تزييف أيام فلسطينية في الذاكرة التاريخية
----------
فقرات
الموضوع
1 -
استحالة محو الذاكرة التاريخية
2 - تواصل
نسيج التاريخ والواقع المعاصر
3 - لا
تعدّدية دون الذاكرة التاريخية الفعالة
4 - تزييف
الذاكرة التاريخية غذاء الانسلاخ الحضاري
5 - جانب
من ذاكرتنا التاريخية الفلسطينية
6 - الأهم
من الاحتفالات السنوية بأيام تاريخية
7 - المدخل
التاريخي إلى مستقبل القضية
----------
استحالة
محو الذاكرة التاريخية
صحيح أن
محو الذاكرة التاريخية لأمة من الأمم مستحيل التحقيق، ولكنّ مجرّد السعي لذلك أو
لمحو جزء من تلك الذاكرة خطير على وجود الأمّة ومستقبلها، وهذا ما لا ينبغي السكوت
عنه ولا القبول بتمريره، لا سيما على صعيد قضية فلسطين المحورية في واقع الأمة
ومستقبلها.
لا ينبغي
أن يغيب عن الأذهان في ظل أوضاعنا الراهنة مدى أهمية الذاكرة التاريخية للصمود
واستعادة القدرة على صناعة القرار وتنفيذه، وهو ممّا يستدعي مراجعة دائمة ومتجدّدة
لما نصنع أو نهمل صنعه، من أجل الحفاظ على ذاكرتنا التاريخية، ومن أجل ضمان توظيف
مفعولها الحاضر والمستقبلي، وكذلك مراجعة ما نصنع على طريق هدمها.. أو نسمح على
الأقل بأن يصنعه على مشهد منا ومسمع، فريق انسلخ بنفسه عن ارتباطاته التاريخية
وسواها، وعمل ويعمل على أن يصيب سواه ما أصابه.. فكأنّه يأبى السقوط منفردا خارج
نطاق دائرتنا الحضارية المشتركة، فيريد سقوط الجميع معه.
وليس
مجهولا أنّنا نعايش منذ فترة حملة بالغة الخطورة تستهدف محو قطاع رئيسي من ذاكرة
الأمة أو تشويهه في وعيها التاريخي، ولكن نغفل بالمقابل -ويراد لنا أن نغفل كباب
من أبواب نشر الإحباط- عن أنّ تحقيق هدف تلك الحملة مستحيل واقعيا.. من النواحي
الكمية والنوعية والزمنية على السواء.
إنّ نشر
تصوّرات مفادها أنّ من يقفون وراء تلك الحملة من داخل الصفوف ومن خارج الحدود،
يملكون ما يكفي من القدرات والطاقات لصنع ما يشاؤون، لا يعدو أن يكون وهما كبيرا
تدعمه الضجّة الكبيرة المرافقة لنشره عبر وسائل إعلام ضخمة، ومن خلال مواقف
وتحرّكات واسعة النطاق.. ولكن يتبدّد تأثيره ويزول الزبد عند قياسه على قاعدة
ثابتة في السنن الاجتماعية والتاريخية، أنّ تحقيق هدف من قبيل تبديل جزء من ذاكرة
الأمّة –أو بتعبير آخر تنفيذ عملية غسيل دماغ جماعي للأمة- لا يرتبط أصلا بحجم
القدرات الذاتية للقائمين على تلك الحملة من خارج نطاق الأمة عن عمد، ول بحجم
قدرات المنفصلين عنها من داخلها والماضين على الطريق نفسه بغض النظر عن النوايا،
فسيان هل كانت تلك القدرات كبيرة أو صغيرة، ترتبط النتيجة في نهاية المطاف ارتباطا
أكبر وأرسخ بالموقف المضادّ، أي
بمدى استعداد القادرين على الردّ، وحجم ما يصنعون لذلك فعلا، فضلا عن سرعة تفاعلهم
مع ما يجري حولهم.
وتكشف أي
مقارنة موضوعية بين هاتين "الجبهتين" مدى هشاشة منطلقات أولاهما وضعف
مواقعها، رغم ضخامة وسائلها.. ويكشف مثال انتفاضة الأقصى كيف أنّ شرارة واحدة
كافية لإشعال ذاكرة الأمّة بعد عشرات السنين من تعرّضها للتزييف. إنّ سائر ما يمكن
أن تحققه حملات التأثير على ذاكرة الأمة، إمّا أن ينسجم مع المعطيات الحضارية
المشتركة المتوفرة أساسا فتهضمه وتوظفه تدريجيا بما لا يسيء إليها، أو يتناقض معها
فتلفظه ولو سيطر ظاهريا لفترة من الزمن على القشرة الاجتماعية الظاهرة للعيان في
مرحلة ضغوط تلك الحملات، الداخلية والخارجية.
لا مراء في
أنّ تلك المعطيات الحضارية الراسخة هي التي صنعت ذاكرة الأمّة، وتدعم وعيها
التاريخي، ولا يمكن إلا أن توظفه آجلا أو عاجلا في متابعة مسيرتها الحضارية
المستقبلية، على أرضية ثوابت راسخة عقديا وفكريا وواقعيا في حياة الأمّة.. وقائمة
على إرادة فردية وجماعية، وإن تعرّض التعبير عنها للكبت كليا أو جزئيا في مرحلة
تاريخية معينة لعوامل داخلية وخارجية.
تواصل نسيج
التاريخ والواقع المعاصر
إنّ حفاظ
أمتنا على ذاكرتها التاريخية مضـمون حتى ولو كان العاملون لهذا الهدف قلّة محدودة
العدد والقدرات.. وما هم كذلك قطعا،
على نقيض ما يزعم الزاعمون كجزء من حملة نشر اليأس والتخذيل الراهنة، والمقترنة
بالتهويل من طاقة الطرف الآخر، ونشر التصوّرات الموهومة، كما أنّه هدف مضمون لرسوخ
ذاكرتنا التاريخية على ثوابت أصيلة، لا تتبدّل بسبب تجاوزها أو إهمالها أو التهجّم
عليها، فقد صنعها الانتماء الحضاري المشترك المتميز على مدى قرون وقرون، وتقبّلتها
الأجيال وتوارثتها جيلا بعد جيل..
إنّ
الثوابت الصادرة عن ذاكرة الأمة والتي تصنعها المعطيات التاريخية ثوابت متوافقة
بمضامينها وبما تقتضيه على أرض الواقع، كما أنّها في الوقت نفسه متوافقة مع جوهر
ما رسخ مضمونا وشكلا من ثوابت
"مستحدثة الصياغة" على المستوى البشري المشترك، أي تلك التي تعارف
عالمنا المعاصر عليها تحت عناوين القيم والمبادئ والمثل.. وهذه لا تتبدّل بتبدّل
نصوص قرارات أجهزة ما، كمجلس الأمن الدولي مثلا، وبالتالي لا تتقلّب مضمونا وفق
تقلّب موازين القوى الآنية، إّنما هي ثوابت راسخة المعالم والصياغة، مذكورة في
نصوص واضحة وقاطعة، هي ما يمثّل الشرعية الدولية بمفهوم القانون الدولي، وهي التي
تحكم بالتالي بالمشروعية أو عدم المشروعية على سائر ما يصدر من قرارات، أو ينفذ من
إجراءات على مستوى العلاقات الدولية، سواء اتخذ صيغة اتفاقية دولية أو إقليمية أو
صدر بصيغة من الصيغ عن جهاز دولي أعلى.
إنّ دعم
المساعي الراهنة لتزييف مصطلح الشرعية الدولية نفسه، إلى درجة خنقه وخنقها وراء
قضبان ما يقرّره أو لا يقرّره طرف يملك أسباب القوّة الآنية، ويستخدمها عبر أجهزة
دولية أو خارج نطاقها لفرض إرادته على سواه.. لا يختلف من قريب أو بعيد عن دعم ما
كان يسمّى بصورة صريحة ومباشرة: شرعة الغاب!..
وعلى قدر
ما تظهر معالم عملية التزييف.. يظهر أيضا ضعف تلك الحجج الشاذة المنادية بالتسليم
للشرعية الدولية ما دام المقصود الحقيقي هو التسليم لقوّة مهيمنة على صناعة قرار
دولي تعتبره تلك القوّ’ المهيمنة -على حسب أهوائها- هو الشرعية الدولية.. كما يظهر
مع ظهور التزييف مدى ضعف الحجج التي تعتبر التخلي عن الثوابت سياسة تقتضيها واقعية
التعامل مع واقع قائم، وهي تغفل أو تتغفل عن أنّ هذا التخلّي يساهم في الانزلاق
إلى واقع أسوأ وأشدّ وطأة سيتطلّب -إن تحقق فعلا- مزيدا من التخلّي عن مزيد من
الثوابت!..
لا تعدّدية
دون الذاكرة التاريخية الفعالة
وليس
مجهولا أنّ التعامل مع قضية فلسطين في المرحلة التاريخية الراهنة، أصبح مثالا
نموذجيا على الجهود الخطيرة لمحو ذاكرتنا التاريخية أو تشويهها وعلى النتائج
المترتبة على ذلك، كما أنّه المثال النموذجي على ما يمكن صنعه للحفاظ عليها
وتوظيفها كما ينبغي. إنّما لا بدّ
قبل التفصيل في ذلك من ذكر ملاحظات أساسية تضع "المثال" في
موضعه، فما يراد قوله بهذا الصدد لا
يسري على قضية فلسطين فقط، وإن اختيرت كمثال أبرز مدلولا من سواه.
الأهمّ من
ذلك أنّه ليس من الحكمة ولا
المصلحة، أن يضع كل فريق منّا على عينيه منظار قضية واحدة، قد تهمّه أكثر من سواها
لسبب ما، فيرى سائر ما سواها من خلال ذلك المنظار فقط.
ولا تصحّ
المقارنات التي تقلل من أهمية القضايا الأخرى التي نواجهها في أرضنا العربية
والإسلامية، وعلى مستوى علاقتنا بعالمنا وعصرنا، أو التي تقلل من أهمية تأثير
بعضها على بعضها الآخر، أو تلفت الأنظار وتشغل الجهود عن واجب الربط الوثيق
الدائم، ما بين ميادين العمل لها جميعا، وفق ما يقتضيه واجب التضامن والتعاون
والتنسيق والتكامل من منطلقاتنا الذاتية القائمة على أسس دائرتنا الحضارية
المشتركة.. بدلا ممّا نشهده ونعاني من نتائجه يوميا، وفي كل ميدان، وعلى صعيد كل
قضية، من الافتراق على سبل متشعّبة، سلكها دعاة تيارات متعددة متباينة، وأدّت بغض
النظر عن النوايا، إلى تحجيم كل قضية على حدة، وإلى حبسها في إطار وطني أو إقليمي
أو مصلحي أو سوى ذلك من الأطر الضيقة، بما ساهم ويساهم في تمكين الطرف العدو في
معركة أو الخصم في مسألة ( وهو في الواقع أطراف متعدّدة لا ينقطع التعاون بينها وإن
تصارعت في ميادين أخرى).. في تمكينه من الانفراد بتلك القضية وتحقيق أغراضه
العدوانية على صعيدها. وما مثال الشاشان ببعيد، وإنّ تكرّرت الحجة التقليدية في
صفوفنا، تحت عنوان العجز غالبا،
وكأنّ العجز لم يكن من صنع ذاتي لا نحمل المسؤولية عنه فحسب، بل نحمل المسؤولية عن
التخلّص منه أيضا، وليس من المنطق أن نرتكب ذنبا مشينا ثمّ نجعله ذريعة لارتكاب
ذنب مشين آخر!..
ولا توجد
في الأصل مشكلة في تعدّد وطني أو قومي أو مصلحي أو إقليمي.. فهذا جزء من الحياة
البشرية منذ أقدم العصور، ولكن المشكلة كامنة في اصطناع التناقض ضمن تلك التعدّدية
وسواها من ألوان التعدّديات في بلادنا، بدلا من التكامل، كما أنّ المشكلة كامنة في
الاستعداد للتلاقي مع أشدّ الأعداء والخصوم، على أيّ أرضية مشتركة، ولو كان فيها
تنازل وتراجع وتسليم.. بحجة ما تقتضيه السياسات الواقعية، وعدم الاستعداد للتلاقي
بقدر أقلّ بكثير من التنازل والتراجع والتسليم مع الطرف الآخر داخل نطاق التعدّدية
الوطنية والقومية والإقليمية والمصلحية مّما تجمعه دائرتنا الحضارية المشتركة.
ولننظر في
هذه الصورة المهتزة الكئيبة الفاضحة:
إنّ غالب
من يصنعون هذه التفرقة والشرذمة..
- ويغذون
بمواقفهم وتصرّفاتهم هذا التمزيق الخطير
- في نطاق
قضايا كبرى كقضية فلسطين، أو قضية الأمن المشترك، أو قضية التعاون الاقتصادي، أو
قضية الحريات والحقوق..
- فيرسّخون
أشدّ صـور التناقض والعداء بيننا..
- زاعمين
استحالة تقديم التنازلات تجاه التيار الآخر واستحالة التلاقي معه على أرضية مشتركة
هم أنفسهم
الماضون بعناد شديد على دعواتهم الأخرى..
-
الاستسلامية علنا في الميادين الأمنية العسكرية والغذائية والسياسية
وسواها..
- بحجة
تتردّد على الألسنة دون مواربة من قبيل:
- " أعطونا بديلا آخر.."
أو " ماذا نصنع ضدّ القوة العظمى؟.. " أو "لا نستطيع مواجهة النظام
الدولي الجديد" أو" انظروا إلى ما وقع من هزائم سابقة..".. وما
شابه من شعارات انهزامية.
بل إنّ هذا
الفريق الذي يرفض التلاقي مع بني جلدته المخالفين له في الهدف والطريق رغم التلاقي
على أرضية حضارية مشتركة، على استعداد في ميادين الفكر والفن والثقافة وما ارتبط
بها، لممارسة أقصى درجات الانفتاح على الطرف الآخر من أرضية حضارية أخرى، إلى درجة
العناد في التمسّك بدعوات تستحق وصف "الانبطاحية"، فهي دون منهج ولا
ضوابط، كنّا نتمنّى في الأصل وجودها والالتزام بها، لأنّها ضرورية في كل احتكاك
حضاري، وكان يمكن توفيرها لو كان في تلك الدعوات ما يجب أن يكون من توازن، قائم
على مناعة ذاتية، وكذلك من باب الحرص على توفير القدرة على علاج إصابات مرضية
اجتماعية لا يستبعد انتشارها عند الانفتاح على دائرة حضارية أخرى تعاني منها.
تزييف
الذاكرة التاريخية غذاء الانسلاخ الحضاري
أليس من
الغريب –كتعبير مهذب- أنّ دعوات الانفتاح المطلق تلك، باسم عصر العولمة، لتجاوز
الحدود والمسافات، ومختلف الحواجز الخفية والمنظورة، ومع ما نشهده من جدال لهدم ما
كان من المسلّمات البدهية في القانون الدولي كسيادة الدولة.. أنّ هذه الدعوات
تتحوّل فجأة إلى ممارسات ملتزمة بالانغلاق المطلق، الذي تحرسه الحدود والحواجز
والقوانين والحملات المتبادلة، بين طرف وطرف آخر، ممّن تجمعهم في الأصل أرضية
عالمنا العربي أو الإسلامي المشتركة؟..
الأبواب
هنا موصدة، مع أنّ فتحها على مصراعيها فيما بيننا، شرط موضوعي ومنطقي وواقعي، لا
غنى عنه لتحقيق حدّ أدنى من صيغ التكامل والحوار والتبادل، وبالتالي حدّ أدنى من
السيادة على أنفسنا وقرارنا ومنهجنا، عند تعاملنا مع عوالم أخرى، قائمة على أرضية
حضارية أخرى، ولها مقاييس أخرى في ميادين الفكر والثقافة، والأذواق والأخلاق،
والقيم والعقائد، والسلوكيات الاجتماعية.
هذه الأوضاع
الشاذة المتناقضة لا تقوم لها قائمة عند إحياء وعي الأفراد والجماعات بانتمائهم
الحضاري المشترك كمنطلق لوجودهم ومستقبلهم، إذا كان المطلوب وجودا بشريا كريما،
يساهم إسهاما حقيقيا في مسيرة التطوّر البشري، متفاعلا مع عناصرها الأخرى لا
متطفلا على فتات موائدها ولا عبدا رقيقا لها.
إنّ ترسيخ
هذه الأوضاع الشاذة المتناقضة هو ضرب من ضروب العمل على فرض دور المتطفل أو
الرقيق.. لتحقيق مصلحة ما، يستحيل أن تكون مصلحة عليا مشتركة أو انفرادية قويمة.
وإنّ توجيه
الضربات لذاكرتنا التاريخية على وجه التخصيص هو وسيلة رئيسية من وسائل ترسيخ تلك
الأوضاع الشاذة، ولئن كانت بعض الدساتير يعتبر الخروج على منهج سياسي حاكم خيانة
للدولة، فإنّ ممارسة تلك الضربات خليقة بأن تكون خيانة عظمى للأمة، ليس بما يقتصر
على جيلها الحاضر أو كيانها السياسي الآني، بل هل الخيانة العظمى للأمّة على توالي
أجيالها التاريخية المتتابعة، وفي صميم ما تعقده من آمال وتطلّعات في أجيالها
المستقبلية.
وهذا
بالذات ما يظهر للعيان في ميدان قضية فلسطين اليوم، لأنها محورية بعيدة التأثير
على سواها، أكثر من قضايا أخرى، لا نقلّل بحال من الأحوال من أهميتها أيضا ومن
نتائجها على بعضها بعضا.
الحملة
الجارية لتشويه ذاكرتنا التاريخية تركّز على فلسطين في الوقت الحاضر أكثر من
سواها، حتى انمسخ تاريخها القديم في حدود علاقة اليهود بها، سـيّان بأي منظار،
سلبي مقصود أو إيجابي ولكن بقدر كبير من السذاجة، وانمسخ تاريخها الحديث في حدود
علاقة الصهيونية بها، سيّان بأي منظار أيضا، وحتى سرى في كثير من الكتابات الفكرية
والإعلامية وفي بعض المناهج المدرسية استخدام مصطلحات، هي من صنع الصهيونية والغرب
الذي يحتضنها ويدعمها، ولا يخفى تناقضها المباشر مع ثوابتنا، ممّا هو من قبيل
الوقائع التاريخية المحضة أو ما يندرج في إطار التصوّرات العقائدية على السواء.
جانب من
ذاكرتنا التاريخية الفلسطينية
للتركيز
على فلسطين وقضيتها أسباب بيّنة، فمكانتها مكانة مركزية، من حيث تأثيرها على
المسيرة الحضارية في المنطقة، أو على جغرافيتها السياسية في مختلف الميادين.. ولا
ريب في أنّ ما جرى ويجري على صعيدها يتجاوز بنتائجه المباشرة حدود أبناء قلسطين
تحت الاحتلال وإخوانهم المشرّدين في أنحاء الأرض، وهذا ما انعكس بالفعل فيما
نعاصره على منحدر التراجع الاستسلامي، جنبا إلى جنب مع تحجيم القضية:
- من قضية
إسلامية جامعة
- إلى قضية
عربية قومية
- فإلى صراع
إقليمي
- ثم إلى
مشكلة فلسطينية ( فمشكلة فلسطينيين)
- مع فصل
النزاع العربي-اليهودي عنها وحصره في مشكلات حدود وعقود..
- ثم الهبوط
بجميع ذلك إلى حضيض كامب ديفيد فمدريد فأوسلو.
إنّ المحور
الرئيسي لتحجيم القضية على هذا النحو
قائم على خنق ذاكرتنا التاريخية، والأخطر منه ما يجري لتجريد الجيل القادم
من وعيه التاريخي بالقضية، لسدّ الأبواب أمام احتمال أن يقوم بما لم يقم به جيلنا
الحاضر أو عجز عن القيام به.
وكما أنّ
عملية خنق الذاكرة التاريخية في إطار ما يستحق وصف "غسيل دماغ جماعي" لا
تجري اعتباطا.. كذلك فإنّ تجديد ما يحييها وما يعمّق الوعي الفردي والجماعي بها،
لن يتحقق من تلقاء نفسه ودون بذل الجهود الواجبة من أجله.. ومن الميادين النموذجية
لبيان هذا وذاك، ميدان توظيف الذكريات التاريخية لأحد الهدفين، الهدف الانتحاري
حضاريا وتاريخيا والمدمّر واقعيا ومستقبلا، وهدف إحياء أنفسنا حضاريا وتاريخيا
والنهوض بواقعنا وبناء مستقبلنا.
ولنتأمّل
كمثال في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام ميلادي.. ولنذكر بعض ما فيه من أيام
كان لها موقعها المؤثّر في تاريخ قضية فلسطين، كانت قد لعبت دورها في توجيه مسار
القضية "المصيرية المركزية" في الاتجاه الخطير الذي نعرفه ونعاصره.. وهو
الاتجاه الذي يساهم بعض بني جلدتنا في صنعه ويكتفي غالبنا بموقف الانتظار.. ربما
حتى يصل الحريق إلى بيته..
كيف نتعامل
مع تلك الأيام التاريخية الآن، بعد أنّ كان يجمعنا على الأقل الوقوف عندها وقفة
"سنوية" مشتركة ومحاولة الانطلاق ممّا تعنيه للبحث عن أرضية مشتركة!..
من تلك
الأيام مثلا:
- وعد بلفور
يوم 2/11/1917 م
- وقرار
التقسيم في الأمم المتحدة يوم 29/11/1947م
وكانا
الأوفر حظا من التذكير بهما إلى وقت قريب، ثم أصبح ذلك يجري على
"استحياء"، وهذا مع أنّهما لم يكونا قطّ موضع خلاف في الرأي، ولا مادّة
مساومات في صراع التيارات المتعدّدة من قبل!..
ومن تلك
الأيام أيضا:
- يوم
19/11/1935م، وهو يوم استشهاد عز الدين القسام الملقب بشيخ مجاهدي فلسطين في العصر
الحديث..
- ثمّ بعد 41 عاما كان يوم
19/11/1976م، يوم زيارة الرئيس المصري السابق أنور السادات للقدس المحتلة والتي
تبيح القول إنّه كان بذلك "شيخ" دعاة التسوية إذا صح التعبير!..
- ومنها أيضا ما يبيّن الأرضية التي
تحرّك عليها السادات.. كيوم 27/11/1973م، عندما اعتبرت قمة الجزائر منظمة التحرير
الفلسطينية ممثلا ( شرعيا) وحيدا لشعب فلسطين.. ثم جرى تثبيت القرار في قمة الرباط
بموافقة أردنية عام 1974 م.. وبعد شهور معدودة ( في أيار/ مايو 1975 م) أعلن عرفات أنّه يريد "إقامة دولة
للشعب الفلسطيني والشعب اليهودي وليس إسقاط الدولة العبرية بالقوة "!..
- ومنها أخيرا في نطاق هذه الأمثلة
المعدودة يوم 15/11/1988م، عندما أعلنت منظمة التحرير عن قيام "دولة
فلسطينية" عبر المجلس الوطني الفلسطيني، والواقع أنّها أعلنت الاعتراف
الواقعي بالدولة العبرية، من خلال الاعتراف بقراري مجلس الأمن المعروفين، وهذا ما
فهمته واشنطون فبدأت الاتصالات مع المنظمة بعد أربعة أسابيع فقط!..
الأهم من
الاحتفالات السنوية بأيام تاريخية
لسنا بصدد
النظر في مدلول الأحداث بحدّ ذاتها، ولكن يلفت النظر أنّها وسواها من الأيام
الفلسطينية، لم تعد تلقى ما هي جديرة به من الاهتمام، ولا حتى في حدود
"احتفالات للذكرى" وكلمات حماسية للحفاظ على حياة الوجدان، وليس المقصود
هنا أنّه لا يهتم بها أولئك الذين أصبح همّهم الأكبر موجّها إلى الاحتفاء بمناسبات
أخرى.. مثل المشاركة المشينة في الاحتفاء سنويا بيوم اغتيال إسحق رابين، أي رئيس
الوزراء الصهيوني الذي عرف في أرض فلسطين المحتلة بأنّه مبتكر أسلوب "تهشيم
العظام" في مواجهة الانتفاضة.
إن الذين
انسلخوا من جلهم حضاريا وتاريخيا ولبسوا جلدا آخر، ليسوا مقصودين بهذا الكلام..
ولا يهمّ أمرهم كثيرا في مستقبل القضية، فسيعفو الزمن عن ذكرهم وما يصنعون كأن لم
يكونوا..
إنّما
المقصود هنا هو ضرورة العمل على أن نحفظ أنفسنا وجيلنا المعاصر وأبناءنا من
الانزلاق بأي حال من الأحول إلى تلك الدائرة التاريخية الزائفة المنحرفة، وأن
نتجاوز في واقع ما نصنع كلَّ من يريد أن يفرض سياساته المنقطعة عن الجذور والثوابت
التاريخية والحضارية، سواء كانت ضربا من ضروب الخيانة أو المصلحة أو الاضطرار أو
الاقتناع الشاذ.. فالنتيجة في سائر تلك الحالات واحدة، وهي صناعة منعطف معيّن على المجرى
التاريخي للقضيـة في اتجاه التفريط بها، مع سائر ما ينبني على ذلك بالنسبة للمنطقة
بأسرها وأهلها والأجيال القادمة!..
يجب أن
نتجاوز هؤلاء وأن نتجاوز أيضا توظيف بعض وسائل إعلامنا، داخل بلادنا، لتشويه
تاريخنا، وليس مجهولا أنّ بعضها قد وجّه بالفعل ليوم اغتيال رابين مثلا، ما لم نجد
مثله ولا بعضا منه بمناسبة أيام أخرى في قضية فلسطين.. وهذا فضلا عن المضمون
والإخراج للحديث عن مناسبة ما، حتّى أصبح يغلب على التأمل في صفحات تاريخنا
استخدام المنظار الصهيوني والأمريكي وإقصاء منظارها العربي والإسلامي الأصيل.
والتواريخ
المذكورة آنفا أمثلة لم تشمل سائر الأيام الجديرة بالاهتمام في الوعي التاريخي
للقضية، حتى في إطار شهر واحد من تاريخها ( ونذكّر في هذا الموضع ثانية أنّ أيام
فلسطين هنا مجرد نموذج على قضايا أخرى تحت عنوان ذاكرتنا التاريخية) ويوجد المزيد
من عشرات الأيام المشابهة، التي كان لها موضع المفصل التاريخي المؤثّر في أحداث
قضية فلسطين على امتداد عشرات السنين الماضية، وتستحق التذكير بها، كما هو الحال
مع مختلف قضايانا الأخرى، ولكن ليس المقصود هنا مجرّد تعدادها، بل المقصود تأكيد
خطورة فقدان الذاكرة التاريخية.. ولا غضاضة قطعا في وصف من يتعمّد محوها من
وجداننا وفكرنا بالخيانة.. فهو بذلك كمن يمسك معولا ويهدم به أركان أي بناء مأمول
لمستقبل بلده وأمّته، وإنّ من يساعد على محوها أو لا يسعى للحيلولة دون ذلك، يساهم
في عملية الهدم تلك من حيث يريد أو لا يريد.. لا سيّما وأنّنا نتحدّث عن قضية
محورها الأساسي هو التاريخ، من عهد الكنعانيين واليبوسيين، إلى عهد المقاومة
الفدائية الإسلامية الراهنة، ومن دولة التوحيد الأولى لأنبياء رسالات التوحيد
وخاتمتها رسالة الإسلام، إلى يوم الإسراء والمعراج الذي أصبح كثير من أشكال
الاحتفالات "التقليدية" به، ينأى عمدا أو جهلا عن الربط بينه وبين قضية
فلسطين بإطارها التاريخي المعاصر!..
المدخل
التاريخي إلى مستقبل القضية
قد يصـح
قول من يقول إن العمل على تحويل مجرى الأحداث والتطوّرات بصورة حاسمة ومباشـرة
لإعادة القضية إلى أرضيتها العربية والإسلامية وإلى موقعها الأصيل من الشرعية
الدولية، دون تزييف للقيم والمقاييس الأصلية في تلك الشرعية..
وقد يصح
القول إنّ هذا العمل الواجب عسير في الوقت الحاضر، أو تنتصب دونه عراقيل كبرى..
ولكن ألا ينبغي إذن الإسهام على الأقل في العمل على إحياء الذاكرة التاريخية، قبل
أن يمضي جيل ويأتي آخر:
- لا يقرأ
عن فلسطين إلاّ باسم "إسرائيل" وربّما باسم إدارة ذاتية مقيّدة
- ولا يسمع
عن الجهاد للتحرير إلاّ تحت عنوان تطرّف وإرهاب..
- ثمّ يتحوّل صانعو المذابح في دير
ياسين وأخواتها وفي صبرا وشاتيلا ومن قبلها ومن بعدها.. إلى "أبطال
سلام" يقرأ عنهم في كتبه المدرسية ومجلاته الثقافية ويرى الأفلام عن
"أمجادهم" في فضائيات بلده وعلى الشاشة الصغيرة داخل بيته!..
لا تنقصنا
الأيام والمناسبات للانطلاق من تاريخنا في العمل من أجل استعادة وعينا والحيلولة
دون مزيد من السقوط في حاضرنا ومستقبلنا، وهذا ما تشهد عليه الأمثلة المذكورة عن
بعض تلك الأيام من شهر واحد، إنّما لا ينبغي أيضا حصر قضية الذاكرة التاريخية في
نطاق عمل موسمي يرتبط بأيام معينة والتذكير بها.. فالمهم هو ألاّ نصل في هذه
الغربة التاريخية الخطيرة إلى درجة التساؤل، كما بات يصنع كثير منّا ولا يجد
جوابا:
- متى حرّر
صلاح الدين القدس..
- أو في أي
عام فتحها عمر الفاروق..
- أو متى
استشهد القائد الفلسطيني موسى الحسيني..
- أو متى
كانت موقعة عين جالوت..
- أو متى
وقعت الثورة الكبرى ضد الانتداب البريطاني؟..
هذا ناهيك
مثلا عن حرص فريق من بني جلدتنا حرصا ملحوظا على أن يؤرّخ لمعركة يسـمّيها
"حرب رمضان" بشـهر ميلادي، وأن ينأى بحديثه عنها واحتفاله بها عن كلّ ما
يربطها برمضان.. وهي التي كان من أسباب النصر المبدئي في مطلعها معنويات الجنود
الصائمين بعد إعدادهم لها بمسحة من التربية "الجهادية"، ورمضان شهر
الجهاد لا شهر الصيام فقط!..
ثم من
الضروري التأكيد أنّ مسألة "الأيام التاريخية" ليست إلاّ مثالا على ما
ينبغي صنعه للوصول إلى الغاية الأعمّ، وهي إحياء الذاكرة التاريخية في قضية فلسطين
–وسواها- كمهمّة مصيرية لا يمكن انتظار أدائها من جانب من يساهم في التعتيم على
القضية والانحراف بها، من الغارقين.. أو المهرولين.. أو المطّبعين.. أو سوى ذلك من
النعوت التي يستخدمها في وصفهم فريق من أهل الفكر والأدب والإعلام والثقافة بأسلوب
التنديد والإدانة.. فهؤلاء غارقون في أيام أخرى، من قبيل أوسلو وما تلاها، وفي
رموز مختلفة من قبيل اغتيال رابين، وفي صناعة أحداث على دروب متشعبة من قبيل
اللقاء مع أمثال بيجن وبيريس ومن تلاهما..
ولكن ألا
ينبغي –وهذا الأهم- أن نخرج نحن الذين نأبى هذا الطريق، من الحلقة المفرغة التي
أدخلنا أنفسنا فيها واقعيا من خلال تحويل العمل "المخلص" للقضية إلى
عملية تنديد وإدانة لمن يعمل للسقوط بها على منحدر التنازلات؟!..
ألاّ ينبغي
بالذات لذلك "البعض" من أهل الفكر والإدب والإعلام والثقافة الرافضين
لمسيرة الهرولة ومنحدرات التسليم ومهازل التطبيع.. ألا ينبغي العمل بمختلف الوسائل
للحفاظ على ذاكرتنا التاريخية ونقلها حرفا بحرف، وذكرى بذكرى، وموقفا بموقف، واسما
باسم، وحدثا بحدث، إلى جيل جديد قادم، إمّا أن يربط ماضينا بمستقبلنا، ويصحّح
الاعوجاج في مسيرة قضايانا الكبرى، أو أن يسقط في هاوية سحيقة من الضياع والعجز،
وآنذاك تكون المسؤولية عن السقوط، بينه وبين من أورثه التنازلات وتبريرها بتشويه
التاريخ، وكذلك من اكتفى الآن، في اللحظة التاريخية الراهنة، بإدانة التنازلات،
وبالشكوى من تزييف التاريخ وتشويهه، وهو قادر على أداء قسط أكبر من الواجب ولم
يفعل!..