الضمير الأمريكاني وقضية فلسطين ..

 

 

بقلم : سيد قطب

 

الضمير الأمريكاني واللّعبة الأمريكية

أخيراً يتكشّف ضمير (الولايات المتحدة) الذي تعلقت به أنظار كثيرة في الشرق ، وحسبته شيئاً آخر غير الضمير الإنجليزي والضمير الفرنسي ، وسائر الضمائر الأوروبية المعروفة .

أخيراً يتكشف ضمير (الولايات المتحدة) هذا ، فإذا هو - ككل شيء أمريكي آخر - (ضمير أمريكاني)

أمريكا نسخة عن أوروبا :

ولقد كان الكثيرون مخدوعين في هذا الضمير ،لأن الشرق لم يحتك طويلا ًبأمريكا ، كما احتك بإنجلترا وفرنسا وهولندا ، فلما بدأ الاحتكاك في مسألة فلسطين ، تكشّف هذا الخداع عن ذلك الضمير المدخول الذي يقامر بمصائر الشعوب ، وبحقوق بني الإنسان ، ليشتري بضعة أصوات في الانتخاب .

وكلهم سواء أولئك الغربيون : ضمير متعفن ، وحضارة زائفة ، وخدعة ضخمة اسمها (الديمقراطية) يؤمن بها المخدوعون .

تلك كانت عقيدتي في الجميع ، في الوقت الذي كان بعض الناس يحسن الظن بفريق ويسيء الظن بفريق ، وكانت أمريكا في الغالب هي التي تتمتع بحسن الظن من الكثيرين .

فها هي ذي أمريكا تتكشف للجميع ، هذا هو (ترومان) يكشف عن (الضمير الأمريكاني) في حقيقته ، فإذا هو نفسه ضمير كل غربي ، ضمير متعفن ، لا يثق به إلا المخدوعون .

إنهم جميعاً يصدرون عن مصدر واحد ، هو تلك الحضارة المادية التي لا قلب لها ولا ضمير ، تلك الحضارة التي لا تسمع إلا صوت الآلات ، ولا تتحدث إلا بلسان التجارة ، ولا تنظر إلا بعين المُرابي ، والتي تقيس الإنسانية كلها بهذه المقاييس .

كره الأمريكيين ومن يثق بهم :

كم ذا أكره أولئك الغربيين وأحتقرهم كلهم جميعاً بلا استثناء : الإنجليز ، الفرنسيون ، الهولنديون ، وأخيراً الأمريكان الذين كانوا موضع الثقة من الكثيرين.

إنها الجريمة ، تلك التي يقترفونها كل يوم في حق شعوبهم المسكينة ، جريمة التخدير والتغفيل ، وإنامة الأعصاب على الأذى ، وهدهدة الآمال الباطلة ، والأمانيّ الخادعة ، في ذلك الضمير المأفون .

جحر الأفاعي الأوروبية :

يقول نبي الإسلام الكريم - صلى الله عليه وسلم - : (لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين) ، وها نحن أولاءِ نلدغ من الجحر الواحد مرات ، ثم نعود في كل مرة إلى هذا الجحر نفسه ، مغمضي الأعين نتطلب (الشهد) من جحور الأفاعي ولا نجرب مرة واحدة أن نحطم هذه الجحور ، وأن ندوس هذه الأفاعي ، وأن ننفض عن نفوسنا ذلك الوهم الذي يقودنا المرة بعد المرة إلى تلك الجحور

إنها الجريمة ، تلك التي نعاودها مرة بعد مرة ، الجريمة في حق النفس ، والجريمة في حق الوطن ، والجريمة في حق العقيدة ، إنها الغفلة التي لا يستحق صاحبها الاحترام وهو يشهد على نفسه بالتغفيل .

غفلة الحكام والسياسيين :

ولكن من الحق أن لا نصُم الشعوب العربية بهذه الوصمة ، إن هذه الشعوب لأذكى وأشد حمِية من أن ترضى لنفسها بالهوان ، ولكنها تلك الحفنة من ساسة الجيل الماضي ببعض البلاد العربية . تلك الحفنة الرخوة المسنة الضعيفة المتهالكة ، المهدودة الأعصاب ، لا تقدر على الكفاح ، ولا تدع الشعوب تكافح ،لأن أنانيتها الأَثرة تمسكها عن الانسحاب من الميدان وتركه للقادرين

جناية المفاوضات :

هذه الحفنة من ساسة الجيل الماضي هي التي اخترعت كلمات : المفاوضات والمحادثات ، والمؤتمرات .. لماذا ؟ لأنها وسيلة سهلة لا تكلّف شيئاً ، وتضمن كراسي الحكم والسلطة فترة من الزمان ، وكلما همت الشعوب أن تسلك طريقها ، وأن تواجه المستعمرين بذاتها حال هؤلاء بينها وبين المستعمرين ، ووقفوا من دونهم يصارعون الشعوب ، وتصارعهم الشعوب ، فإذا أتعبهم الصراع مع شعوبهم راحوا يبثّون في الأمة روح الثقة بالمستعمرين ، وراحوا يشيعون الآمال الخادعة في هذا الضمير المدخول .

تلك هي القصة ، قصة الجحور والأفاعي ، قصة اللدغ المتكرر من هذه الجحور ، وإنها لمأساة ، ولكن من العدل أن نبرئ منها الشعوب العربية ، فلا تؤخذ بجريرة حفنة من الساسة .

سمات الضمير الأمريكاني :

لقد كان الكثيرون يفهمون أنه شيء آخر غير الضمير الأوروبي ، فأراد الله - ولعله لخير هذه الأمة العربية المنكوبة - أن يكشف عن ذلك الضمير .. إنه ضمير مادي ، ضمير الآلة التي لا تحس ، وضمير التاجر الذي لا يتورع ، ولا يهمه حق ، ولا عدل ، ولا حياء ، وهل تملك تلك الآلة أن تنشئ إلا ضميراً من هذا القبيل ؟

أبناء حضارة مادية :

ليست المسألة مسألة جنس ولا دولة ، فليس الأمريكان خيراً من الإنجليز ، وليس الإنجليز خيراً من الفرنسيين ، وليس الفرنسيون خيراً من الهولنديين .. كلهم أبناء حضارة واحدة ، حضارة مادية بغيضة لا قلب لها ولا ضمير ، حضارة تأخذ ولا تعطي ، وتجرح ولا تأسو ، حضارة أنانية صغيرة مهما بدت من الخارج ضخمة ذات بريق وضجيج .

إنها حضارة زائفة لأنها لم تقدم للإنسانية زاداً من الروحية ، ولم تحاول رفع الآدمية عن قانون الوحوش ، وهل تطبق هذه الحضارة مع شعوب الأرض المنكوبة إلا قانون الوحوش ؟

ثم يوجد بين أمم الشرق غافلون أو خادعون يثقون بأصحاب هذه الحضارة ، ويراودون شعوبهم على الثقة بذلك الضمير ؟ ويثبطون عزائمهم عن الجهاد الحاسم ، والكفاح المثمر في أنسب الظروف

صوت خافت هناك :

وبين ضجيج الآلات يرتفع بين آن وآخر صوت إنساني خافت في تلك الربوع ينادي بالعودة إلى الله ، كذلك الصوت الذي أرسله الكردينال (جريفان) في إنجلترا منذ أيام ، حين ألقى في كاتدرائية (وستمنيستر) عظة دينية فقال : (لقد أبعد الله عن ميثاق الأمم المتحدة ، وهذا هو السبب في أن الأمم المتحدة لم تستطع إلى اليوم أن تصبح (متحدة) فعلاً) ، (وإنه لينبغي أن يكون لله ومبادئه القائمة على الإحسان والعدالة مكان في الشؤون الدولية ، حتى تصبح الحرية حقيقة في العالم بأسرة ، ويعيش الإنسان في ظل السلام والأمن ..) .

ولكنه صوت خافت لا يُسمع في ضجيج الآلات التي تغشى على صوت الضمير ، ونغمة مبحوحة لا تُسمع بين صراخ المطامع ، وعواء الشهوات ، في ذلك العالم الهائج الشعور

طريق الخلاص وطريق الهلاك :

والآن - أيها الشرق - ماذا تريد ؟.

فأما إذا كنت تبغي الخلاص من براثن الوحش الغربي ، فهناك طريق واحد لا تتشعب فيه المسالك ، فهو أقرب طريق ، اعرِف نفسك وراجع قواك ، واستعد للصراع ، وابدأ في الكفاح ، ولا تستمع إلى صوت خادع يوسوس لك بالثقة بضمير الغرب المدخول . وأما إذا كنت تبغي الراحة مع ذلك الجيل المكدود المهدود من الساسة المترفين الناعمين ، فأمامك طرق كثيرة ذات شُعب ومسالك ، وذات منعرجات ودروب . هناك : المفاوضة ، والمحادثة ، وجس النبض واستطلاع الآراء .

وهناك الدبلوماسية الناعمة الرقيقة ، والكلمات الظريفة ، وهناك الانتظار الذي لا ينتهي ، والاستجداء الذي لا يغني . وهناك المؤتمرات الحافلة . والموائد المستديرة ، وهناك الكتب البِيض ، والكتب الزّرق ، والكتب الخُضر ، وما لا ينتهي من الطرق والمنعرجات والدروب .

الأمل والعمل :

والحمد لله - أيها الشرق - لقد تكشّف لك القناع عن آخر ضمير (الضمير الأمريكاني) الذي كانت تتعلق به الأنظار ، أنظار الغافلين والخادعين

والحمد لله - أيها الشرق - إن شمسك الجديدة في شروق ، وشمس هذا الغرب الفاجر في غروب ، وإنك تملك من الرصيد الروحي ، ومن ميراثك القديم ما لا يملكه هذا الغرب المتطاحن ، الذي يأكل بعضه بعضاً كالوحوش ، لأنه يحكّم قانون الغابة فيما يشجر بينه من شقاق لا ينتهي ، وهل ينتهي الشقاق في الغابة بين الوحوش ؟ .

إنها الفرصة السانحة - أيها الشرق - للخلاص فانفض عنك رجال الماضي الضعفاء المنهوكين ، وابرز نفسك للميدان ، فقضايا الشعوب في هذه الأيام لابد أن تعالجها الشعوب . وما قضية فلسطين إلا قضية كل شعب عربي ، بل كل شعب شرقي ، إنها الصراع بين الشرق الناهض والغرب المتوحش ، وبين شريعة الله للإنسان وشريعة الغاب للوحوش .