مرجعية الحرية

 

 

 

بقلم :سلمان بن فهد العودة

 

 

مفهوم الحرية ، يمكن أن يعني حسبما سبق : طلاقة الإرادة البشرية من القسر ، أو من هيمنة سلطةٍ عليها سواءً كانت سلطة خارجية ، أو كانت سلطة داخلية ؛ فالسلطة الخارجية قد تكون سلطة سياسية ؛ تُكمم الأفواه ، أو تملي على الناس ما يجب أن يقولوا ، و قد تكون سلطة دينية تحتكر فهم النص أو قراءته ، و تصادر حق الآخرين في ذلك ، و قد تكون سلطة اجتماعية تفرض على الأفراد الانصياع لأوامرها و قراراتها .

و نعبر عن هذه السلطات بأنها خارجية ؛ لأنها من خارج الذات ، ومع ذلك فإن هذه السلطات في الأصل لابد منها ؛ فلا يتخيل وجود مجتمع بدون سلطة سياسية كما قال الأفوه الأودي :

 

لا يَصلُحُ النَّاسُ فَوضَى لا سَراة لَهم    

ولا سَـــرَاة إذا جُــهالُــــهم سَـــادوا 

 

وكذلك مجتمع بدون هوية ، بدون دين ، بدون قاعدة لا معنى لكونه مجتمعاً ، أي مجتمع بشري لا بدّ أن يكون لديه مجموعة من الأعراف والعلاقات و الروابط ؛ المؤثرة في الضبط الاجتماعي والاستقرار الإنساني ؛ لكن المحذور أن يتحول هذا الدور إلى نوع من التسلط ، أو العدوان على حقوق الآخرين ، وهنا لابد أن نستخدم كلمة التوازن ، في معرفة الضابط بين القدْر المشروع من هذه المراقبة أو السلطة ، و بين القدْر الذي يتعدى حده ليكون عدواناً على إرادة الآخرين وحرياتهم .

هناك النوع الآخر من السلطات ، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالسلطة الذاتية وهو أن لدى الإنسان مجموعة من: الطباع ، و الأخلاق ، والركائز الجبلّية ؛ التي تؤثر في نظرته للأمور ، و قراراته ؛ كأن يكون شجاعاً ، أو متهوراً ، أو ضعيفاً متردداً ، أوحاداً ، أو ليّناً إلى غير ذلك من الخصال والطبائع المركبة في بني الإنسان ، والتي تؤثر في إرادتهم ، و تؤثر في قراراتهم ، وتؤثر في أحكامهم ، وحتى في اختياراتهم الشرعية أحياناً .

إضافة إلى العوامل البيئية ، و النفسية ، و التاريخية ، و المصلحّية ، و نستطيع أن نقول تأسيساً على هذه المسألة: أن ثمت ما يمكن أن يسمى بمرجعية الحرية على سبيل التجوز في المصطلح لا غير و تتمثل في أربعة أشياء:

 

أولاً:المرجعية النصيّة أو الشرعية، أي سلطة النص الشرعي على المؤمنين .

ثانياً: المرجعية العلمية ونعني بها العلماء المعبرين عن الشريعة ؛ كما سماهم ابن القيم - رحمه الله- في كتابه : إعلام الموقعين عن رب العالمين.

ثالثاً: السلطة السياسية.

رابعاً: السلطة الاجتماعية.

 

ففيما يتعلق بالنص ، وهو القضية الأولى ؛ فإن لكل حضارة في الدنيا أياً كانت مرجعية ً مقدسة لديها ، لا يمكن المساس بها ، قد تكون مستمدةً من قيم ، أو دين ، وقد تكون الحضارة مادية تقدس اللذة أو العقل ، أو المادة ، أو المصلحة ، أو غير ذلك .

فلا يمكن أن توجد حضارة إلا ولها مرجعية دينية ، أو ثقافية.

وفي المرجعية النصية ، فإن هوية هذه الأمة هي الإسلام ، والدين هو أهم المسلمات ، وهو اختيار أفراد الأمة ومجتمعاتها ، وحتى اختيار أقلياتها .

فإن الشعوب المفتوحة ، التي دخلت في الإسلام كالبربر أو الشعوب الأفريقية ، أو شعوب مصر ، أو الشام ، أو غيرها ذابت في الإسلام ، وتقبلته ، وآمنت به ، وحملت رسالته ، وجاهدت في سبيله.

إننا لا نعرف في تاريخ الإسلام أبداً أن شعباً ، أو حتى فرداً دخل في الإسلام بالقسر والإكراه ، وفي النص القرآني الكريم يقول الله - تعالى-: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (البقرة: من الآية256) ، فلم يُكرَه أحدٌ على الدخول في الإسلام ، بل إن من مُسلمات الدين أنه لو دخل أحدٌ في الإسلام بواسطة الضغط والإكراه فإن إسلامه لا يكون صحيحاً عند الله ؛ لأنه حينئذٍ مُكرَه ، والمكره لا تتعلق به الأحكام الشرعية ، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل:106) .

وهذه قضية لا توجد في تاريخ الأمم الأخرى ؛ ففي أسبانيا لما سقطت في يد النصارى أقاموا محاكم التفتيش للمسلمين ، ووجدت ظاهرة ( العرب المورسكيين) الذين كانوا يضطرون إلى تغيير دينهم من باب الخوف ، وتغيير أسمائهم ، ويستخْفون ويتعرضون لألوان من المصادرة والقتل والسجن ، بينما في التاريخ الإسلامي كله لم توجد مثل هذه الظاهرة ، وهذه قضية مهمة جداً تحسب لعظمة هذا الدين وعدالته ومناسبته للشعوب كلها.

فالمقصود أن دين الإسلام هو دين لكل شرائح الأمة : للعرب ، والأكراد ، والبربر ، والعجم ، والفرس ، دين لجميع الشعوب التي ذابت و تماهت و أصبحت جزءاً من الأمة الجديدة ( الأمة المسلمة ) فالدين هو المرجعية الأصلية و الهوية الأساسية لهذه الأمة.

إن الأصول في المرجعية الإسلامية الشرعية ثابتة ، و الفروع فيها اجتهادية متغيرة ، إن النص ثابت وهو القران الكريم ، و صحيح السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن التفسير محتملٌ ، ليس له قداسة النص إلا أن يكون تفسيراً قطعياً لا يحتمل الوجوه والتأويلات.

إن الشريعة ثابتة ، لكن الفقه اجتهادي ، ولذا كان للشافعي قولان ، و غيّر تلاميذ ابي حنيفة ثلثي مذهب إمامهم ، و تعددت الروايات عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة ، ولم يكونوا يخرجون بذلك عن كلمة عمر الشهيرة [ ذاك على ما قضينا ، و هذا على ما نقضي ] وقوله لأبي موسى : [ ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم هديت فيه إلى رشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم ] ، وجاء رجل للإمام أحمد بكتاب قال : سميته اختلاف العلماء ، فقال له الإمام أحمد لا تسمه اختلاف العلماء ، سمه : كتاب السعة .

فالمرجعية الشرعية ثابتة ، سواء تمثلت في النص المطلق ، أو تمثلت في القطعيات التي بُنيت على النص كقطعيات الاجتهاد ، التي توارثتها الأمة خلفاً عن سلف ، و لم يوجد حولها داخل الأمة و خاصةً علمائها و فقهائها و قرائها أي خلاف أو تعكير أو شغب .

أما المؤسسات التي تعالج ، و تنتج الحلول والبرامج من هذه النصوص ؛ فإنها تخضع للاجتهاد وليس لها القداسة ، و ليست نقيضاً للتفكير، أو البحث العلمي ، أو التطبيق الفني ، أو الإبداع الأدبي ؛ و لكنها لا تجعل هذه الآليات المتحدث عنها أهدافاً ، و إنما تجعلها وسائل لهدفٍ أسمى وهو الرقي بالأمة وتحقيق ربانيتها والتزامها ومصلحتها .

إننا نجد اليوم من يتحدث عن [الإبداع الأدبي] وكأنه نقيض لمسلمات الدين ، و يعتدي على مُسلّمات الأمة بالرواية التي تخاطب الغرائز أو تصور المجتمع على أنه مجموعة من الانحرافات والشذوذات والأخلاق الفاسدة كما نجد في رواية [ الخبز الحافي ] أو [ وليمة لأعشاب البحر] أو[ آيات شيطانية ] التي تجعل من مقدس الأمة مادة للسّخرية أو العبث .

ما معني الإبداع الأدبي إذا انفصل عن الأمة ، ولم يصب في مصلحتها أو بنائها أوتحقيق أهدافها ، بل انشق عليها ، و خرج عن نظامها و قانونها !!

كما أن المُسلّمات القطعية القائمة في هذه الأمة ؛ ليست محل جدل و اجتهاد ، و لا يمكن إنتاج ثوابت جديدة ؛ لتحقن في وريد الأمة ودمها ووجدانها .

بل المفترض في الثوابت أنها معلومة بالضرورة ولا يجوز لأحد أن يعبث بها أو يجعل ثمت هالة وحالة من الغموض ، و التردد ، و الشك حولها ، و أي نقله حضارية للأمة يفترض أن تبدأ بتجديد الثوابت لئلا يتحول الأمر إلى صراع داخلي .

إن الثوابت هي القيم والمبادئ التي يقوم عليها وجود الأمة ، و تنطلق منها حياتها العلمية والعملية والأدبية ؛ فهي أساس النظام السياسي ، وهي منطلق المناهج التعليمية ، وهي روح الخطة الإعلامية ، وهي سر اجتماع هذه الأمة ، وسر شخصياتها وأفرادها و طوائفها و شيعها و أحزابها .

إن وجود فردٍ أو أفراد لا يؤمنون بهذه المرجعية ولا يؤمنون بهوية الأمة ليس مستغرباً ؛ فإننا نجد أنه حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك المنافقون أفراداً ، أو مجموعاتٍ محدودة معزولة ، ضعيفة التأثير على مجرى الأحداث ، وكانوا يعاملون ظاهراً على أنهم أفراد من ضمن هذه الأمة ، لكن فرقٌ بين هذا وبين أن يتحول الشك في القيم والمبادئ والثوابت إلى قاعدة عامة ، و إلى خطاب عام ، و إلى حوار لا ينتهي على مرأى و مسمع من أفراد الأمة .

لو أن إنساناً كان يرفض العمل لوجود أزمة نفسية أو مشكلة أو ضعف أو تحدٍ معين فيرفض العمل ، أو يرفض الدراسة ، أو يرفض الزواج أو حتى قل يرفض الحياة و يشرع في الانتحار ؛ فإن هذه تظل حالاتٍ محدودة التأثير ، لكن لو صارت هذه الحالات مبدءاً عاماً للأمة ، ورفض الناس كلهم العمل أو الدراسة أو الزواج ، أو قام الناس بحفلةٍ جماعية لعملية انتحار شاملة ، لكان هذا كارثة مدمرة للأمة ، فإنه لا قيمة للأمة بدون حياتها ، بدون رباط الزوجية ، بدون العمل ، بدون التفكير ، بدون العلم ، بدون الدراسة .

 

السلطة الثانية: هي سلطة المجتمع ، و لا شك أن للمجتمع سلطةً لا يمكن تجاوزها من خلال مجموع العادات و الأعراف و المجريات التي تقع فيه ، ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أصّل ذلك ، وأحال إليه في بعض المواضع ؛ فإنه ترك بناء الكعبة رعاية لحال الناس وشفقة عليهم ، و منع من قتل المنافقين لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ، ومرر بعض الأشياء المرجوحة ؛ لأنها أصبحت راجحة بالنظر إلى مصلحةٍ اجتماعية عامة تتحقق للأمة من خلالها .

لكن هنا لابد من التوازن ؛ فإنه لا يعني بحالٍ من الأحوال أن يتم تجاهل كثير من المصالح الشرعية المعتبرة رعاية لحال الناس ، بحيث يكون المجتمع هو المرجعية في القضايا التي ليست من اختصاصه فليست اجتماعية بحتة ، وإنما قد تكون قضايا دينية ، أوقد تكون مصلحية لا يدرك هو أبعادها، أو قد يكون المجتمع منشقاً على نفسه ، وهنا يصبح ثمت مجال لاختيار الأفضل والأرقى وتبرز فرصة للتصحيح والاستدراك.

إن في المجتمع ما يسمى بالعادات و التقاليد ، وهي جزء من النّظام السائد في المجتمع و جزء من العرف القائم المحترم في الأصل ، فليس ما يسمى عادة أو تقليداً مذموماً بذاته أو محموداً ، بل منها ما هو صالح لأن يستمر ويدوم ؛ لأنه يبنى على مسلمات ثابتة و مستقرة ، وهذا كثير ، ومنها ما يحتاج إلى إزالة أو تعديل.

 

ففي المجتمعات الإسلامية ما هو صالح بإطلاق مثل : الترابط الاجتماعي ، وصلة الرحم ، وبر الوالدين ، وصلة القربى ، والإحسان إلى الكبار و رعايتهم ، والشفقةِ على الصغار ، والكرم والجود ، والفضائل الأخلاقية العريقة العميقة ، التي أصبحت جزءاً من معهودات المجتمع وعاداته ، وهي في الأصل ذات أصول شرعية دينية إسلامية .

وثمت أشياء صالحة في بعض الأحوال دون بعض ، فقد تصلح لظرفٍ و لا تصلح لآخر ، وقد تصلح للفقر، ولا تصلح للغنى ، وقد تصلح للأمن ، ولا تصلح للخوف ، وقد تصلح للجهل ، ولا تصلح للعلم .

وهذا باب يطول استقصاؤه ، ومثاله أنماط الكرم التي يقدمها الناس ، فتختلف من حالٍ إلى حال ، و قد يكون الكرم في الماضي لهُ تعبير و في الحاضر لهُ تعبير آخر مختلف .

ومن العادات والأعراف ما هو سيئ ، وربما يكون منابذاً للشريعة ، لكن يحتاج في الخلاص منه إلى نوع من الحصافة والحنكة والوعي ؛لئلا يتحول تغييره إلى مشكلةٍ أكبر ، أو يكون تغييره سبباً في ترسيخه و تدعيمه ، وعادة ما تكون الانقلابات غير المدروسة سبباً في نتائج عكسية .

ومن العادات والتقاليد وهو الأكثر ما يكون مزيجاً من هذا وذاك ، وقد يصعب على كثيرين تمييزه ، واستخلاص جيده من رديئه ومثاله قضية النسب ، فالنسب من حيث ثبوته سبب في صلة الرحم ومعرفة الأقارب والتوارث والتواصل إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية ، لكن هذا الأصل بُني عليه من فجر التاريخ نوع من العصبية القبلية ، التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك ظلت موجودة على مستوى الجيوش ، وعلى مستوى السلطة ، وعلى مستوى العلاقات ، وتوارثها الناس اليوم ، و أصبحت إحدى العوامل المؤثرة في انشطار المجتمع واختلافه ، أنه ينقسم إلى مجموعة من الشرائح ، والتكوينات الأسرية القائمة على أنساب متميزة ، فلم يقتصر الأمر على مجرد تعارف ، أو انتساب ، وإنما تحول إلى نوع من التعصب ، والتناحر والتنافس تضيع في حماه مسألة الكفاءة والجدارة والأفضلية ، فهنا أصبح في الأمر نوع من الالتباس ، بينما هو أصلي وصحيح ومشروع ، وبينما هو طارئ ومذموم ومنبوذ.

 

السلطة الثالثة: السلطة العلمية، و الأمر فيها لا يخلو من إشكال ، فإننا نجد تفرقاً كبيراً ، وأعداداً غفيرة من العلماء والفقهاء والقراء والمتعلمين والمتخصصين في مجال الشرعيات ، وهم لا يجمعهم كتابٌ حافظ ، ولا تضمهم مؤسسة بعينها ،بل الغالب أن كثيراً من الأقوال والآراء والاجتهادات ترجع إلى رأي خاص ، واجتهاد شخصي أكثر مما ترجع إلى اجتهاد جماعي و مدارسة عامة ، كما كان الأمر في عصر الصدر الأول حين كان عمر رضي الله عنه يجمع الصحابة إذا أشكل عليه أمر ويستشيرهم ، ولهذا كان من الكلمات الدارجة : [لو عرضت هذه المسألة على عمر لجمع لها أهل بدر] ولكن مع ذلك فإن الأمر لا يخلو من إشكال فيما يتعلق بالتعامل مع المؤسسة الدينية ، سواء كانت رسمية أو شعبية أو جماعية أو فردية ؛ فإن النفس الإنسانية ترتاح لسماع المديح ولو كان كاذباً ، و تنفر من سماع النقد و لو كان جاداً عادةً ، ولا يقمعها من هذا الارتياح إلا رادع التقوى والمراقبة لله سبحانه وتعالى والزهد في الدنيا ، ومطامعها ، فهذا الزهد يضعف مراكز الأنانية في النفس ، فتعتاد تقبل النقد ، والتصحيح ، و مثله التدريب و التعويد الذي يهون وقع هذه الأشياء و يذهب حزنها ؛ فإن الشخص الذي تعود ألا يسمع إلا الإطراء والثناء والتأييد وهز الرؤوس يصعب عليه أن يتقبل النقد أو المعارضة أو الرفض ، وهذا أمر طَبَعِي ، بل أكثر من ذلك ، فلو أن إنساناً تعود على سماع النقد عشرين سنة ، ثم فقد النقد أسبوعاً ؛ ليسمع خلاله مديحاً خالصاً محضاً ، لاحتاج بعد الأسبوع إلى استعداد جديد ، وتأهيل جديد وتدريب قاس ؛ لقبول النقد الذي ينتظره .

إننا نجد أن الولاء السياسي أو العلمي أو الدعوى ربما يأخذ أكبر من حجمه ، أو يتم التعبير عنه و تفسيره بطريقة غير دقيقة ، فهناك من ينفر من نقد من ينتسب إليهم من المشايخ ، أو العلماء أو الدعاة ، و بمجرد ما يسمع صوتاً باعتراض، ولو كان لطيفاً ؛ فإنه يُستفز للمقاومة والرد ، وقد يطلق على الخصم عبارات التصنيف والتهمة والمحاصرة ، ثم ينبري للدفاع ، ولا بأس بحرية الإنسان في الدفاع عما يعتقد ، لكن مع مراعاة أن الانهماك في الدفاع يفضي إلى نوع من المغالبة والمبالغة في الترميز ، وتكريس الصدارة بطريقةٍ لا حاجة إليها ، وربما يكون ذلك تعميقاً للانشقاق في المجتمع الإسلامي ، أو داخل الصف الدعوي والصف العلمي خصوصاً إذا كان الدفاع ينطلق من ولاءٍ راسخ، أو تبعية مطلقة .

إن التمحور حول الأشخاص بالتبعية أو الإقصاء لهو معاناة مستحكمة ، وإذا تم غض الطرف عنه في ظرف من الظروف التي مضت؛ فإن من غير الممكن أن نغض الطرف عنه الآن ، و يجب أن ندفع من جهدنا ومن عرقنا ومن حقوقنا الشخصية ومن أعصابنا لأن نعيد إلى الأمة لحمتها ووحدتها ، وأن نبعدها عن عوامل التفرقة والانشطار.

نعم ! إن إحقاق الحق ، ورد الخطأ مطلب شرعي، وحفظ مقامات الناس هو مطلب شرعي آخر ، والشريعة تتكامل ولا تتقاطع.

يجب أن يُمنح الشباب بعض الحرية في النقد ، وشيئاً من الحرية في مدى استحقاق من نسميهم ، وجدارتهم بهـذه الألقاب التي نضفيها عليهم .

نعم! نحن نطالب بتحسين لغة الحوار ، وتجاوز سلبياته ، لكن لا يجب أن نفترض المستحيل ولا أن نفترض أن القدرة على الحوار الهادئ يمكن أن تتم بين يوم وليله ، دع الناس يعبرون عن رأيهم الآن ، ثم قم أنت بالتوجيه ، وسوف يتم التدارك بعد ذلك ، وتهدأ اللغة بعدما يزول الاحتقان ، ولو إلى حد ما!

إذا كنا نحن ننتقد الحكومات والسلطات التي تضيق بالرأي الأخر ؛ فلماذا نمارس الخطأ ذاته في محافلنا ومجامعنا ومنتدياتنا وحلقاتنا وجماعاتنا ودوائرنا .

إن النقد لا يدمر الأشخاص الجديرين كما نتوهم بل هو يبنيهم ، ويزيدهم تألقاً وطموحاً وثقة ، ويثير فيهم عوامل الإبداع ، وينفض عنهم غبار التقليد والركون ، ويقضي على سلبيات العظمة الوهمية ، والكبرياء الكاذبة ، والتعالم والادعاء الذي يسرع لمن تعود ألا يسمع إلا الإطراء والمديح والتأييد.

يجب أن تتعود آذاننا على سماع نقد أولئك الذين نحبهم ، ما دام النقد ليس اتهاماً ولا تجريحاً ولاطعناً ولا سباباً ؛ فإذا تحول إلى شيء من هذا فهو اللغو الذي نعرض عنه ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص:55).

 

رابعاً: السلطة السياسية:ما نقوله في السلطة العلمية نقوله في المرجعية السياسية ؛ فإن كثيراً من الدول اليوم أصبحت ترى أن وجود ما يسمى بالمعارضة ، سواء تشكل في أحزاب أو مجموعات أو شرائح أو غيرها صار جزءاً مكملاً في المشهد السياسي ، فإذا لم توجد ؛ فإنهم يسعون في إيجادها ، ولذلك فإن النقد الهادف البعيد عن التجريح أو السباب أو التهويل أو المصادرة لا يدمر المجتمعات والدول والحكومات ،بل يزيدها شفافية ، ويعينها على تلافي النقائص والعيوب ، ويكشف عن الأدواء والأمراض التي تكبر وتنمو في جو التعميم والتعتيم والتكتيم والتكميم .

إن كثيراً من الأمراض إنما تنشأ في الظلام ، فإذا عرضت لأشعة الشمس فإنها تقتل الجراثيم ، وبذلك يعيش الناس عيشة طبيعية سوية سليمة ، ولديهم قبول للمناقشة والأخذ والرد والحوار ، وواقعية واعتدال في معارضتهم ، كما لديهم واقعية واعتدل في تأييدهم ، وقبولهم.

إن الشعوب الحرة هي الشعوب الجديرة بالبقاء والحياة القادرة على تجاوز الصعاب ، ومن الخطأ الظن بأن الحرية هي مجرد قرار ، لا ! إنها برنامج للحياة والبناء ؛ ولكن هذا القرار ، يصلح أن يكون شرارة تقدح زناد الحرية ، وتطلق صفّارة البدء ، ومن الطريف أن الجاحظ في كتاب الحيوان ، ذكر أن البلابل إذا سجنت في أقفاص فإنها لا تتناسل ولا تتوالد ، وقد التقط هذا المعنى الجميل شاعر الشام عمر أبو ريشة ، وكتب قصيدة عنوانها بلبل :

 

ألفيتـه ينثــر ألحـــــانَــه    

                  كأنمــا ينثــرُ مـِـن كبـده 

 

وإلــفُه المـــــشفـقُ ظِـلٌ لـه    

                 بـاقٍ كـمـا كـان على عهده 

 

مدلــه اللفــتـات مستوحشٌ    

                 طاوٍ جناحــيه على وجـده 

 

كم أطبقـت منقاره غصّـة    

                فمدهُ ينقــــر فـي قيـده!! 

 

أسقمه العيش علــى وفـره    

              لمـا رآه ليـس مـن كـده 

 

وأين مخضل الجنى حوله ؟    

               من زنبق الروض ومن ورده 

 

طوى المنى نوحاً و لكنمــا    

               لـم يغنـه النوحُ و لــــم يجده 

 

فعــاف دنياه ولــم يتـــخـذ    

               عشاً ولم يحمل سوى زهــده 

 

كأنه من طــول مــا مضّـه    

              من عبـث الدهـر ومـن كيـده 

 

أبى عليه الكـبر أن يورث الـ    

               أفراخ ذل القيـــد مـن بعده! 

 

لو يعلم الصــيـاد مــا صيدُه    

               لم يجعـل البلبـل في صيده! 

 

 

 

بين المساواة والعدالة:

 

الحرية والمساواة وجهان لعملة واحدة ، والإسلام سوى بين الناس في أصل خلقتهم وتكوينهم ( إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) (الحجرات: من الآية13) ، ( اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (النساء: من الآية1) وكذلك في الحساب ( أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض) (آل عمران: من الآية195) . وبعض الناس يفضل تعبير العدالة على تعبير المساواة ؛ لأن ثمت فروقاً بين الناس لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها ، ومن ذلك الفروق بين الذكر والأنثى ؛ فهناك فروق عضوية بيولوجية، وهناك فروق نفسية سيكولوجية ، فجسم المرأة غير جسم الرجل ، ونفسية المرأة غير نفسية الرجل ، وقد قرأت اليوم -ربما بالصدفة- خبرين صدرا منذ مدة :

 

الخبر الأول : يتحدث عن أن الفرق بين الرجل والمرأة أعمق مما كان يعتقد ، والمصدر وكالة إسيوشيتبرس، أن علماء أمريكيين قالوا: إن الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة أعمق مما كان يعتقد في السابق ، و أضافوا أن دراستهم أثبتت ضرورة أخذ الجنس باعتباره متغيراً أساسياً عند إجراء البحوث الطبية ، وجاء في تقرير أعده الباحثون في المعهد الطبي الأمريكي ؛ أن الاختلافات بين الذكور والإناث تصل لمستوى الخلية البشرية ؛ وقال العلماء الأمريكيون في المعهد الطبي : إن الجنس يعد من المتغيرات البشرية الأساسية المهمة ، التي يتوجّب أخذها بعين الاعتبار عند تصميم و تحليل الدراسات في جميع المناطق ، وعلى جميع المستويات الطبية والصحية المتعلقة بالبحوث ، وكان الباحثون الطبيّون في الماضي يفترضون أن الاختلافات بين الرجل والنساء تقتصر على أجهزتهم التناسلية فحسب ، وفيما عدا ذلك لا يوجد أي تباينات في استجابتهم للعقاقير الطبية المختلفة ، وقال هؤلاء في تقرير أعدوه تحت اسم استكشاف الإسهامات البيولوجية في الصحة البشرية : هل للجنس أي تأثير ؟

إن هيئة العلماء ترى أن الاختلافات بين الجنسين تصل لمستوى الخلية البشرية ، إذ يختلف الرجال عن النساء في أنماط مرضهم ، وفي دورات حياتهم ، ويرى التقرير أن هناك اختلافاً في تعرض كلا الجنسين للأمراض؛ كما أن أفراد الجنسين يعتمدون على أساليب مختلفة لحفظ الطاقة ، وتمتد الاختلافات إلى عمليات الأيض ، أو ما يسمى بالتمثيل الغذائي المتصل ببناء البروتوبلازما ، ويعتقد العلماء أن هذه الاختلافات من شأنها أن تحدث فرقاً في استجابة الذكور والإناث للعقاقير المختلفة ؛ بل يدعوا الباحثون إلى إجراء مزيد من البحوث ؛ لمعرفة كيفية استجابة الجنسين للأمراض والعقاقير ، و إلى تصميم برامج بحثية ، تأخذ هذه الفروق بعين الاعتبار ، وقالت الهيئة: يجب أن تصمم الدراسات بحيث يمكن تحليل نتائجها وفقاً للجنس ، ويجب ذكر جنس الأشخاص الذين تجرى عليهم التجارب والبحوث والدراسات ، هذا بالإضافة إلى وجوب احتواء البحوث والدراسات العلمية على معلومات تتعلق بحالة الدورة الشهرية للنساء اللواتي تشملهن البحوث والدراسات .

 

الخبر الثاني : عن دراسة عسكرية بريطانية أثبتت أن عدد المصابات من المجندات البريطانيات في الجيش أثناء التدريب زادت أكثر من الضعف بعد تطبيق سياسة المساواة بين الجنسين في التدريب ، وتوصلوا إلى أن المجندات يتعرضن لمخاطر كبيرة بعد تطبيق السياسة الأخيرة ، وذلك بعد أن عقدوا مقارنة بين الأسلوب المتبع قبل تطبيق النظام بالمساواة وبعده ، وذكرت الدراسة التي نشرتها مجلة الجمعية الطبية الملكية في بريطانيا ؛ أنه بعد تطبيق النظام بقيت نسبة التسريح الطبي ـ بسبب إصابات مثل: الكسور ، وآلام الظهر، والتهابات الأوتار ـ بين الرجال أقل من 1.5% ، بينما ارتفعت عند النساء إلى نسبة 11% وزيادة ، بعد أن كانت 4.5% فقط ، وقال المقدم طبيب ( بيمين) الذي أشرف على الدراسة: إن الفروق في حجم عظم النساء وكتلة العضل ؛ يجعل الضغط أكبر على الهيكل العظمي للمرأة بنسبة تتراوح بين ( 33 - 39% ) عما هو عند الرجال أثناء التدريب ، ودرس الباحثون حالات إنهاء الخدمة لأسباب طبية بين 5690 رجل ، وبين 790 امرأة تم تجنيدهم ، وبناء عليه خرجوا بهذه النتيجة .

فلا يمكن تصور مساواة مطلقة بين الرجل والمرأة ، لكن لا يعني هذا أن الإسلام يقوم بالتمييز لصالح الرجل ضد المرأة ، إن ثمت أشياء يميز الإسلام فيها لصالح الرجل ، وثمت أشياء أخرى يميز الإسلام فيها لصالح المرأة ، وقسم ثالث أبرم الإسلام فيه عقد المساواة التامة بين الجنسين ، وعلى سبيل المثال فيما يتعلق بالحقوق حقوق الأبوين ؛ فالإسلام أوصى بالأم ثلاثاً ، بينما أوصى بالأب مرة واحدة ( أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك) ؛ فهذا تمييز لصالح المرأة ، وقدم الله الإناث في غير موضع (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)(الشورى: من الآية49) وقال : (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)(البقرة: من الآية187) ، و هناك مساواة في حالات كثيرة ، مثل ما نجد في الميراث ؛ أن ثمت حالات ترث المرأة فيها مثل الرجل، فالأخوة لأم، ذكرهم وأنثاهم سواء ، وهناك حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل باعتبار نوع القرابة مع المتوفى ، وهكذا قال سبحانه : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(البقرة: من الآية228) ، وفي الحديث ( النساء شقائق الرجال ) .

والإسلام وضع هذا ضمن إطارٍ عام وتنظيم عام ، لا يمكن أخذ هذه الجزئية إلا بالنظر إلى جوانب أخرى في النظام الإسلامي فيما يتعلق بـ :

- من الذي يدفع المهر؟

- من هو الذي يتولى الأنفاق ؟

- ما هي مسئوليات الرجل ؟

- ما هي مسئوليات المرأة ؟

ويبقى أن الإسلام جعل للرجال على النساء درجة ، وأعطى القوامة للرجل زوجاً كان أو أباً ، وفضل جنس الرجال على جنس النساء ، وهذه شريعة واضحة لا لبس فيها ، ولا يمنعنا من تقريرها سوء استخدام بعض الرجال لها.

حينما نتكلم عن جانب النقص في المرأة ( ناقصات عقل ودين ) نذكر أن هذا ليس سباباً أو سخرية أو تنقصاً أو استهزاء بالمرأة كما يفعله بعض الرجال اليوم حينما يستدلون بهذا الحديث في مجال المغالبة والتحقير ، بل كان في مقام الثناء والإطراء ؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول للنساء : ( ما رأيت من ناقصات عقل ودين ؛ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ) فالمقام مقام تقرير قدرة المرأة على التأثير على الرجل ، وسلب عقله ، وشدة الجاذبية له ، وهذا جزء من الاختلاف العضوي والنفسي الذي يميز المرأة بحسب المهمات المنوطة بها.

ومع أنه قال : ( ناقصات عقل ودين ) فقد حدد النقص ـ لئلا تذهب فيه أهواء الرجل ـ بأن المرأة إذا حاضت لم تُصل ولم تصم ، وهذا أمر مُسلّم ، وكذلك هي لا تأثم على هذا ولا تؤاخذ به ، بل لو احتسبت ذلك لأجرت عليه ، وأيضاً أن شهادتها بشهادة رجلين في القضايا ، التي لا تدري فيها كما يدري الرجل ؛ بينما القضايا التي تخصها كالشهادة - مثلاً- على الرضاع ، أو الشهادة على البكارة تقبل فيه شهادة المرأة بما لا تقبل فيها شهادة الرجل ، وتقبل فيه شهادة امرأة واحدة ، زد على ذلك ؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على كمال بعض النساء ( كمل من النساء أربع ، وذكر مريم ، و آسية امرأة فرعون ، وفاطمة ، وخديجة ) ؛ فأشار إلى كمالهن ، ومن المعلوم أن كمالهن لا يعني أن الواحدة منهن لم تكن تحيض ـ مثلاً ـ لكن لها كمال ووفور في عقلها وفي شخصيتها وفي نظرها وفي سداد رأيها ، وفي غير ذلك ، فالنقص المثبت ليس نقصاً من كل وجه ، بل نقص بمعيار خاص .

وكما أن المساواة أو العدالة ؛ نظام شرعي ، فهي نظام قدري ؛ فإننا نجد في أصل الحياة والوجود أن العمر الذي يعيشه الإنسان ، مرتبط بالكثرة العددية للبشر ؛ فيومَ كان الناس قليلاً عديدهم ،كانوا يعيشون سنين طويلة ألف سنة وأكثر من ذلك ، ولما زادت نسبة وجود البشر على ظهر الأرض قلت أعمارهم ، وهذا يرجع إلى حكمة إلهية ربانية في التوازن ، ولو ظل الناس أحياء كلهم على هذا لحالوا دون مجيء الأجيال الجديدة ، فالذي يموت إنما يدع الفرصة للأجيال التي تأتي بعده , يموت قوم ليخلفهم آخرون .