إلحاق الهزيمة بالمعسكر الآخر ومحوه من الوجود ، لكن هذا الهدف العدواني المتبادل للمعسكرين لم يتحقق طيلة خمسة عقود ، بسبب التوازن الدقيق في القوي بين المعسكرين ، لقد خرجت أمريكا من الحرب وهي القوة النووية الوحيدة في العالم التي تمتلك قوة التدمير الشامل ، وقد شهد العالم أهوال هذه القوة التدميرية بعد أن ضربت أمريكا هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية بعد أن دمرت اليابان الأسطول الأمريكي في موقعه ببرل هاربور في المحيط الهادي ، أي أن أمريكا ردت علي هزيمتها من قوة يابانية تقليدية (الطيران الياباني) باستخدامها لقوتها فوق التقليدية النووية لإلحاق هزيمة مطلقة باليابان وتحويل هزيمتها في بيرل هاربور إلي هزيمة تكتيكية ، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو لماذا لم تقم أمريكا بضرب الاتحاد السوفيتي عدوها الأول بعد الحرب بالقنابل النووية

كما فعلت مع اليابان ؟ علما آن الاتحاد السوفيتي لم يكن لديه بعد الحرب أي إمكانيات نووية , آن بوادر امتلاكه لها كانت في بداية الخمسينيات , السبب في عدم توجيه أمريكا ضربة نووية للاتحاد السوفيتي يعود إلى الدرجة العالية من الدقة و الذكاء الإستراتيجي الذي أدار به الاتحاد السوفيتي الأزمة مع أمريكا ,صحيح آن أمريكا خرجت من الحرب الثانية و القوة النووية الوحيدة و لكن الاتحاد السوفيتي خرج منها القوة التقليدية الوحيدة التي لا توازنها أي قوة أخرى ,خاصة بعد آن تحولت بريطانيا و فرنسا بعد الحرب إلى دولتين من الدرجة الثالثة و الرابعة لا حول لهما و لا قوة في مواجهة الجيوش السوفيتية , كما آن الاتحاد السوفيتي يمتلك ميزات استراتيجية تمكنه من احتواء أي ضربات نووية أمريكية لمدى زمني يستطيع فيه آن يرد على أي ضربات نووية بابتلاع أوروبا الغربية , و في هذا تهديد خطير للمصالح الأمريكية .

   و على هذه الأسس أقام الاتحاد السوفيتي التوازن الإستراتيجي بين تفوق أمريكا النووي و بين تفوقه التقليدي , أي أوروبا الغربية و القوات الأمريكية فيها في مقابل ضرب أمريكا مدينة أو مدينتين سوفييتيين بالقنابل النووية, و استمر هذا التوازن بين القوتين قائما إلى آن تحول الاتحاد السوفيتي هو الأخر إلى قوة نووية موازية للقوة الأمريكية النووية ,و هو ما عرف في تاريخ العلاقات الدولية بتوازن الرعب النووي, و ظل هذا التوازن بين القوتين قائما إلى آن انهار التحاد السوفيتي بعوامل غير عسكرية ليس هنا محل للحديث فيها .

الدرس الأهم من ضمن دروس مهمة أخرى من هذه المواجهة التاريخية بين أمريكا و الاتحاد السوفيتي , هو الإرادة و العزيمة التي امتلكها القادة السوفيت , إن قادة الاتحاد السوفيتي لم ينهاروا  أمام السلاح النووي الأمريكي خاصة بعد ركوع اليابان و استسلامها تماما بعد تدمير هيروشيما و نجازاكي بالقنابل النووية , تميز القادة السوفيت برباطة الجأش و الهدوء للبحث لديهم عن عوامل موازنة القوة النووية الأمريكية , و ردعها حتى تمتنع أمريكا عن ضرب بلادهم بالقنابل النووية , ووجدوا هذه العوامل في تفوقهم العسكري التقليدي الكاسح على القوة العسكرية التقليدية للمعسكر الغربي , مما يؤهلهم لأحداث توازن مع أمريكا في شكل تفوق نووي أمريكي يوازيه و يتفوق عليه تفوق عسكري تقليدي سوفيتي , العبرة آن ليس كل سلاح نووي مرعبا , و ليس كل سلاح نووي مؤهل للانطلاق في كل ظرف , هذا درس أول نهديه لوجهه الله و الأمة لقادتنا السياسيين و العسكريين في أمتنا العربية الذين لا يدركون تفوقهم العسكري التقليدي الهائل على أمريكا و إسرائيل في مقابل القنابل النووية الإسرائيلية و الأمريكية بل و فوق ذلك فرطوا و اشتركوا في تدمير أسلحة التدمير الشامل العراقية , و اليوم يسعون لتدمير البنية العلمية العراقية بالتفريط في العلماء العرب في العراق .

2-المواجهة الثانية  هي المواجهة الصينية:  لقد كانت الصين محتلة من قبل اليابان قبل الحرب العالمية الثانية و أثنائها , و تشكلت المواجهة الصينية للاحتلال الياباني من خلال جبهة وطنية صينية من حزبين الكومنتانج بقيادة صن ياك صن و الحزب الشيوعي بقيادة ماوتسي تونج , و انهزمت اليابان و انتصرت الصين , و لكن بعد الانتصار الصيني قامت معركة بين الحليفين صن ياك صن و ماوتسي تونج على الحكم , و انتصر الحزب الشيوعي بقيادة ماوتسي تونج , و تحولت الصين إلى دولة شيوعية معادية للامبريالية العالمية بقيادة أمريكا و سرعان ما دب الخلاف أيضا بين القطبين الشيوعيين الصين و الاتحاد السوفيتي و بالتالي فقدت الصين المظلة النووية السوفيتية التي بدأت في الظهور في نهاية الأربعينات ( 1949) و بداية الخمسينات , و التي كان من الممكن آن تستظل بها الصين لحمايتها في مواجهة القوة النووية الأمريكية المعادية , و لكن حاجة الصين للمظلة النووية السوفيتية لم تجعلها تفرط في استقلالية رؤيتها و قرارها مقابل عدم فقدان هذه المظلة , و من جهة أخرى لم تنهار القيادة الصينية أمام التفوق النووي الأمريكي و السوفيتي عليها , و فتشت عن عوامل القوة لديها لموازنة التفوق النووي للقوتين المعاديتين أمريكا و الاتحاد السوفيتي و بنت هذه الموازنة على عاملين , عامل عسكري و عامل سياسي , أما العامل العسكري فهو تفوقها البشري الهائل حيث أنها أكبر دولة سكانية في العالم , مما يؤهلها لأن تكون قوة عسكرية إقليمية ضخمة تردع أي تهديد نووي لأراضيها , و فعلا فقد امتلكت الصين أضخم قوة عسكرية تقليدية إقليمية , و مما عظم من إمكانيات و طاقات هذه القوة أنها انتظمت تحت بناء استراتيجي عسكري يجمع بين الميليشيات الشعبية الكثيفة و المدربة تدريبا عاليا و بين القوات النظامية الضخمة المدربة تدريبا راقيا , آن هذا البناء الاستراتيجي للقوات المسلحة الصينية مكن القيادة الصينية من تعبئة الصين كلها بشرا و أرضا و إمكانياتنا تعبئة عسكرية في مواجهة التهديدات النووية , آن الصين أصبحت قلعة مقاومة , في المقابل فأن التواجد العسكري الأمريكي في شرق آسيا بدأ يتزايد بعد هزيمة اليابان و بشكل خاص بعد هزيمة فرنسا أمام الفيتناميين في موقعة (ديان بيان فو ) سنة 1954 و دخول أمريكا الحرب ضد الفيتناميين بدلا من فرنسا , و تمركزت القوات الأمريكية في فيتنام الجنوبية مما أدى إلى انقسام الأمة الفيتنامية إلى دولتين , دولة متحررة هي فيتنام الشمالية و عاصمتها ( هانوي ) و دولة فيتنام الجنوبية خاضعة للسيطرة الأمريكية و عاصمتها ( سايجون ) ووقفت الصين مع فيتنام الشمالية كعمق إستراتيجي لها تمدها بكل شيء في الحرب ضد أمريكا , لقد اعتبرت الصين معركة صمود فيتنام و انتصارها على أمريكا معركتها الشخصية , في المقابل حشدت أمريكا في فيتنام الجنوبية مع تصاعد العمليات العسكرية حوالي مليون ونصف مليون جندي أمريكي لمواجهة حرب الشعب الفيتنامية بقيادة جنرال (جياب ) , و ما يهمنا هنا من الحرب الفيتنامية الأمريكية و التي انتهت بانتصار فيتنام الدولة الفقيرة على القوة العسكرية و النووية الأمريكية , و إنهاء تجزئة الأمة الفيتنامية و قيام دولة الوحدة الفيتنامية و عاصمتها سايجون – ما يهمنا – هو إبراز كيف أحدثت الصين توازن رادعا مع أمريكا النووية و مع غيرها ؟ أحدثت الصين هذا التوازن الرادع على أساس تفوقها البري التقليدي الهائل خاصة إذا ما أضيفت القوة العسكرية الفيتنامية إلى قوتها في مواجهة القوات الأمريكية و لقد اعتبرت الصين اعتبرت أمريكا أيضا القوات الأمريكية في فيتنام رهينة

   تحت أقدام الولايات المتحدة الأمريكية. هكذا استطاعت الصين بإرادة التحدي و المقاومة و شرف الصين أن تردع أمريكا النووية و تمنعها من أن تفعل بها مثل ما فعلت في اليابان ... هذا عن العامل العسكري في التوازن الذي بنته الصين مع أعدائها , أما العامل السياسي في هذا البناء , فهو بناء كتلة عدم  الانحياز في مواجهة المعسكرين المتعادين الغربي بقيادة أمريكا و الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي و اللذين أرادا اقتسام العالم فيما بينهما , و قد تشكلت نواة عدم الانحياز التي أصبحت لفترة طويلة قوة توازن المعسكرين على أكتاف شوابن لاي رئيس وزراء الصين و جمال عبد الناصر رئيس مصر و نهرو رئيس زعيم الهند  و سوكارنو زعيم إندونيسيا , و  كبرت هذه القوة و اتسعت حتى ضمت الغالبية العظمى من دول و شعوب العالم الثالث حتى أصبحت بمثابة القوة الثالثة .

إذا فقد استطاعت الصين الدولة الفقيرة , التي كان الأفيون يقطع أنفاس شعبها , أن تحافظ على استقلالها ووجودها و نظامها بمظلة عسكرية و سياسية أبدعتها القيادة أبدعتها القيادة الصينية حيث جعلت القوات الأمريكية في جنوب شرق أسيا عموما و في فيتنام الجنوبية خصوصا رهينة في أيدي الأم الصينية , تمنع أمريكا و تردعها من آن تعتدي على الصين نوويا , كما أصبحت الصين بكتلة عدم الانحياز قوة سياسية عالمية يحسب حسابها... هذا درس ثان نهديه لقادتنا السياسيين و العسكريين ليتعلموا منه كيف آن أمة فقيرة تخرج من تحن ركام الحرب الأهلية لتنتصر على أمريكا الدولة النووية .

3- المواجهة الثالثة هي المواجهة الفيتنامية : تكلمنا كثيرا   عن ( الفيتنام ) في المواجهة الثانية الخاصة بمواجهة الصين لأمريكا , و بالتالي فإننا هنا سنركز على عناصر الجانب الفيتنامي في مواجهة القوة العسكرية الأمريكية التقليدية و النووية التكتيكية المتمركزة في فيتنام الجنوبية قبل التحرير , حيث استخدمت أمريكا في حربها ضد فوات الفيت كونج الفيتنامية بالإضافة إلي الأسلحة التقليدية القنابل النووية التكتيكية , لقد بنت فيتنام قوة ردعها لأمريكا على عاملين هما الأول أساسي و الثاني بمثابة عامل مساعد , العامل الأول هو تعبئة الأمة الفيتنامية كلها تحت قيادة جبهة الفيت كونج في الشمال و الجنوب على الرغم من تجزئة الأمة الفيتنامية في دولتين دوله في الشمال و دوله في الجنوب , إن التجزئة لم تمنع الوحدة للشعب الفيتنامي و تشكيل ميليشيات شعبية على كل الأرض الفيتنامية , وعلى ذلك فإذا كانت أمريكا قد حشدت مليون و نصف مليون جندي أمريكي لإلحاق الهزيمة بفيتنام الشمالية فإن الأمة الفيتنامية تعبأت كلها بالملايين في مواجهة أمريكا و ألحقت بها هزيمة كانت فضيحة لأمريكا , أما العامل الثاني في قوة الردع الفيتنامية فكانت الصين بشكل أساسي و اللعب السياسي على التناقض الصيني السوفيتي للحصول على مزيد من الدعم الصيني و المساندة السوفيتية في المواجهة مع أمريكا .. و انتصرت فيتنام وهزمت أمريكا ... و هكذا أمة فقيرة قليلة العدد استطاعت أن تهزم أمة أكثر منها عددا ( أمريكا ) و أكثر منها قوة و متفوقة عليها في كل شيء : العدد و التقدم و التكنولوجيا و بقوات برية هائلة و قوات جوية لا منافس لها و بالإضافة إلى قوة ردع نووي إستراتيجي و تكتيكي , و ذلك بواسطة تعبئة الأمة كلها عسكريا و سياسيا و بناء عمق عسكري سياسي و إستراتيجي دولي للمساندة ... وهذا درس ثالث نهديه لقادتنا الملوك و الرؤساء العرب و القادة العسكريين العرب .

4- المواجهة الرابعة هي المواجهة الكورية: إن دروس هذه المواجهة تقريبا هي ذات الدروس المستفادة من تجربة المواجهة الفيتنامية مع الولايات المتحدة الأمريكية , و ذلك لتشابه الظروف تشابها شبه تام بين المواجهتين , مع إضافة عنصر الردع النووي و الكيميائي الذي امتلكته كوريا الشمالية , فأمام زحف الشمال الشيوعي على الجنوب تمركزت القوات الأمريكية في جنوب الأمة الكورية و أنشأت العديد من القواعد العسكرية الأمريكية هناك , و أمام هذا الوضع انقسمت الأمة الكورية إلى دولتين: دولة كوريا الشمالية و دولة كوريا الجنوبية التي تهيمن عليها أمريكا , و أمام القوة التقليدية و النووية الأمريكية , فإن كوريا الشمالية بنت ردعها لأمريكا على ثلاث عوامل , الأول و الثاني عاملين أساسين و الثالث عامل مساعد في بناية الردع الكوري , و العامل الأول هو الاعتماد على التعبئة العسكرية و السياسية الشاملة لكامل الأمة الكورية في الشامل و حتى في الجنوب لمواجهة الاحتلال الأمريكي لجنوب البلاد الكورية و تهديد النظام الشيوعي في شمال البلاد , بحيث تكون الأمة الكورية في حالة استنفار عسكري و سياسي دائم لمواجهة التهديد الأمريكي , و العامل الثاني هو أن الشعب الكوري أخذ من قوته و شيد قوة ردع تدميرية شاملة نووية و كيميائية لمواجهة قوة الردع النووية الأمريكية , صحيح أن الردع النووي /الكيميائي ليس بدرجة متساوية مع نظيره الأمريكي , لكنه كاف تماما لتحقيق غرض الردع إذا ما تذكرنا أن قوة الردع الكورية الشمالية غير التقليدية المحدودة تستطيع أن تجعل من القوات و القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية رهينة في أيدي الكوريين الشماليين , بالإضافة مؤسسات النظام الحاكم في كوريا الجنوبية , و لكي نبين مدى كفاءة الرادع النووي / الكيميائي الكوري نذكر القارئ بأن أمريكا أعلنت مؤخرا و بصوت عال أنها تمتلك قوة ردع نووي / كيميائي , و لم تخش في ذلك أمريكا , أمريكا من جانبها وقفت مكتوفة الأيدي تجاه الإعلان الكوري الشمالي , صحيح آن هناك عوامل أخرى قيدت أمريكا إلا انه يبقي لعامل الرادع النووي / الكيميائي الغلبة في عملية التقييد , أما العامل الثالث فهو بناء قاعدة سياسية خلفية مع الصين  لتكون دعما سياسيا و عسكريا لها و هو ما تحقق بالفعل , إن إستراتيجية الردع الكورية الشمالية المثلثة الأضلاع مكنت كوريا الشمالية من الصمود و عدم تمكين أمريكا من تصفية النظام الشيوعي , أكثر من ذلك فلقد أجبرت أمريكا و اليابان على فتح حوار معها والتطبيع السياسي و الاقتصادي و أجبرت كوريا الجنوبية على الانحناء و تقديم مبادرات التطبيع وفتح الحدود بل و أكثر من ذلك مطالبتها أمريكا بعدم الصدام مع كوريا الشمالية بسبب ترسانتها النووية / الكيميائية ,و قد رضخت أمريكا لذلك , و انتصرت كوريا الشمالية الفقيرة و الأمة الكورية المجزئة على أمريكا المرعبة , أو بلغة أكثر دقة التي ترعبنا ...و هذا درس أخر رابع نهديه إلي القادة السياسيين و العسكريين العرب و لكل من يهمه الأمر في أمتنا .

5-المواجهة الديجولية : هذا الرجل – ديجول – هو محرر فرنسا من الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية , و بعد هزيمة دول المحور , فوجئت أمريكا بالزحف الشيوعي على غرب أوروبا من شرقها , فأسست مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا الغربية التي دمرتها الحرب حتى تستطيع أن تصمد أمام زحف الحركة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي , و بهذا المشروع نم إعادة بناء أوروبا الغربية و اليابان , و لكن ديجول رأى منذ منتصف الخمسينات آن أوروبا محكومة بظاهرتين : واحدة اقتصادية و الأخرى سياسية و عسكرية , أما الظاهرة الاقتصادية فهي أن الرأسمالية الأمريكية قد غزت أوروبا و سيطرة على اقتصادياتها , و أما الظاهرة الثانية فهي الصراع و التناقض الحاد بين أمريكا قائدة المعسكر الغربي و حلف الأطلنطي و بين الاتحاد السوفيتي قائد المعسكر الشرقي و حلف وارسو , و امتلاك كل من القطبين ترسانة نووية و صاروخية شكلت رادعا متبادلا لكل منهما و على الرغم من آن أمريكا ترسانتها النووية و الصاروخية تمتد لحماية أوروبا الغربية بالإضافة إلى أمريكا , و آن على دول أوروبا الغربية ألا تسعي إلى امتلاك هذا النوع من الأسلحة , إلا آن ديجول رأى آن أوروبا الغربية واقعة بين فكي كماشة نووية , فك أمريكي و فك سوفيتي , و إذا ما جد الجد و حدث صراع مسلح بين القطبين فإن أمريكا سوف تعطي الأولوية لحماية الأراضي الأمريكية من هجوم نووي سوفيتي على حساب حماية أوروبا الغربية من هجوم نووي سوفيتي مماثل , و أمام هاتين الظاهرتين قرر ديجول التقدم بخطوتين تشكلان معا هزيمة سياسية لأمريكا , الخطوة الأولى هي الدعوة و القيام بالخطوات العملية لتوحيد أوروبا لتصبح قوة سياسية و اقتصادية في مواجهة طوفان الرأسمالية الأمريكية التي تهدد هوية الدول الأوروبية الغربية من جهة , و لتصبح أوروبا الغربية بذلك نقطة توازن بين القطبين العالميين أمريكا و الاتحاد السوفيتي , و الخطوة الثانية التي اتخذها ديجول هي بناء القوة النووية الفرنسية المستقلة رغم انف القوتين العظمتين حتى لا تكون فرنسا واقعة تحت رحمة القوة النووية الأمريكية الشكوك فيها هكذا لم يرى ديجول في تحمل أمريكا عبء إعادة بناء أوروبا الغربية و حمايتها من الزحف الشيوعي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية قيدا على بناء أوروبا الموحدة و بناء القوة النووية الفرنسية المستقلة حتى لو اقتضى ذلك تجميد عضوية فرنسا في حلف الأطلنطي , و ذلك لتحرير أوروبا من الهيمنة الأمريكية الجديدة و تحريرها من الرعب النووي للقطبين كذلك , و لم يمنع ديجول في التقدم نحو بناء الوحدة الأوروبية تشكل أوروبا من قوميات متعددة , فالخطر كان أكبر من تباين القوميات , و على القوميات آن تتوحد لمواجهة الخطر ... هذا درس خامس نهديه لقادة العرب العاجزين عم بماء درجة معقولة من التضامن القومي بين كل الدول العربية التي تنتمي كلها إلى أمة وقومية واحدة لمواجهة الخطر الذي يهددهم و يهددنا جميعا , خوفا من أمريكا و الصهيونية , و خوفا على المعونات و المساعدات الأمريكية , و قبل كل ذلك نفاقا و خداعا للأمة .     

و بعد ذلك ، نعود للسؤال : هل نحن في قوة أمريكا ؟ أو هل نستطيع آن نهزم أمريكا ؟ و الحقيقة انه بعد استعراض المواجهات الخمس السابقة ،و الدروس المستفادة منها ، لن يعد لهذا السؤال أو ذاك محل من الإعراب ,فالاتحاد السوفييتي قبل آن يتحول إلى قوة نووية احدث توازنا بين ما يمتلكه من قوات تقليدية و بين ما تمتلكه أمريكا من قوة نووية ، و الصين و هي دولة فقيرة أحدثت توازنا بين ما تمتلكه من ميليشيات و قوات نظامية عسكرية و بين ما تمتلكه كل من أمريكا و الاتحاد السوفييتي من قوة نووية ، و فيتنام و هي دولة فقيرة و صغيرة أحدثت توازنا بين كل الشعب الفيتنامي المعبأ في الشمال و الجنوب و ميليشياتها و قواتها النظامية العسكرية و بين مليون و نصف مليون جندي أمريكي مسنودين بترسانة نووية أمريكية و أسلحة نووية تكتيكية تم استخدامها في الحرب ، و ديجول لم يمنعه مشروع مارشال الأمريكي الذي أعاد بناء فرنسا و كل أوروبا الغربية و اليابان بعد الحرب العالمية الثانية ، من الوقوف في مواجهة الغزو الرأسمالي الأمريكي لبلاده و دول أوروبا الغربية ، و مواجهة وقوع فرنسا و أوروبا الغربية بين فكي الكماشة النووية الأمريكية السوفييتية على الرغم من وجود حلف الأطلنطي ، واجه ديجول ذلك بتوحيد أوروبا و بناء القوة النووية الفرنسية رغما عن انف القوتين الأخريين .

و نحن لسنا اقل من هذه الأمم التي ذكرناها ، فنحن قبل كل شيء ( أمة الإسلام ) التي تربط الدفاع عن وجودها و شرفها و كرامتها و أعراضها و إمكانياتها و بين الدفاع عن دينها و عقيدتها ، نحن أمة القتال و الاستشهاد دفاعا عن ديننا ووطننا ، و نحن أمة حباها الله بموقع ( متحكم ) ممتاز ، و بإمكانيات هائلة و متفردة ، و بكثافة سكانية عالية حوالي ثلاثمائة مليون ، و هذه الكثافة السكانية ليست خاوية ، فهي تحتضن الملايين من أبناء الأمة ذوي التخصصات و الكفاءات النادرة في كل فروع العلم و المعرفة ، أي أننا نمتلك قاعدة بشرية علمية لا يستهان بها ، و نمتلك مؤسسات علمية معترف بها دوليا ، و نمتلك جيوش نظامية إذا اجتمعت فأنها تتفوق على قوات العدو الصهيوني عددا و عدة كما تقول بذلك تقارير المعاهد الاستراتيجية الدولية ، و نحن نمتلك ميزات استراتيجية عسكرية هائلة لا يمتلكها عدونا مثل المساحة و عدد السكان ، و نحن نملك الأهم من ذلك و الكره الشعبي الشديد لأمريكا و الصهيونية ، بالإضافة إلى آن كل الأحزاب و القوى السياسية الفاعلة في الوطن العربي تمقت أمريكا و الصهيونية ، آن الجماهير العربية و القوى السياسية العربية قد تخطت ( مستنقع ) الكويت ، بل آن الشعب العربي في الكويت تخطى هذا المستنقع ، و علامة ذلك مقاومة الشباب الكويتي للوجود الأمريكي ، لقد اكتشف الجميع آن ما يتهددنا اخطر بكثير من خصومة انتهت مبرراتها من فترة طويلة ، و نضيف إلى ما سبق كله العمق الإسلامي للامة العربية ، أي عمقها في أمتها الإسلامية ، فالشعوب الإسلامية كلها مستنفرة ضد الشيطان الأمريكي الصهيوني الذي يستهدف الإسلام و المسلمين ، و كلها مستعدة لان تتلاحم مع الأمة العربية إذا ما نهضت للمقاومة دفاعا عن وجودها و عقيدتها ، نحن نستطيع إذا آن نشعلها نارا تحرق الأمريكان و الصهاينة في كل شبر من ارض العرب ، و نحن في هذا إذا ما عزمنا و توكلنا على الله لسنا معتدين ، نحن أصحاب قضية عادلة ندافع عن وجودنا و أعراضنا و ديننا .

ما الذي ينقصنا إذن حتى نردع التفوق النووي و ننتصر عليه و نهزمه كما هزم الذين سبقونا أعداؤهم ، و نعود لانتصاراتنا التاريخية ، باختصار نفصله في مقال آخر ، ينقصنا الأتي :

1-  أيمان لا يتزعزع بالله و بنصره ( آن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم ) .

2-  أيمان لا يتزعزع بأننا أمة واحدة يجمعنا وحدة التاريخ و وحدة المصير ن و آن وجودنا جميعا أمة و دول في خطر .

3-  تخطي التجزئة التي صنعها الاستعمار و الصهيونية فينا ، و ذلك ببناء حلف قومي له استراتيجية قومية و إسلامية لصد العدوان و دحره ، و آن يعتمد هذا الحلف استراتيجية قومية تستهدف تعبئة الأمة معنويا و سياسيا و اقتصاديا و عسكريا .

بهذا نستطيع آن نفعل ما فعله الآخرون و نحدث توازنا رادعا بين قوتنا و بين مصالح أمريكا في وطننا و ووجود الكيان الاقتصادي ( إسرائيل ) على الأرض العربية في فلسطين ، توازنا يتيح لنا تحويل نقاط القوة لدى أعداءنا إلى نقاط ضعف ، و بالتالي نتمكن من هزيمتهم .

فهل سنمتلك الإرادة و التصميم على ذلك و يفعلها حكامنا ؟ أم سيعملون حساب للنووي و المساعدات و المعونات التي هي أصلا من أموالنا على حساب وجودنا ذاته ؟ .