الاعلام العربي ودوره في الحرب النفسية الامريكية!
بقلم : طارق مصاورة
بعد المؤتمر الصحافي لوزير الدفاع الامريكي،
ورئيس اركانه فانه يجدر بصحفنا العربية وفضائياتنا ان تتوقف عن التحطيب في الجبال
الامريكية والبريطانية، وان تتمهل في متابعتها لانباء الحشود حول العراق، ونشرها
لسيناريوهات الهجوم العسكري المتوقع، والتصريحات المحرفة.. وان تدرك انها تتعامل
مع الحرب النفسية التي تشنها واشنطن.. بداية من المنشورات التي تلقيها علي جنوب
العراق الي مسرحية المناورات الكومبيوترية في قطر، الي حجم الجيش الامريكي المرابط
في الخليج، وحجم الاحتياطي المستدعي للخدمة، والي حجم المشاركة البريطانية.. الي
دور تركيا، فهذا الذي تنشره وسائل الاعلام العربية لاعلاقة له بما يجري فعلا علي
ارض الصراع ذاتها!
لقد بدا الوزير رامسفيلد في مؤتمره الصحافي
المشار اليه اشبه ما يكون بالحمامة الوديعة.. وخاصة في تأكيده المستمر علي ان
الحشود العسكرية الامريكية تستهدف الضغط علي النظام العراقي وان وزارته لم تستدع
الاحتياطي وانما كانت تنبه الي امكانية دعوته. وان وجود حاملة طائرات في مياه
اليابان لا يعني بالضرورة انها سترابط في الخليج، وان منتصف شهرشباط ليس موعدا
لبدء العمليات العسكرية، لان التقريرالمنوط بلجان التفتيش له موعد هو 27 شباط..
وان الاستعدادات العسكرية لن تكون متكاملة في شباط.
لقد نشرت احدي الصحف الاردنية سيناريو للحرب
تحت عنوان خطة امريكية ـ بريطانية لغزو العراق من البحر، يمكن اعتباره النموذج
الامثل للحرب النفسية التي تشنها الولايات المتحدة علي المواطن العربي، ومعنوياته
وصموده النفسي قبل الحملة علي العراق وهذه ابرز ملامح السيناريو:
أ ـ يرجع مراقبون ان تشن الولايات المتحدة
الحرب علي العراق في شهر شباط القادم.
وقد تحدثت تقارير وتسريبات صحافية عن حرب
خاطفة مدعومة بقصف جوي كثيف، وفرض حصار علي بغداد.. ومعظمها ذهب الي توقع حرب لا
تتجاوز اليومين فقط (هكذا) !! وتتوقع مصادر اخري ان تدوم الحرب اربعة ايام!!
ب ـ يقول محررون عسكريون ان تكتيك تحركات
الدبابات من الكويت الي بغداد سيجعل الدبابات تقف علي مشارف بغداد في غصون 24
ساعة.
ج ـ تستشهد الصحيفة بباحث مصري اسمه د. محمد
عبد السلام ان المؤشرالحقيقي هو نقل حاملتي طائرات اضافيتين الي المنطقة والباحث
يستدل علي ذلك بما ذكرته صحيفة واشنطن بوست بان الحاملتين موجودتان الان في
المنطقة ـ لا يوجد غيرها ـ وهاري ترومان في البحرالمتوسط ! اما الثالثة والرابعة ـ
غير الموجودتين ـ فهما كيتي هوك المستقرة حاليا في يوكوسوكو باليابان.. اما
الرابعة فنسي الباحث أي شيء عنها!
د ـ ويضع الخبير المصري سيناريو الهجوم من
عنده وليس نقلا عن أي مصدر امريكي او بريطاني، فيتوقع ان تستهل امريكا الحرب بهجوم
جوي مكثف ربما يستغرق شهرا كاملا ـ وليس يومين ـ وخلال الشهرـ كما يقول الباحث ـ
يكون الجيش الامريكي قد استكمل نقل الذخائر من مخازنه في المنطقة ويغطس بعد ذلك في
الارقام عن مخازن العديد في قطر وفي جيبوتي.. ثم يستعرض عدد الطائرات في المنطقة،
وهذه ارقام واسماء لها علاقة بخلق قناعات مؤثرة عند القاريء، وليس من المفروض ان
يكون لها علاقة بالهجوم علي العراق فهناك قوة امريكية في جيبوتي مثلا، لكنها قوة
لها علاقة بمراقبة نشاطات معينة في الصومال وهي محدودة بالف رجل.
لقد اخترنا خبرا واحدا نشر في صحيفة اردنية:
الموصل اولا وزحف بالدبابات السيناريو المنشور، وان الزحف سيقتصر علي البصرة وحدها
ـ وكالات الانباء ودون ذكر لهذه العواصم او لوكالات الانباء، وهنا نتوقف عند
القاريء العربي البسيط وهو يمر علي العناوين المثيرة، ويقرأ الارقام ويتوقف عند
حرب لا تستغرق اكثرمن يومين، او اربعة ايام علي ابعد تقدير، افلا يسأل نفسه بعدها
: وما الفائدة من الانتصار للعراق اذا كان العراق سينهار في يومين او اربعة ؟! ما
فائدة مظاهرة في شوارع عمان تشجب العدوان اذا كانت المظاهرات ستحدث في واشنطن
ولندن ايضا ؟!
منذ اشهر والمواطن العربي يري صورالطائرات
الامريكية وهي تقلع، وتتزود بالذخائر وتقصف علي شاشات التلفزيونات، والصحف
والمجلات، ومنذ اشهر المحللون والباحثون ينذرون العربي، قبل العراقي، بالويل
والثبور وعظائم الامور اذا لم ينصع العراق للمقررات الدولية ثم بعد ذلك يتساءل
الاذكياء : واين الشارع العربي ؟ ماالذي حدث للشارع العربي ؟ لماذا لا يثور كما
كان يثور في الستينات ؟
لقد لاحظ احد زملائنا الصحافيين من غير
الخبراء او الباحثين بعد زيارة قصيرة لبغداد، ان الناس هناك هم اقل توترا وقلقا من
الناس في عمان، وانهم يباشرون حياتهم اليومية كالعادة ويقول الزميل: ان العراقيين
مروا بحربين هائلتين وخرجوا منهما بجراح غائرة، واوجاع مؤلمة.
وهم الان يصلون اكثر، ويستعدون اكثر..لكنهم
غيرخائفين، وارادة الحياة عندهم قوية، ربما لانهم اعتادوا.. وربما لان الفضائيات
والصحف العربية لاتصلهم، وانهم لم يشاهدوا او يقرأوا سيناريوهات الحرب التي
نشاهدها ونقرأها نحن هنا او في الوطن العربي.
ان المال الذي يدفعه العربي الفقير من جيبه
لكلفة عشرات الصحف، وعشرات الفضائيات والارضيات، والاذاعات، يكفي وحده لخلق قوي
عربية حقيقية في التعليم، والاستثمارالصناعي والزراعي، والثقافة، والعسكرية،
والصحة، وهذه الملايين الكثيرة تقوم الان بدور لا تستطيع ماكنة الاعلام المعادي
الامريكية او البريطانية ايصاله الي المواطن العربي.
لقد لاحظ المشاهدون والقراء العرب للمؤتمر
الصحافي الذي عقده وزير الدفاع الامريكي ورئيس هيئة الاركان المشتركة، ان هناك
تهدئة في لهجة صقور الادارة، وان هناك تأكيدا بان الحشود العسكرية هي ضغوط علي
النظام العراقي وان اسقاط طائرة التجسس الامريكية فوق الجنوب العراقي ليس جديدا،
فقد تم اسقاط طائرة .. وربما اكثر ولكن سقوط هذه الطائرة بنيران مقاتلة عراقية
خرقت منطقة الحظر الجوي هو الجديد فقط .. وان الاحتياطي لم يتم استدعاؤه وانما
تنبيهه.. لكن هذه التهدئة من صقر الصقور في الاداره الامريكية لا يشابه تصريحات
اية الله الحكيم من طهران الذي حدد موعد الهجوم الامريكي بمنتصف شباط القادم، ووزع
دور قوات بدر المنتشرة في ايران وفي العراق، وحدد الوقت الذي تبقي فيه القوات
الامريكية المجتاحة بالفترة القصيرة !
وفيما يكتب توماس فريدمان في مقاله الاخير
بان الولايات المتحدة لم تستعد تماما للحرب والتحكم بنتائجها، وانها بحاجة الي
مزيد من الادلة لاقناع حلفائها وان هناك رفضا عربيا واسلاميا واوروبيا لها وان
تجنب الحرب مازال قائما فان هناك صحيفة اردنية وعربية تحاول اقناعنا بان الهجوم
علي العراق يحتاج الي يومين فقط او اربعة ايام علي ابعد تقدير حسب سيناريو سربته اوساط
صحافية وان هناك خبيرا استراتيجيا مصريا يتوقع ان الهجوم سيبدأ من البصرة وقد
تستغرق تشكيله الدبابات المهاجمة 24 ساعة للوصول الي بغداد .
ان نشر الصحف او بعضها في العالم العربي لبعض
مقالات الاشفاق علي العراق ونقل ذلك في الفضائيات لا يعني ان دور وسائل الاعلام
العربي يمكن ان يكون مختلفا وانه يمكن ان يخرج عن مهمته كموزع مثالي للحرب النفسية
التي تشنها واشنطن ولندن علي العرب.
فللاشفاق علي العراق دور مكمل في الحرب
النفسية، لانه يفترض ان العراق انتهي تحت جنازير الدبابات، وان مدن العراق تهدمت
وان هناك مليون عراقي سيغادرون وطنهم، وان الامم المتحدة رصدت 37 مليون دولار
لانقاذ العراقيين من ويلات الدمار.. وان وحدة العراق التي تحرص عليها قمة التعاون
الخليجي ستقع بين الطوائف والاعراق الشيعية والسنية.. العربية والكردية
والتركمانية، المسلمة والمسيحية وان الديمقراطية المنتظرة في عهد ما بعد صدام حسين
هي ديمقراطية جيدة، لكنها ـ طال عمرك ـ ستؤثر علي عاداتنا وتقاليدنا وديننا .. ثم
انها ستكون بيد الابتزاز الامريكي لاموالنا !!
الاعلام العربي ؟ بوعي او بدون وعي، يقوم
الان بدور الوكيل للحرب النفسية التي تشنها واشنطن ولندن علي المنطقة واذا كانت
هناك استثناءات صحافية، واذا كان هناك صحافيون ملتزمون يقضايا امتهم ويرون المأساة
بام اعينهم.. وينبهون، فان الاستثناء لا يلغي القاعدة وانما يؤكدها.
ان ادامة السحجة الاعلامية العربية في خدمة
السيد الامريكي والبريطاني كل هذه الاشهر اصبحت صعبة، وتزداد صعوبة كلما حاولت
الادارة الامريكية تهدئة التوتر والتهديدات العسكرية وكلما ازداد الرفض الدولي
الرسمي والشعبي للحرب. ولذلك فان مراقبة الدورالاعلامي العربي في الحرب النفسية
التي تشنها واشنطن ولندن علي العراق وعلي المنطقة، مهمة جدا لانها المؤشرعلي
الخطوة الامريكية البريطانية المقبلة، واغلب الظن، والاقرب ان التهدئة التي حاول
فيها وزير الدفاع الامريكي اشاعتها في مؤتمره الصحافي ليست من باب هبة حارة وهبة
باردة في اللعبة السياسية ـ العسكرية وانما هي انعطافة ستحاول الادارة ان تقوم بها
بطريقة تحفظ ماء الوجه، وقد يكون قصف منطقة معينة في العراق، من باب تدمير مخزن
اسلحة الدمار الشامل هو المخرج..