أيها المسلمون:

الحرب الصليبية تستهدف حاضِرَكُم ومستقبلكم،

فماذا أنتم فاعلون؟!..

(الرابعة)

بقلم: الدكتور محمد بسام يوسف

 

الإرهاب الصهيونيّ ومقاومة الاحتلال

من مهازل أميركة والغرب الصليبيّ، هذا النفاق والتواطؤ المفضوح مع الإرهاب الصهيوني، ودعمه ومَدِّه بعوامل البقاء والحياة، فيما يتنكّرون لكل المبادئ والقوانين الدولية والحقوق المشروعة للشعوب، التي وضعوها بأنفسهم، وكتبوها بِمِدادهم!.. ولعلّ في طليعة ذلك: حق الشعوب في مقاومة المحتلّ الغاصب، ومقاومة إرهابه وجرائمه .. وهذا النفاق لا يظهر إلا عندما يُقصَد بذلك الكيان الصهيونيّ، فعند إرهاب اليهود الصهاينة يتوقّف كل حديثٍ أميركيٍ وغربيٍ عن الإرهاب، ثم تُعكَس الحقائق، بجعل مقاومة الصهاينة إرهاباً، والإرهاب الصهيونيّ عملاً مبرَّراً لتحقيق الأمن والسلام المزعوم!.. وهذا في الواقع لا يمثّل النفاق والدليل على التلاحم المصيريّ بين اليهود والصليبيين وحسب، بل يمثّل الظلم في أشدّ درجاته، وزيف الدعاوى الغربية والأميركية التي يتشدّقون بها، عن حقوق الإنسان والديمقراطية واحترام القرارات الدولية .. وهي الأمور التي تعاكس سنّة الله في أرضه، ومَن يعاكس سنّة الله، فمصيره إلى الزوال والانهيار بإذن الله!..

لقد نصّ القرار رقم (3314) الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 14/2/1974م .. بوضوحٍ على مشروعية مقاومة الاحتلال، والأمم المتحدة فرّقت بشكلٍ لا لبس فيه، بين الإرهاب الشرّير الإجراميّ وبين مقاومة الاحتلال، من أجل الوصول إلى الحرية وتحرير الأوطان المحتَلَّة: ( إنّ النضال الوطنيّ مشروع للشعوب المحتلَّة، بما فيه الكفاح المسلّح من أجل حريّتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها)  ا.هـ

حقيقة الأمر: إنّ زرع الكيان الصهيونيّ في منطقتنا، واحتلاله أرض فلسطين، وقيامه بممارسة كل الأساليب الإرهابية الإجرامية .. لا يمكن أن يولّد إلا الرفض والمقاومة، وهذا أمر طبيعيّ أقرّته الأعراف الدولية كما وضحنا آنفاً، وهو أمر شرعي عَقَديّ دينيّ عند المسلمين. وهل يتوقع المجرمون الإرهابيون الغربيون واليهود، أن يرحّب المسلمون بالاحتلال، وباقتلاع شعبٍ مسلمٍ من أرضه، ثم إحلال مجموعاتٍ من الصهاينة القادمين من مختلف أصقاع الأرض .. مكانه؟!.. هل يرحّب أصحاب الأرض والوطن بعمليات تشريدهم وذبحهم وتعذيبهم واعتقالهم ومصادرة أملاكهم وتكسير عظامهم؟!.. وإلا فلتكُن الشعوب الأوروبية من مثل شعوب (بولندا وفرنسة وبلجيكة وسويسرة وتشيكوسلوفاكية ويوغوسلافية و ..) شعوباً إرهابية، لأنها قاومت المحتل الألمانيّ النازيّ!.. ولتكُن حركات المقاومة المنظمة المسلحة في تلك البلدان، التي قاومت الاحتلال الألمانيّ بمختلف الأشكال العنيفة وغير العنيفة .. لتكُن حركاتٍ إرهابية!.. ولتكُن حركات المقاومة الأميركية المسلّحة للاحتلال البريطانيّ التي حرّرت بلادها .. إرهابية!.. وليُدرَج اسم (جورج واشنطن) و(بنجامين فرانكلن) و(جيفرسون) .. و(شارل ديغول) .. في قوائم الإرهابيين!..

لا بدّ في هذا المقام، من تصحيح حقيقةٍ لا يزال يردّدها إعلامنا العربيّ والإسلاميّ، ويعرضها إعلاميّونا من غير تمحيصٍ أو تدقيق .. حين يقولون: (إنّ إسرائيل هي سبب الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط)!.. وهذا القول من المقولات الخطيرة التي تحمل في طيّاتها وخلفيّتها النفسية، أنّ مقاومة إسرائيل هي إرهاب إجراميّ، ومَن يمارسها إنما هو إرهابيّ مذنب مجرم، لكن سبب هذا الإرهاب الإجراميّ هو سلوك إسرائيل!.. بينما حقيقة الأمر التي ينبغي على المسلمين الانتباه إليها، هي أنّ إسرائيل كيان صهيوني مصطنَع محتل، يعتدي في احتلاله على أبسط الحقوق الإنسانية، ويمارس كل أشكال القتل والتخريب والعدوان في أرضٍ يحتلّها .. وهذه الأمور كلها تمثّل أشدّ درجات الإجرام والاعتداء، أي تمثّل -بِعُرف العالَم اليوم-: الإرهاب!.. فإسرائيل إذاً: كيان إرهابي يمارس الإرهاب بأبشع أشكاله، وهذا الإرهاب الصهيونيّ يولّد عند الذين يمارَس بحقّهم .. المقاومةَ والجهادَ، أو (الكفاحَ المسلحَ) المشروعَ الوارد ذكره في القوانين والأعراف الدولية!.. أي باختصار : إنّ مقولة: (إسرائيل هي سبب الإرهاب) ينبغي تصحيحها إلى مقولة: (إسرائيل الإرهابية هي سبب المقاومة والكفاح المسلّح الذي كفلته قوانين الأرض والسماء)!..

فالمقاومة التي يعتبرونها -زوراً- إرهاباً، مرافقة دوماً للاحتلال، وللاستيطان، وللعدوان، وللظلم، وللتمييز، ولغياب العدل والمساواة!.. وبانتهاء هذه الأمور جميعاً وإزالتها تنتهي المقاومة المشروعة، التي يسميها العالَم اليوم -زوراً وتزييفاً- بالإرهاب!..

على هذا، لو كان الغرب الصليبيّ منصِفاً -وهو أبعد ما يكون عن ذلك- وحريصاً على الأعراف الدولية -وهو ليس كذلك-، لأقرّ بأنّ العرب والمسلمين والفلسطينيين يقاومون الإرهاب الصهيونيّ ولا يمارسونه.. من جهة .. وهم بذلك يشكّلون الأداة الفعّالة لتنفيذ قرارات المجتمع الدوليّ والأمم المتحدة وما يسمى بالشرعية الدولية، في مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقلال وتقرير المصير لشعبٍ مضطَهَدٍ يحتلّ الصهاينة الإرهابيون أرضه .. من جهةٍ ثانية!.. وهذا يقودنا إلى القول: إنّ مقياس الدعاوى الأميركية والغربية بأنهم لا يحاربون الإسلام والمسلمين، بل يحاربون الإرهاب .. هو موقفهم الحقيقيّ غير المُداوِر من الإرهاب الصهيونيّ الإجراميّ!.. وهو موقف -كما رأينا- يندى له الجبين، ويُسقِط حتى (ورقة التوت) الأخيرة، التي يختبئ خلفها الأميركيون والغربيون الصليبيون المنافقون!..

الإرهاب الصهيونيّ وأزمة المصير ودعاوى السلام الزائفة !..

لا نبالغ مطلقاً إذا قلنا: إنّ الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اندلعت في عام 1987م .. وضعت الكيان الصهيونيّ عند عتبة أول أزمة مصيرٍ يمرّ بها منذ تأسيسه!.. وإنّ انتفاضة الأقصى المبارك، التي اندلعت في عام 2000م، وما تزال -بفضل الله عز وجل- مستمرّةً متأجّجةً مُسْتَعِرة .. أدخلت هذا الكيان الصهيونيّ في أتون أزمة المصير هذه بقوّةٍ وعمق، فأصبحت أزمة مصيرٍ حقيقية، وضعت اليهود الصهاينة وحلفاءهم الأميركيين والغربيين في حَيْرَةٍ وذهول، نجم عنهما تخبّط وطَيْش، ربما يؤدي إلى إشعال الحرائق في العالَم كله!.. وليست الخطط الأميركية المعلَنَة لاستخدام الأسلحة النووية بهدف حماية الكيان الصهيونيّ .. ليست بعيدةً عن هذه الرؤية!..

أزمة المصير لدى الكيان الصهيونيّ واليهود، وضعتهم أمام خياراتٍ صعبةٍ مُرّة:

1- فهل يَضُمّون الضفة الغربية وغزة بأرضهما وسكانهما إلى الكيان الصهيونيّ، ما يؤدّي إلى نشوء دولةٍ ثنائية الدين، وبالتالي سيصبح المسلمون في هذه الدولة بعد سنواتٍ قليلةٍ أغلبيةً ساحقةً، تشكّل خطراً فادحاً على وجود الكيان الصهيونيّ؟!..

2- أم يتمّ الاعتراف بدولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة، لا يضمنون أن تتحوّل خلال سنواتٍ قليلةٍ أيضاً إلى دولةٍ قويةٍ بكل عمقها الاستراتيجيّ العربيّ والإسلاميّ، تطالب بفلسطين كلها من النهر إلى البحر، وتقتلع الكيان الصهيونيّ من جذوره؟!..

3- أم يقتلعون سكّان الضفة وغزة ويهجّرونهم بشكلٍ جماعي، كما فعلوا في فلسطين (عام 1948م) عندما اقتلعوا شعبها؟!.. وهذا الأمر غير ممكنٍ على الإطلاق حتى الآن، ولا نعتقد أنهم قادرون على تحقيقه بأي حال من الأحوال ضمن المعطيات القائمة والظروف السياسية الحالية!..

انطلاقاً من هذه الحقيقة، فإنّ أزمة المصير هذه شكّلت مأزقاً حقيقياً غير مسبوقٍ للكيان الصهيونيّ، هذا المأزق يحمل في ثناياه فرصةً حقيقيةً لاقتلاع ذلك الكيان من جذوره، وهذا في الحقيقة كان مفاجئاً لليهود وحلفائهم، الذين ذُهِلوا من التطورات المتسارعة، التي يقودها شعب مسلم هو الشعب الفلسطينيّ، عبر جيلٍ خُلِقَ ونشأ خارج وطنه فلسطين، وقاد ثورةً لا سابق لها ضد الكيان الصهيونيّ، فيما كانوا يعتقدون أنّ هذا الجيل قد نسي قضيته، بعد مرور أكثر من نصف قرنٍ على اغتصاب فلسطين، وهذا ما أدى إلى البحث عن حلٍ لهذه المعضلة، للالتفاف على حقائق الواقع الجديد الذي صنعته الانتفاضتان المباركتان .. ذلك الحلّ الالتفافيّ سمي بعملية السلام!.. وهي في حقيقة الأمر عملية إنقاذٍ مقنَّنةٍ للكيان الصهيونيّ!.. لذلك فما يسمى بعملية السلام، هو أضخم مؤامرةٍ على الشعب الفلسطينيّ والقضية الفلسطينية!..

لقد حاولوا بعد اندلاع الانتفاضة الأولى، الخروج من أزمة المصير عبر اتفاقيات (أوسلو) الهزيلة، التي لم تكن في الواقع، إلا مؤامرةً كبرى لإجهاض الانتفاضة، ثم لإنقاذ الكيان الصهيونيّ .. لكن بعد أن اكتشف العرب والمسلمون (وأولهم الفلسطينيون)، زيف اتفاقيات (أوسلو)، وزيف السلام المزعوم .. اندلعت انتفاضة الأقصى المبارك، بقوّةٍ أشدّ من سابقتها، وبخبرةٍ أكبر، وتجربةٍ أعمق، وتحت شعارٍ قادرٍ على إعادة القضية الفلسطينية إلى وَهْجِها وأَلَقِها، بعد أن تآمر عليها المتآمرون، وخذلها الخاذلون، وتخلى عنها المتقاعسون المستكينون!.. فالأقصى الشريف هو ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين، وليس هناك من أمرٍ يوحّد المسلمين على قضيّتهم الأولى (قضية فلسطين) إلا الأقصى المبارك .. وهذا ما عمّق -بفضل الله عز وجل- أزمة المصير للكيان الصهيونيّ!..

 

بداية تراجع المشروع الصهيونيّ

إننا نشهد تراجعاً حقيقياً للمشروع الصهيونيّ، نتيجةً مباشرةً لأزمة المصير التي يمرّ بها، بفضل الله عز وجلّ أولاً، وبفضل التضحيات الجِسام التي يقدمها المجاهدون الفلسطينيون المسلمون ثانياً، وبفضل التماسك القويّ القائم بين أبناء الشعب الفلسطينيّ المسلم ثالثاً، الذي يتعاطف معه كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويؤيّدونه ويحاولون دعمه بكل الوسائل!..

إنّ جوهر المشروع الصهيونيّ الآخذ بالتراجع، هو:

1- التشبّث بالأرض المحتلّة، وتثبيت الواقع القائم على الأرض، وانتزاع اعترافٍ دوليٍ وغربيٍ وإسلاميٍ بهذا الواقع الاحتلاليّ الصهيونيّ.

2- تذويب الشعب العربي الفلسطيني المسلم صاحب الأرض، في بوتقة الحلول الدولية، ودعاوى السلام الخادعة المزيّفة، وتهميشه إلى أبعد الحدود.

3- الهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية، بقوّة اليهود والصليبيين الغربيين، وتواطؤ حكّام المسلمين وأنظمتهم البعيدة عن رغبات شعوبها وتطلّعاتها.

من مظاهر هذا التراجع في المشروع الصهيونيّ، ظهور اتجاهاتٍ متناقضةٍ في الكيان الصهيونيّ أولاً، وفي الغرب الصليبيّ الداعم له ثانياً:

- فمرتفعات الجولان السورية مثلاً، تحوّلت عند بعضهم، من ضرورةٍ استراتيجيةٍ ينبغي الاحتفاظ بها واستمرار احتلالها .. إلى ضرورة التضحية بها وإعادتها إلى أصحابها السوريين من أجل تحقيق ما يسمى بالسلام!..

- والفلسطينيون شعباً وتاريخاً، تحوّلت قضيتهم عند بعض الصهاينة، من إغفالٍ واستغفالٍ وعدم اعترافٍ بأنهم شعب ينبغي أن يعيش مثل باقي الشعوب، وتكون له دولة مستقلة .. إلى قضية شعبٍ حقيقيٍ له كيان وتاريخ يعترف به الصهاينة اليهود أنفسهم!.. وفي هذا لنقارن مثلاً، بين مقولة (غولدا مائير) رئيسة وزراء الصهاينة في السبعينيات: (لا أعرف شعباً اسمه الشعب الفلسطينيّ)!.. وبين المقولات الكثيرة التي تجري هذه الأيام على ألسنة الصهاينة والأميركيين والغربيين .. وحتى في أروقة مجلس الأمن الدوليّ .. بضرورة قيام دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلّة!..

هذا طبعاً لا يعني أنّ الاتجاهات الصهيونية، القائمة على الإرهاب والعنف وإلغاء الآخر وتدميره وتحطيمه .. قد انتهت، لا!.. بل هي قوية شديدة الوطأة، لكن لم تَعُد وحدها موجودة في الجانب الصهيونيّ من ساحة الصراع!.. كما لا يعني أنّ الاتجاه الصهيونيّ الذي يدّعي السعي إلى السلام، أقلّ شرّاً وعدوانيةً وعنفاً وإرهاباً وإجراماً من الاتجاه الأول .. لا أيضاً!.. وإنما الخلاف بين الاتجاهين ينصبّ على أسلوب التعامل مع الواقع القائم، الذي صنعته الانتفاضتان المباركتان الأولى والثانية!.. وفي هذا نجد أنّ (شارون) و(نتنياهو) مثلاً، يمثّلان الاتجاه الأول القائم على العنف والإرهاب والإجرام وتحطيم الآخر وتدميره وإلغائه من الوجود واستئصاله والقضاء عليه .. وأنّ (بيريز) و(رابين) المقبور، يمثّلان الاتجاه الثاني الذي يسعى إلى وضع ملامح صورةٍ جديدةٍ للصهيونية، تقوم على التعايش مع الآخر، والالتفاف على العقيدة الإسلامية وأيديولوجيّتها وثوابت قضيّتها الفلسطينية الإسلامية، التي أصبحت واقعاً قائماً فرضه المجاهدون الفلسطينيون المسلمون، بدمائهم وأرواحهم وتضحياتهم!.. فهذا الاتجاه (الثاني) يعمل جاهداً، على تحويل الكيان الصهيونيّ من نشازٍ تاريخيٍ وجسمٍ غريبٍ مرفوضٍ ملفوظ .. إلى دولةٍ طبيعيةٍ مقبولةٍ في المنطقة العربية، لأنّ القوّة لم تَعُد تُجْدي نفعاً مع ظهور الصحوة الإسلامية، التي كانت الانتفاضة الفلسطينية وفصائلها الإسلامية، أحد أبرز إفرازاتها!..

لقد اقتنع الاتجاه الثاني (بيريز-رابين)، بأنّ جوهر المشروع الصهيونيّ المكوّن من العناصر الثلاثة التي ذكرناها آنفاً .. لا يمكن أن تحققه القوّة والعنف والإرهاب، الذي بقي أسلوباً غبياً يستخدمه الاتجاه الأول (شارون-نتنياهو) .. فلا بدّ إذاً من خطةٍ خبيثةٍ تجدّد الصورة القديمة للصهيونية، وتضمن بقاء المشروع الصهيونيّ حياً .. فكانت ما سميت بعملية السلام المزعوم!.. التي هي في حقيقتها -كما ذكرنا آنفاً- عملية إنقاذٍ إسعافيةٍ للمشروع الصهيونيّ الخبيث!..

من المفيد أن نذكر هنا، بأنّ الاتجاه الإنقاذيّ السلاميّ، عُرِضَ بوضوحٍ شديدٍ في كتاب: (الشرق الأوسط الجديد) لشمعون بيريز .. وفي هذا الكتاب يعرض بيريز أطروحته للتعايش والسلام، وهو في الواقع يقوم بعملية احتيالٍ كبيرة، حين يقدّم رؤيته بشكلٍ التفافيٍ مريب: فالسلام أساسه -برأيه- سلام اقتصاديّ تنمويّ، لكن مع ذلك فهو لا يبحث أو يقدّم أي مشروعٍ اقتصاديٍ حقيقيٍ لتطوير منطقة الشرق الأوسط وتحقيق الفائدة لشعوبها، لكنه يهتم إلى درجةٍ كبيرةٍ بالمشروعات الخدمية، كالسياحة والمواصلات والطرق .. أي يهتمّ بالقشور التافهة، في عمليةٍ التفافيةٍ أقرب إلى الاحتيال منها إلى عملية التطوير والسلام الحقيقيّ!.. وغنيّ عن الذكر بأنّ المشروعات الخدمية، لا يستفيد منها إلا اليهود، إذ توفّر لهم الغطاء المناسب للدخول في عمق المجتمعات العربية والإسلامية، وللتغلغل فيها، ثم التآمر عليها وتدميرها من داخلها!..

أما الاتجاه التدميريّ الاستئصاليّ، فقد عُرِض بوضوحٍ أيضاً، في كتب (نتنياهو) مثل كتاب: (مكان تحت الشمس)، وكتاب: (حرب الإرهاب)، إذ يقدّم الإرهابيّ (نتنياهو) رؤيته الاستئصالية العنيفة، للتعامل مع العرب والمسلمين!.. ونعيد إلى الأذهان قوله (الذي عرضناه في الحلقة السابقة) في كتابه (حرب الإرهاب): (إنّ الإسلام هو عدوّ إسرائيل، وعلى إسرائيل أن تتهيأ لمحاربة الإسلام)!.. وقوله: (لا يمكن أن يقوم السلام، إلا إذا زالت إحدى الديانتين: اليهودية أو الإسلام)!.. وهو إذ يقول هذا القول، فإنما يعرضه بثقةٍ وغطرسةٍ بأنّ اليهودية هي التي ستنتصر في النهاية!.. لكننا نبشّره، بأنّ سنّة الله تقتضي أن يبقى الإسلام حياً متوهّجاً متألّقاً، وأنه سينتشر في الأرض كلها بإذن الله، وأنّ اليهودية المزيّفة الملعونة، ستزول وتُمحَق وتتلاشى إلى يوم القيامة، بعون الله وتأييده وتمكينه لدينه الذي ارتضاه للعالمين!..

يتبع إن شاء الله