هيا بنا نؤمن ساعة

 

 

 

إعداد : رباب سلامة

 

 

 

كان الصحابة رضي الله عنهم يدعون بعضهم بعضاً إلى ذكر الله وتذكر الآخرة فيقول أحدهم للآخر: يا أخي هيا بنا نؤمن ساعة..

 

 

 

*  في ظلال آيات القرآن.

·   الحلال بين والحرام بين* *

·الإسلامية   * عقبات في طريق الصحوة

 رجال حول الرسول:  سلمان الفارسي رضى الله عنه.*

·*  درس الأُسبوع الصوتي

 

 

 

 

* * *

في ظلال أية

 

يقول الله تعالى : " لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. لكن الذين أتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وما عند الله خير للأبرار".

 

  حينما يتسلل الإحباط واليأس إلى نفس المؤمن وهو يرى ما عليه الكفار اليوم من التمكين في الأرض وما يملكونه من القوة والهيمنة ، وعندما يرى جيوشهم وعددهم وعتادهم، ويرى صناعاتهم وتقنيتهم فينتابه شعور بالنقص إزاء ما حققه القوم من رقي وتقدم في عالم الحضارة والمدنية ويصبح متأرجح التفكير في حاضر ماثل للعيان يجسد ضعف أمة الإسلام وهوانها بين الأمم ، تأتي هذه الآية الحكيمة كالبلسم الشافي تعيد إلى نفس المؤمن توازنها وتشعره بالعزة وتضع الأمور في نصابها في بيان حقيقة ومصير أولئك القوم ومآلهم الذين سيصيرون إليه فتتحقق له الطمأنينة ويستشعر عزة الإسلام ونعمة الإيمان التي أمتن الله بها عليه يوم أن جعله مؤمناً بالله موحداً له ومنزهاً له عن الشرك.

إنهم مهما بلغوا من الرقي ومن التطور ومهما ملكوا من الدنيا فإنه ... متاع قليل .. هكذا   سماه رب العالمين العليم الخبير .. متاع وقليل أيضا .. نعم إنه متاع إذا ما قورن بنعيم الآخرة الذي سيحرمون منه . هبهم حازوا الدنيا بأكملها جوها وبرها وبحرها وبسطوا نفوذهم على أقطارها وتنعموا بملذاتها وتمتعوا بشهواتها دونما منغصات أو كوارث ، هبهم عمروا فيها مئات السنين ! ثم ماذا بعد ذلك ؟ جهنم وبئس المهاد ! أليس إذن ما كانوا فيه إنما هو مجرد متاع قليل سرعان ما تذهب لذته وتزول شهوته .. لقد خسروا بكفرهم كل شيء ولن يغني عنهم ماهم فيه في الدنيا شيئاً يوم القيامة ، يقول تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين) ويقول تعالى :( ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). أفبعد هذا يغبطهم عاقل على ماهم فيه من التنعم ورغد العيش وماهم فيه من القوة والسيطرة والتمكين رغم ما يشوب ذلك كله من المنغصات والمكدرات ؟! وهذا ليس من قبيل الدعوة إلى الركون إلى الكسل والدعة والتخاذل عن السعي للكسب ولعمارة الأرض ولكن القصد منه رفع معنويات المؤمن وتبصيره بحقيقة الأمور وأنه أعز وأكرم عند الله وإن ناله شيء من الذل والهوان والضعف في الحياة الدنيا.

 

  إن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة وأن النعيم الحقيقي هو نعيم الجنة والفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة والنجاة من النار فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ثم تُختم الآية الكريمة بما تنشرح له نفوس المؤمنين وتسر أفئدتهم له وتزهدهم بما في أيدي أعدائهم وتزيدهم شوقاُ إلى ما عند الله والدار الآخرة وتحفزهم على العمل من أجل النعيم الحقيقي في الحياة الحقيقية فيقول تعالى : لكن الذين أتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وما عند الله خير للأبرار.

 

* * *

 

 

الحلال  بين والحرام بين

 

 

 

 

 

عن ‏النعمان بن بشير ‏ ‏قال‏ سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏وأهوى ‏ ‏النعمان ‏ ‏بإصبعيه إلى أذنيه {‏ ‏إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات ‏ ‏استبرأ ‏ ‏لدينه ‏ ‏وعرضه ‏ ‏ومن وقع في ‏ ‏الشبهات ‏ ‏وقع في الحرام كالراعي ‏ ‏يرعى حول ‏ ‏الحمى ‏ ‏يوشك أن ‏ ‏يرتع ‏ ‏فيه ألا وإن لكل ملك ‏ ‏حمى ‏ ‏ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد ‏ ‏مضغة ‏ ‏إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب }‏صحيح مسلم ,وصححه الألباني

شرح الحديث صحيح مسلم بشرح النووي
  قوله صلى الله عليه وسلم :( الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس .... إلى آخره ) ‏
  أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث , وكثرة فوائده , وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام . قال جماعة : هو ثلث الإسلام , وأن الإسلام يدور عليه , وعلى حديث : " الأعمال بالنية " , وحديث : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " . ‏
  وقال أبو داود السختياني : يدور على أربعة أحاديث : هذه الثلاثة , وحديث : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وقيل : حديث " ازهد في الدنيا يحبك الله , وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس " قال العلاء : وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها , وأنه ينبغي ترك المشتبهات , فإنه سبب لحماية دينه وعرضه , وحذرا من مواقعة الشبهات , وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى , ثم بين أهم الأمور , وهو مراعاة القلب فقال صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة ... إلى آخره ) فبين صلى الله عليه وسلم أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد , وبفساده يفسد باقيه , وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحلال بين والحرام بين ) فمعناه : أن الأشياء ثلاثة أقسام : حلال بين واضح لا يخفى حله , كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات , وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات , فيها حلال بين واضح لا شك في حله . ‏
‏وأما الحرام البين فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح , وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك . ‏
‏وأما المشتبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة , فلهذا لا يعرفها كثير من الناس , ولا يعلمون حكمها , وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك , فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة , ولم يكن فيه نص ولا إجماع , اجتهد فيه المجتهد , فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه به صار حلالا , وقد يكون غير خال عن الاحتمال البين , فيكون الورع تركه , ويكون داخلا في قوله صلى الله عليه وسلم : ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ  لدينه وعرضه ) وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه فهل يؤخذ بحله أم بحرمته أم يتوقف , فيه ثلاثة مذاهب , حكاها القاضي عياض وغيره , والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع , وفيه أربعة مذاهب : ‏
‏الأصح : أنه لا يحكم بحل ولا حرمة ولا إباحة ولا غيرها , لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع . ‏
‏والثاني : أن حكمها التحريم . ‏
‏والثالث : الإباحة . ‏
‏والرابع : التوقف . والله أعلم . ‏

‏قوله صلى الله عليه وسلم : ( فقد استبرأ لدينه وعرضه ) ‏
‏أي : حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي , وصان عرضه عن كلام الناس فيه . ‏

  قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه ) ‏
  معناه : أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم حمى يحميه عن الناس , ويمنعهم دخوله , فمن دخله أوقع به العقوبة , ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه , ولله تعالى أيضا حمى وهي محارمه , أي : المعاصي التي حرمها الله , كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة , وأكل المال بالباطل , وأشباه ذلك , فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة , ومن قاربه يوشك أن يقع فيه , فمن احتاط لنفسه لم يقاربه , ولا يتعلق بشيء يقربه من المعصية , فلا يدخل في شيء من الشبهات . ‏

  قوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ‏
  قال أهل اللغة : يقال : أصلح الشيء وفسد بفتح اللام والسين , وضمهما , والفتح أفصح وأشهر , والمضغة : القطعة من اللحم , سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها , قالوا : المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد , مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب . ‏
‏وفي هذا الحديث : تأكيد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد . واحتج بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس وفيه خلاف مشهور . ومذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنه في القلب , وقال أبو حنيفة : هو في الدماغ , وقد يقال في الرأس , وحكوا الأول أيضا عن الفلاسفة , والثاني عن الأطباء : قال المازري : واحتج القائلون ; بأنه في القلب بقوله تعالى : { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها } وقوله تعالى : { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } وبهذا الحديث , فإنه صلى الله عليه وسلم جعل صلاح الجسد وفساده تابعا للقلب , مع أن الدماغ من جملة الجسد , فيكون صلاحه وفساده تابعا للقلب , فعلم أنه ليس محلا للعقل . واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل , ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم , ولا حجة لهم في ذلك ; لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أن العقل ليس فيه , ولا امتناع من ذلك . قال المازري : لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ والقلب , وهم يجعلون بين الرأس والمعدة والدماغ اشتراكا . والله أعلم . ‏


  قوله صلى الله عليه وسلم : ( ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) ‏
‏يحتمل وجهين : ‏
  أحدهما : أنه من كثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام , وإن لم يتعمده , وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير . ‏
  والثاني : أنه يعتاد التساهل , ويتمرن عليه , ويجسر على شبهة ثم شبهة أغلظ منها , ثم أخرى أغلظ , وهكذا حتى يقع في الحرام عمدا , وهذا نحو قول السلف : المعاصي بريد الكفر , أي تسوق إليه . عافانا الله تعالى من الشر . ‏
‏قوله صلى الله عليه وسلم : ( يوشك أن يقع فيه ) ‏
‏يقال : أوشك يوشك بضم الياء وكسر الشين , أي : يسرع ويقرب . ‏
‏قوله ‏
‏: ( أتم من حديثهم وأكبر ) ‏
‏هو بالباء الموحدة , وفي كثير من النسخ بالمثلثة . والله أعلم .

 


 * * *

 

 

العقبات في طريق الصحوة الإسلامية

 

  ونريد بالصحوة الإسلامية، تلك النهضة الإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي بعد     طويل ركود  وتجلت مظاهرها في إقبال الأجيال الحاضرة على دينها، والرجوع إليه بعد أن بَعُدَتْ وأبعدت عنه.. والتي نأمل أن تتحول قريباً إلى يقظةٍ ووعي تتجاوز به السلبيات القائمة في العالم الإسلامي .. لأن الصحوة حالة مؤقتة تكون عادة بين النوم واليقظة..
  كما نريد بالجامعات الإسلامية هنا: مختلف الجامعات العربية والإسلامية عامة، ومختلف الجامعات والكليات الشرعية والدعوية خاصة، التي تنتشر في العالم كله.
  فلا بد لمثل هذه الجامعات والكليات على مختلف أسمائها ومستوياتها وأوطانها من المساهمة الجادة في تشخيص هذه العقبات الدعوية، والعمل على معالجتها والقضاء عليها.. إذ لا يخفى أثر هذه الجامعات عامة اليوم في تشكيل العقل المسلم، وإصلاح المفاهيم، وبث الوعي ، وحث الهمم..
  وإذا لم تكن الجامعات وحدها هي المسؤولة عن هذه المهمات الصعبة، إلا أنها تأتي في مقدمة المؤسسات المسؤولة عن هذه الجوانب نظراً لطبيعتها ووظيفتها..
 

  وإذا أردنا أن نصنف العقبات الدعوية التي تواجهها الدعوة الإسلامية اليوم، في إطار جامع   لها من حيث مصدرها، فيحسن بنا أن نجعلها في صنفين أساسين هما:

أ – العقبات الذاتية الداخلية: التي تأتي من قبل أبنائها أفراداً وقيادات.
ب- العقبات الخارجية: التي تأتي من قبل أعدائها أفراداً ومؤسسات ودول.

وإذا أردنا أن نصنفها من حيث طبيعتها ، فيمكننا جعلها في صنفين أساسين أيضاً هما:
أ - عقبات معنوية: كالعقبات الفكرية القائمة في المفاهيم والتصورات.
ب- عقبات مادية: كالعقبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. وما إلى ذلك.

  وسنتناول هنا في هذا المؤتمر  جملة من العقبات المادية والمعنوية، الداخلية والخارجية، على سبيل التمثيل لا الحصر.
  كما سنحاول وضع بعض المعالم العلاجية لمثل هذه العقبات، ولا سيما التي يمكن للجامعات الإسلامية أن تساهم مساهمة فعالة في معالجتها والقضاء عليها.
  

  وأود هنا قبل أن أغادر نقطة التصنيف للعقبات أن أشير إلى عدة حقائق:
1- إن العقبات الدعوية الداخلية أهم وأخطر من العقبات الدعوية الخارجية، ذلك لأنها تنخر في جسم الدعوة من الداخل، فتتمكن من الدعوة دون تنبهٍ إليها، وقد يلتبس أمرها عند كثير من الدعاة أنفسهم، فينظرون إليها نظرتهم إلى ظواهر صحية أو أمور عادية لا يلقون لها بالاً، فيسكتون عنها، بل قد يعمقونها ويرسخونها بتصرفاتهم ودعوتهم.. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!!
ولا شك في أن الخطأ الصادر عن الداعية نفسه ليس كخطأ غيره من الناس، لأن خطأ غيره قد يختص بصاحبه ولا يتجاوزه، أما خطأ الداعية في مفهوم أو منهج أو أسلوب أو وسيلة يتعدى أثره إلى الآخرين، وقد تضر نتائجه بالدعوة كلها، شعر بذلك أو لم يشعر! ومن هنا قيل : ( زَلَّةُ العالِم زَلَّةُ العالَم )، وهذا كتاب الله عز وجل يؤكد هذه الحقيقة فيقول: } يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا & وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا & يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ..{ /30-34/ الأحزاب.
2- إن من التفريط والإفراط: أن تُهمل العقبات الدعوية الداخلية، ويُركَّز على العقبات الخارجية، أو أن يُحرص على معالجة العقبات الداخلية في الوقت الذي تتجاهل فيه العقبات الخارجية، فلا بد من معالجة النوعين، والإعداد للقضاء على الشكلين – كما يؤكد على هذا أستاذنا الكبير: الشيخ محمد قطب في محاضرته لهذا المؤتمر-
3- إن الذنوب والأخطاء التي تستوجب التوبة والمراجعة، ليست محصورة في مجال الأحكام العقدية والشرعية، وإنما قد توجد في الأحكام الدعوية أيضاً، إذِ الخروج عن المفهوم الصحيح في أمر من أمور الإسلام ذنب، والانحراف عن أصول الدعوة والخروج عليها ضلال، ومجانبة المنهج الحكيم والأسلوب السليم مهما قلت خطأ.. وكل هذا يستوجب مراجعة وتوبة..
  بل إن الخطأ والذنب في جانب المنهج غالباً ما يكون أعظم إثماً، وأكبر أثراً من الخطأ والذنب في الحكم الواحد، والمسألة الشرعية الواحدة.. لأن هذا الخطأ قد ينتهي في وقته، ويتدارك أمره بسهولة، أما خطأ المنهج والأسلوب والوسيلة، فكثيراً ما تترتب عليه أخطاء عديدة، وتنتج عنه آثار وخيمة..
4- إن معالجة العقبات وتصحيح الأخطاء الدعوية ليست مسؤولية شخص أو جهة أو مؤسسة واحدة، وإنما هي مسؤولية المسلمين جميعاً أفراداً وجماعات، ومؤسسات ودول، وإذا لم تتضافر جهود هؤلاء جميعاً على معالجتها، لن يتحقق دفعها ولا رَفْعها من أمام الدعوة الإسلامية.. وإن معالجتها اليوم تُعد من أعظم أوجه البر التي يحب التعاون في سبيلها، استجابة لقول الله عز وجل } وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان {.
وإذا كانت معالجة بعض هذه العقبات فروضاً عينية تتعلق بالشخص الذي وجدت فيه، أو بجهة دعوية معينة، فإن معظمها يدخل في باب الفروض الكفائية التي يجب على المسلمين التعاون والتكاتف في سبيل علاجها، ويبقى الإثم قائماً فيها على الجميع ما لم تتحقق تلك الكفاية!!
ولعل من أبرز العقبات الدعوية الداخلية، المعنوية منها والمادية:

 
1- تحول مفهوم الدعوة الإسلامية عند كثير من الدعاة من مفهوم الدعوة الربانية الهادية، والإرث النبوي الشريف إلى مفهوم التنظيمات الحزبية والتجمعات المصلحية!
  فالدعوة إلى الله عز وجل : دعوة إلى الله أولا وأخيراً، وعمل على تحقيق مرضاته، وقيام بوظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومتابعة لهم فيها، فهي أبعد ما تكون عن أهداف التنظيمات الوضعية، وطبيعة الدعوات الأرضية..
  وقد أثرت هذه العقبة في طبيعة كثير من الدعاة ومناهجهم وأساليبهم، وحولتهم من دعاة هادين مهديين، إلى رجالات دنيا، تُسيرهم مطامعهم وطموحاتهم، وتحكمهم منافعهم ومصالحهم!!
2- تصور كثير من المسلمين أن الدعوة إلى الله وظيفة طبقة خاصة من العلماء والمتخصصين في العلوم الشرعية، فهم الذين تجب عليهم ، أما بالنسبة لغيرهم من عامة المسلمين على كثرتهم ، فهي وظيفة اختيارية، وعمل تطوعي وثانوي، يقوم به من أراد ويتركه من لا يريد !!
3- قَصْرُ بعض الدعاة مفهوم الدعوة الإسلامية على عنصر واحد أو أكثر من عناصرها، ودعوتهم إلى العمل به وحده، وإنكارهم على من يعمل بالعناصر الدعوية الأخرى..
وإذا كان مقبولاً من بعض الدعاة أن يتخصصوا في العمل بعنصر من عناصر الدعوة أو أكثر تبعاً لاستعداداتهم وإمكاناتهم وظروفهم.. فلا يقبل منهم أن ينظروا إلى العمل بالعناصر الأخرى نظرة استنكار، أو يرونه خروجاً عن طبيعة الدعوة وانحرافاً عنها!!
4- ضعف وعي كثير من الدعاة، وغفلتهم عن واقع الدعوة المعاصرة، والظروف المحيطة بها من جهة، وعدم بصيرتهم بطبيعة أعدائهم ، وأساليب مكرهم وخداعهم من جهة أخرى ، مما جعل كثيراً منهم تحركهم ا لعواطف، وتخدعهم الشعارات ،  ويقفون مواقف شتى، تجرهم في كثير من الحالات إلى الندم والتلاوم..!
5- شيوع بعض الأمراض الاجتماعية الخطيرة بين صفوف الدعاة، ولا سيما التي وصفها
r الرسول صلى الله عليه وسلم  بأنها من المهلكات: كالشح المطاع ، والهوى المتبع ، والدنيا المؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وغيرها. مما باعد بين القلوب، وفرق الصفوف، وأضاع الجهود، وأوجد كثيراً من الثغرات..
6- إهمال كثير من الدعاة ترتيب الأولويات في عملهم، وضعف موازنتهم بين الإمكانات والواجبات، وبين المفاسد والمصالح.. مما جعل بعضهم يقدم المهم على الأهم، والأَمْرَ التحسيني التكميلي على الأمر الحاجي أو الضروري، فجرَّهم ذلك إلى مفاسد هُم في غنى عنها، وأخرَّ عملية البناء والإصلاح، وأضاع كثيراً من الجهود، ووسع الخرق على الراقعين..
7- انتشار النظرة الخاطئة إلى التعددية العلمية والعملية في العمل الإسلامي ، وإساءة فهم الخلاف بين المسلمين، ومخالفة ضوابطه وقواعده وآدابه.. مما فرق بين الصفوف، وجعل من الأخوة المتعاونين أعداء متشاكسين ، وعمق في النفوس الفردية والأنانية ، وأقام الحواجز النفسية، وأشاع روح العصبية والحزبية..
8- تفرق كلمة عقلاء الأمة وحكمائها، وتوزع المسلمين بين قيادات طبيعية، وقيادات تنظيمية ، في وقت أحوج ما يكونون فيه إلى وحدة الصف، واجتماع الكلمة ولا سيما في القضايا العامة الداخلية، وفي مواجهة العقبات الخارجية..
9- تَواكلُ كثير من المسلمين عامة، والدعاة خاصة، وإهمالهم الأخذ بالأسباب المادية، وإحجامهم عن دراسة العلوم التجريبية، بعد أن كانوا أساتذة العالم فيها !! فأصبحوا عالةً على أعدائهم، في أخص خصوصياتهم، ومعظم ضرورياتهم ، إلى غير ذلك من عقبات داخلية كثيرة متنوعة..

ولعل أبرز العقبات الخارجية تتلخص فيما يلي:
1- مَكرُ الأعداء المستمر بالمسلمين، وكيدهم لهم، وتخطيطهم الدائم للقضاء على الدعوة الإسلامية.
2- تعاون الأعداء فيما بينهم، وتكاتفهم في سبيل تطبيق ذلك المَكْر، وتنفيذ تلك المخططات، وتداعيهم على المسلمين كما تتداعى الأكلة على قصعتها..
3- تنوع أساليب الأعداء في مواجهة الدعوة والدعاة، وتطورها من مواجهة صريحة مكشوفة، إلى محاولة احتواء لها ولأصحابها، إلى مخادعة واستدراج لهم إلى مواقف مقصودة.. إلى غير ذلك من أساليب متطورة..
4- قوة وسائلهم المادية، وتسخيرهم العلوم الحديثة، والتقنيات العلمية في سبيل تحقيق تلك الأهداف، فمن مراكز أبحاث ودراسات، إلى صناعات ثقيلة، وأسلحة مدمرة ، وسباق في التسلح لا يقف عند حد.. إلى عقد مؤتمرات ومعاهدات واتفاقات مع الدول الضعيفة ، إلى غير ذلك من عقبات خارجية.
وإذا كان من أبرز معالم علاج العقبات الداخلية:
الاعتراف بالأخطاء وحصرها ، وترتيب هذه العقبات، والعمل الجاد في سبيل التخلص منها، والتغلب عليها، من خلال تربية صحيحة متوازنة، تصحح المفاهيم، وتقوم الأخطاء، وتعاون وثيق بين العاملين على تحقيق ذلك..
وإذا كان من أبرز معالم معالجة العقبات الخارجية: التسلح بالتقوى والصبر الذي صرح به في القرآن الكريم بقوله: } وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط { /120/ آل عمران، وقوله: } إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين { /90/ يوسف.
  إذا كانت هذه هي المعالم الأساسية لمعالجة تلك العقبات جميعها، فَمَنْ أَوْلى من الجامعات الإسلامية، والكليات الشرعية بتحقيق هذا المطلب، إذ تعد الجامعات والكليات في مقدمة المؤسسات العلمية والثقافية والتربوية القادرة على إعادة تشكيل العقول تشكيلاً صحيحاً، بتصحيح المفاهيم، وبث الوعي وتقويم السلوك…

  ولعلنا نستطيع أن نتعرف على أبعاد هذا الدور وآلياته العملية من خلال المحاور الآتية:


1- محور تطوير المناهج التعليمية، وتحسين الخطط الدراسية، والارتقاء بها إلى مستوى يعين على تحقيق هذا الدور، لتُخرّج تلك المناهج والخطط المتطورة كوادر تعليمية وتربوية جديدة مؤهلة فاعلة في ميدان الصلاح والإصلاح..
2- محور استقطاب نخبة من الأساتذة والعلماء والمربين، الذين يجمعون بين الخبرة العلمية والعملية في مجال التربية والتعليم، في وقت غلب على معظم القائمين فيه بمهمة التدريس طابع الاسترزاق والكسب، الذي لا يؤمل من ورائه تحقيق عملية التغيير، وإحداث الإصلاح والتجديد..
3- محور توجيه البحوث العلمية والرسائل الجامعية على مختلف أنواعها، ودعمها على وجه يجعلها تسير في وجهة التجديد والإصلاح ، وترفع من مستوى الباحثين والأبحاث ، وتوظف الثروة البحثية المتنامية في خدمة هذه الأهداف – ولعل في موضوع محاضرة أخينا الأستاذ الدكتور: محمد رواس القلعه جي ما يُسلط الضوء على هذا المحور –
4- محور تطوير نظام المعلوماتية في الجامعات، على وجه يقدم المعلومة الصحيحة والمفيدة للمهتمين ، من خلال تجميع نتائج البحوث العلمية ، وخلاصة التجارب البشرية ، ووضعها بين يدي واضعي الخطط المستقبلية.. إذ يمكن للجامعات أن تقدم في هذا المحور ما لا يقدمه غيرها من مؤسسات.
5- محور إقامة الدورات التربوية لشباب الأمة، التي تَرْعى النخبة من الدارسين في الجامعات والطبقة العاملة في مجال الدعوة خارج الجامعات ، ذكوراً وإناثاً، لتحقق وظيفة الجامعة في خدمة المجتمع خدمة حقيقية – كما تساهم في ذلك حالياً كلية الشريعة ببعض هذه الدورات ، والتي بدأت تظهر ثمراتها في عدد من الشباب والشابات الحريصين والمتابعين.-
6- محور عقد المؤتمرات واللقاءات المتخصصة في مختلف الجوانب العلمية والتربوية والدعوية ، لتحقيق شورى واسعة بين الخبراء والمتخصصين – كمؤتمرنا هذا مثلاً، وما سبقه من مؤتمرات – تُطرح فيها الموضوعات المفيدة والملحة في هذا العصر، مما يحقق نوعاً من التعاون المطلوب، تشاوراً ومدارسة، وحواراً ومناقشة في سبيل تضييق دائرة الاختلاف بين العاملين، وتوسيعاً لدائرة الاتفاق فيما بينهم، وحفزاً للهمم في سبيل خطوات جادة في طريق التعاون في المتفق عليه ، مما يَصب في مصلحة معالجة مختلف العقبات..
7- محور الزيارات المتبادلة بين منسوبي الجامعات الإسلامية عامة، وكليات الشريعة خاصة، أساتذة وطلاباً وباحثين ، لتحقيق تواصل وتكامل بين الخبرات العلمية والكفاءات العملية المتباعدة .. أملاً في إحداث تأثير متبادل، وتقديم استراتيجية أفضل لمسيرة التجديد والإصلاح..
إلى غير ذلك من محاور مفيدة ، يقترحها السادة المحاضرون والحاضرون في هذا المؤتمر المبارك.. والله ولي التوفيق..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
العقبات في طريق الصحوة الإسلامية، ودور الجامعات الإسلامية في علاجها
من محاضرات المؤتمر الثامن
لكلية الشريعة بجامعة الكويت، تحت عنوان
ملامح استراتيجية المشروع الإسلامي في مطلع الألفية الثالثة

د. محمد أبو الفتح البيانوني
الأستـاذ المساعـد بقسم الفقه والأصـول
في كلية الشريعة بجامعة الكويت

 

 


رجال حول الرسول

سلمان الفارسي

الباحث عن الحقيقة

 

من بلاد فارس, يجيء البطل هذه المرة..

ومن بلاد فارس, عانق الإسلام مؤمنون كثيرون فيما بعد , فجعل منهم أفذاذا لا يلحقون في الإيمان, وفي العلم.. في الدين, وفي الدنيا..

 وإنها لإحدى روائع الإسلام وعظمائه, ألا يدخل بلدا من بلاد الله إلا ويثير في إعجاز باهر, كل نبوغها ويحرّ: كل طاقاتها, ويخرج خبأ العبقرية المستكنّة في أهلها وذويها.. فإذا الفلاسفة المسلمون.. والأطباء المسلمون.. والفقهاء المسلمون.. والفلكيون المسلمون.. والمخترعون المسلمون.. وعلماء الرياضة المسلمون..

    وإذا بهم يبزغون من كل أفق, ويطلعون من كل بلد, حتى تزدحم عصور الإسلام الأولى بعبقريات هائلة في كل مجالات العقل, والإرادة, والضمير.. أوطانهم شتى, ودينهم واحد..!!

  ولقد تنبأ الرسول عليه الصلاة السلام بهذا المد المبارك لدينه .. لا, بل وعد به وعد صدق من ربه الكبير العليم.. ولقد زوي له الزمان والمكان ذات يوم ورأى رأي العين راية الإسلام تخفق فوق مدائن الأرض , وقصور أربابها..

 

 وكان سلمان الفارسي شاهدا.. وكان له بما حدث علاقة وثقى.

  كان ذلك يوم الخندق. في السنة الخامسة للهجرة. إذ خرج نفر من زعماء اليهود قاصدين مكة, مؤلبين المشركين ومحزّبين الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  والمسلمين, متعاهدين معهم على أن يعاونوهم في حرب حاسمة تستأصل شأفة هذا الدين الجديد.

  ووضعت خطة الحرب الغادرة , على أن يهجم جيش قريش وغطفان "المدينة" من خارجها, بينما يهاجم بنو قريظة من الداخل, ومن وراء صفوف المسلمين , الذين سيقعون آنئذ بين شقّى رحى تطحنهم, وتجعلهم ذكرى..!

  وفوجئ الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوما بجيش لجب يقترب من المدينة في عدة متفوقة وعتاد مدمدم.

  وسقط في أيدي المسلمين, وكاد صوابهم يطير من هول المباغتة.

 وصوّر القرآن الموقف, فقال الله تعالى:

(إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا).

أ ربعة وعشرون ألف مقاتل تحت قيادة أبي سفيان وعيينة بن حصن يقتربون من المدينة   ليطوقوها وليبطشوا بطشتهم الحاسمة كي ينتهوا من محمد عليه الصلاة والسلام ودينه, وأصحابه..

وهذا الجيش لا يمثل قريشا وحدها.. بل ومعها كل القبائل والمصالح التي رأت في الإسلام   خطرا عليها.

  إنها محاولة أخيرة وحاسمة يقوم بها جميع أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم : أفراداً , وجماعات, وقبائل, ومصالح..

  ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب ..

  وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ليشاورهم في الأمر..

  وطبعا, أجمعوا على الدفاع والقتال.. ولكن كيف الدفاع ؟؟

  هنالك تقدم الرجل الطويل الساقين, الغزير الشعر, الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحمل له حبا عظيما, واحتراماً كبيراً.

تقدّم سلمان الفارسي وألقى من فوق هضبة عالية, نظرة فاحصة على المدينة , فألفاها   محصنة بالجبال والصخور المحيطة بها .. بيد أن هناك فجوة واسعة , ومهيأة , يستطيع الجيش أن يقتحم منها الحمى في يسر.

  وكان سلمان قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدع القتال , فتقدم للرسول صلى الله عليه وسلم بمقترحه الذي لم تعهده العرب من قبل في حروبها .. وكان عبارة عن حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة.

والله يعلم , ماذا كان المصير الذي كان ينتظر المسلمين في تلك الغزوة لو لم يحفروا الخندق الذي لم تكد قريش تراه حتى دوختها المفاجأة , وظلت قواتها جاثمة في خيامها شهرا ًوهي عاجزة عن اقتحام المدينة, حتى أرسل الله تعالى عليها ذات ليلة ريح صرصر عاتية اقتلعت خيامها, وبدّدت شملها..

  ونادى أبو سفيان في جنوده آمرا بالرحيل إلى حيث جاءوا.. فلولاً يائسة منهوكة..!!

 

* * *

 

  خلال حفر الخندق كان سلمان يأخذ مكانه مع المسلمين وهم يحفرون ويدأبون.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يحمل معوله ويضرب معهم. وفي الرقعة التي يعمل فيها سلمان مع فريقه وصحبه, اعترضت معولهم صخور عاتية..

 

كان سلمان قوي البنية شديد الأسر , وكانت ضربة واحدة من ساعده الوثيق تفلق الصخر وتنشره شظايا, ولكنه وقف أمام هذه الصخرة عاجزاً.. وتواصى عليها بمن معه جميعاً فزادتهم رهقاً ..!!

وذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يغيّروا مجرى الحفر تفادياً لتلك الصخرة العنيدة المتحدية.

  وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام مع سلمان يعاين بنفسه المكان والصخرة..

  وحين رآها دعا بمعول, وطلب من أصحابه أن يبتعدوا قليلاً عن مرمى الشظايا..

  وسمّى بالله , ورفع كلتا يديه الشريفتين القابضتين على المعول في عزم وقوة , وهوى به على الصخرة, فإذا بها تنثلم, ويخرج من ثنايا صدعها الكبير وهجاً عالياً مضيئاً.

ويقول سلمان لقد رأيته يضيء ما بين لا بتيها , أي يضيء جوانب المدينة.. وهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم مكبراً

"الله أكبر .. أعطيت مفاتيح فارس , ولقد أضاء لي منها قصور الحيرة,  ومدائن كسرى, وان أمتي ظاهرة عليها"..

ثم رفع المعول , وهوت ضربته الثانية , فتكررت الظاهرة, وبرقت الصخرة المتصدعة بوهج مضيء مرتفع , وهلل الرسول عليه الصلاة و السلام مكبراً:

"الله أكبر .. أعطيت مفاتيح الروم, ولقد أضار لي منها قصورها الحمراء, وان أمتي ظاهرة عليها".

ثم ضرب ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلامها واستسلامها, وأضاء برقها الشديد الباهر, وهلل الرسول صلى الله عليه وسلم  وهلل المسلمون معه .. وأنبأهم أنه يبصر الآن قصور سورية وصنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوماً, وصاح المسلمون في إيمان عظيم:

هذا ما وعدنا الله ورسوله.

وصدق الله ورسوله..!!

 

كان سلمان صاحب المشورة بحفر الخندق .. وكان صاحب الصخرة التي تفجرت منها بعض أسرار الغيب والمصير, حين استعان عليها برسول الله صلى الله عيه وسلم , وكان قائماً إلى جوار الرسول صلى الله عليه وسلم  يرى الضوء , ويسمع البشرى.. ولقد عاش حتى رأى البشرى حقيقة يعيشها, وواقعاً يحياه, فرأى مدائن الفرس والروم..

رأى قصور صنعاء وسوريا ومصر والعراق..

رأى جنبات الأرض كلها تهتز بالدوي المبارك الذي ينطلق من ربا المآذن العالية في كل مكان مشعا أنوار الهدى والخير..!!

 

* * *

 

   وها هو ذا, جالس هناك تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أما داره "بالمدائن" يحدث جلساءه عن مغامرته العظمى في سبيل الحقيقة, ويقص عليهم كيف غادر دين قومه الفرس إلى المسيحية, ثم إلى الإسلام..

  كيف غادر ثراء أبيه الباذخ, ورمى نفسه في أحضان الفاقة, بحثا عن خلاص عقله وروحه..!!!

كيف بيع في سوق الرقيق , وهو في طريق بحثه عن الحقيقة..؟؟

كيف التقى بالرسول عليه الصلاة والسلام.. وكيف آمن به..؟؟

تعالوا نقترب من مجلسه الجليل, ونصغ إلى النبأ الباهر الذي يرويه..

 

* * *

 

 

 [كنت رجلا من أهل أصبهان, من قرية يقال لها "جي"..

وكان أبي دهقان أرضه.

وكنت من أحب عباد الله إليه..

وقد اجتهدت في المجوسية, حتى كنت قاطن النار التي نوقدها, ولا نتركها نخبو..

وكان لأبي ضيعة, أرسلني إليها يوما, فخرجت, فمررت بكنيسة للنصارى, فسمعتهم يصلون , فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون , فأعجبني ما رأيت من صلاتهم , وقلت لنفسي هذا خير من ديننا الذي نحن عليه , فما برحتهم حتى غابت الشمس , ولا ذهبت إلي ضيعة أبي , ولا رجعت إليه حتى بعث في أثري...

 

وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم و صلاتهم عن أصل دينهم , فقالوا في الشام..

وقلت لأبي حين عدت إليه: أني مررت على قوم يصلون في كنيسة لهم فأعجبتني صلاتهم, ورأيت أن دينهم خير من ديننا..

فحاورني وحاورته.. ثم جعل في رجلي حديداً وحبسني..

وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني دخلت في دينهم وسألتهم إذا قدم عليهم ركب من الشام , أن يخبروني قبل عودتهم إليها لأرحل إلي الشام معهم , وقد فعلوا , فحطمت الحديد وخرجت , وانطلقت معهم إلي الشام..

  وهناك سألت عن عالمهم , فقيل لي هو الأسقف , صاحب الكنيسة , فأتيته وأخبرته خبري , فأقمت معه أخدم , وأصلي وأتعلم ..

  وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه , إذ كان يجمع الصدقات من الإنس ليوزعها, ثم يكتنزها لنفسه.

ثم مات..

وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه, فما رأيت رجلاً على دينهم خيراً منه, ولا أعظم منه رغبة في الآخرة, وزهدا في الدنيا ودأبا على العبادة..

وأحببته حبا ًما علمت أني أحببت أحداً مثله قبله.. فلما حضر قدره قلت له: انه قد حضرك من أمر الله تعالى ما ترى , فبم تأمرني والى من توصي بي ؟؟

قال: أي بني , ما أعرف أحدا ًمن الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل..

فلما توفي , أتيت صاحب الموصل , فأخبرته الخبر, وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم , ثم حضرته الوفاة , سألته فأمرني أن ألحق برجل في عمورية في بلاد الروم, فرحلت إليه, وأقمت معه , واصطنعت لمعاشي بقرات وغنمات..

ثم حضرته الوفاة , فقلت له: إلي من توصي بي ؟ فقال لي: يا بني ما أعرف أحدا ًعلى مثل ما كنا عليه , آمرك أن تأتيه , ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفاً.. يهاجر إلى أرض ذات نخل بين جرّتين , فان استطعت أن تخلص إليه فافعل.

  وان له آيات لا تخفى , فهو لا يأكل الصدقة .. ويقبل الهدية. وان بين كتفيه خاتم النبوة , إذا رأيته عرفته.

ومر بي ركب ذات يوم , فسألتهم عن بلادهم , فعلمت أنهم من جزيرة العرب. فقلت لهم:   أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم؟.. قالوا: نعم.

واصطحبوني معهم حتى قدموا بي وادي القرى , وهناك ظلموني , وباعوني إلى رجل من   اليهود.. وبصرت بنخل كثير , فطمعت أن تكون هذه البلدة التي وصفت لي , والتي ستكون مهاجر النبي المنتظر.. ولكنها لم تكنها.

  وأقمت عند الرجل الذي اشتراني , حتى قدم عليه يوماً رجل من يهود بني قريظة, فابتاعني منه, ثم خرج بي حتى قدمت المدينة !! فوالله ما هو إلا  أن رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وصفت لي..

  وأقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم  وحتى قدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف.

  واني لفي رأس نخلة يوماً, وصاحبي جالس تحتها إذ أقبل رجل من يهود , من بني عمه, فقال يخاطبه: قاتل الله بني قيلة اهنم ليتقاصفون على رجل بقباء , قادم من مكة يزعم أنه نبي..

  فوالله ما أن قالها حتى أخذتني العرواء , فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي!! ثم نزلت سريعا ً, أقول: ماذا تقول.؟ ما الخبر..؟

  فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة , ثم قال: مالك ولهذا..؟

أقبل على عملك..

  فأقبلت على عملي .. ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.. فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه , فقلت له: إنكم أهل حاجة وغربة , وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة , فلما ذكر لي مكانكم رأيتم أحق الناس به فجئتكم به ..

ثم وضعته , فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا باسم الله.. وأمسك هو فلم يبسط إليه يداً..

فقلت في نفسي: هذه والله واحدة .. انه لا يأكل الصدقة..!!

ثم رجعت وعدت إلي الرسول عليه الصلاة  السلام في الغداة , أحمل طعاماً, وقلت له عليه الصلاة والسلام: اني رأيتك لا تأكل الصدقة .. وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية , ووضعته بين يديه, فقال لأصحابه كلوا باسم الله..

وأكل معهم..

قلت لنفسي: هذه والله الثانية.. انه يأكل الهدية..!!

ثم رجعت فمكثت ما شاء الله , ثم أتيته, فوجدته في البقيع قد تبع جنازة , وحوله أصحابه وعليه شملتين مؤتزرا ًبواحدة , مرتدياً الأخرى, فسلمت عليه, ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره, فعرف أني أريد ذلك , فألقى بردته عن كاهله , فإذا العلامة بين كتفيه.. خاتم النبوة ,  كما وصفه لي صاحبي..

  فأكببت عليه أقبله وأبكي.. ثم دعاني عليه الصلاة والسلام فجلست بين يديه, وحدثته حديثي كما أحدثكم الآن..

ثم أسلمت.. وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد..

  وفي ذات يوم قال الرسول عليه الصلاة والسلام:" كاتب سيدك حتى يعتقك", فكاتبته, وأمر الرسول أصحابه كي يعاونوني. وحرر الله رقبتي , وعشت حراً مسلماً ,  وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق , والمشاهد كلها.

هذه القصة مذكورة في الطبقات الكبرى لابن سعد ج4.

 

* * *

 

بهذه الكلمات الو ضاء العذاب.. تحدث سلمان الفارسي عن مغامرته الزكية النبيلة العظيمة   في سبيل بحثه عن الحقيقة الدينية التي تصله بالله, وترسم له دوره في الحياة..

فأي انسان شامخ كان هذا الإنسان..؟