''2003م'' عام القوة العسكرية والمزيد من الازمات

 

 

 

بقلم : فؤاد دبور

 

   

ان العبور من عام الى آخر، لا يشكل لحظة فارقة، بل انتقال للاحداث لتصب في مجرى الزمن، حيث تتراكم الازمات والوقائع والمشاهد، فها هو عام 2002م يدخل في ملفات التاريخ الماضي، ويتصدر عام 2003 التاريخ الحاضر، وما زالت المنطقة العربية، ومعها العالم، تعيش في ظل تحديات متفجرة خطيرة مستمرة، فالحرب العدوانية المحتملة على العراق وشعبه وبالتالي على المنطقة بأسرها، لا تزال اخطارها قائمة بل تزداد احتمالاتها، عبر مظاهر تعزيز الحشود العسكرية الامريكية والبريطانية وانتشارها في المناطق الغربية من العراق برا وبحرا وجوا، رغم صدور قرار مجلس الامن الدولي رقم ،1441 وقبول العراق بهذا القرار وعودة المفتشين الدوليين للقيام بمهام التفتيش عن اسلحة دمار شامل مزعومة دون عوائق، كما ان حرب الابادة الدموية البشعة التي يشنها قادة الكيان الصهيوني على الشعب العربي الفلسطيني الاعزل، تزداد شراسة ودموية يوما بعد آخر، والافاق مغلقة امام المبادرات والرهانات على مشاريع التسوية وما يسمى بخارطة الطريق، والتي ترسم خطوطها بدماء الابرياء من ابناء الشعب العربي الفلسطيني ليتم تعديلها وتأجيلها وفقا لرغبات شارون وعصابته الصهيونية وها هي تهديدات قادة الكيان الصهيوني لسورية ولبنان والعديد من اقطار الوطن العربي تتواتر وتتصاعد حتى وصل الامر بالارهابي شارون ومن يدورون في فلكه من الارهابيين العنصريين حد اتهام سورية باخفاء اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة في اراضيها، في رسالة تحريضية واضحة ومكشوفة الابعاد، اما ليبرمان فقد فاق سيده بالتطرف حيث ضمن بيانه الانتخابي المطالبة بشن غارات مكثفة على جنوب لبنان وضرب مناطق حساسة في دمشق واعتبار مصر دولة معادية للكيان الصهيوني، ويتسابق الصهاينة على المطالبة بتوجيه ضربات عسكرية قاسية الى العديد من الاقطار العربية والاسلامية مثل المملكة العربية السعودية وايران وغيرها، ولم تسلم المقدسات الاسلامية من حقد الصهاينة وعنصريتهم، وقضية »الارهاب« ومفهومه الذي تحتكر الادارة الامريكية وحدها تحديده، حيث تخلط بين الارهاب الحقيقي المرفوض عربيا واسلاميا وبين الحق المشروع في مقاومة الاحتلال والظلم والاستبداد، وتحاول الصاقه بعرب ومسلمين فما زالت الحرب عليه دائرة، حيث يشتد الصراع وتتصاعد المواجهة في افغانستان واليمن وغيرها من الاقطار الافريقية وجنوب شرق اسيا، وبالامس فقط تم اغتيال ثلاثة من الاطباء الامريكيين في اليمن واغتيال الامين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليميني جادالله عمر، وهذه الاغتيالات مرفوضة ومدانة ولكنها وقعت عام ،2002 وسوف تقع عام 2003م ما دامت الادارة الامريكية تأخذ على عاتقها منفردة حل المشاكل الدولية بعامة ومشاكل المنطقة العربية بخاصة بالقوة استنادا الى رؤيتها ومصالحها، ومصالح حلفائها الصهاينة وكيانهم، وتؤكد، عبر مواقفها المعلنة، على ان المقاومة العربية في فلسطين ولبنان والجولان ضد الاحتلال ارهاب، وارهاب »الدولة« المنظم الذي يمارسه قادة الكيان الصهيوني دفاع عن النفس، كما انها تنظر بعين الاعتيار الى الجهود التي تبذلها العديد من الدول العربية لمقاومة ومكافحة الارهاب الحقيقي.

يأتي عام ،2003 ومنطقتنا العربية من اكثر مناطق العالم تفجرا وعرضة لاعمال عسكرية، حيث تشهد المنطقة سباقا محموما ومكثفا بين الحلول السياسية والعسكرية، ونعتقد بان فرص الحرب سوف تتغلب على فرص الحلول السياسية في العام الجديد، وذلك بفعل نفوذ اللوبي الصهيوني واعوانه وتأثيرهم على صناع القرار في الادارة الامريكية والكونجرس والبنتاجون.

فالغزو العسكري للعراق، الذي ترتب له الادارة الامريكية وحليفها البريطاني قد اصبح مرجحا، ان لم نقل مؤكدا، في ظل التصريحات العدائية وفي ظل التهيئة والاستعداد على الارض والساحة الدولية، حيث اتخذ مجلس الامن قرارا بأغلبية عظمى بالامس القريب بتشديد الحصار على العراق عبر وضع مجموعة كبيرة اخرى من المواد المحظورة على العراق استيرادها دون موافقة الجهات الدولية المختصة مما يشكل مزيدا من المعاناة على شعب العراق، بدلا من الاتجاه للتخفيف استنادا الى انتفاء اسبابه المزعومة، حيث لم تعثر فرق التفتيش على اي شيء يتطلب تشديد الحصار، مما يعني ان كل المؤشرات تدل على نوايا الادارة الامريكية بتوجيه ضربة عسكرية للعراق في الاشهر الاولى من العام الجديد لتحقيق اغراضها من الحرب في السيطرة على مخزون العراق من النفط والتحكم باقتصاد وصناعات العالم مما يتيح لها اتباع شهيتها واطماعها في السيطرة على هذا العالم.

هذا اضافة الى تصفية القضية الفلسطينية وفرض حل للصراع العربي - الصهيوني على حساب العرب، سيما ان كل الدلائل تشير الى ان المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني مستمرة، رغم كل ما يمارسه شارون وعصاباته من قتل وبطش وتدمير، والمؤشرات واستطلاعات الرأي في الكيان الصهيوني توضح بما لا يدع مجالا للشك على اتجاه الناخبين في هذا الكيان على منح اصواتهم الى شارون وعصاباته، مما يعني وضع المنطقة كلها على حافة الهاوية، خاصة في ظل الحرب المحتملة ضد العراق.

طبعا لا نقول هذا، لاننا نحاول تبرئة حزب العمل من التلوث بدماء ابناء شعبنا وامتنا، فكلهم صهاينة، وكلهم اقترفوا ابشع المجازر والبطش والارهاب والدمار ضد العرب بعامة وشعب فلسطين بخاصة.

القضايا التي تواجه امتنا العربية في العام الجديد شديدة الخطورة والتعقيد، ولا نعتقد لا بل نجزم، بان الصراع العربي - الصهيوني سوف يستمر بوتيرة متصاعدة، وسوف تزداد معاناة الشعب العربي الفلسطيني، لكنها ضريبة التحرير والحرية.

ويبقى الامل، مجرد امل، ان يتجه العرب في العام الجديد لمواجهة التحديات والاخطار، وان لا يستسلموا ويرضخوا لجبروت القوة، وان لا يتعاملوا مع هذه الاوضاع على انها قدر لا بد منه، بل عليهم ان يتداركوا الامر، ويتعاملوا مع حاضرهم ومستقبلهم ومصيرهم بجدية، وروح عالية من المسؤولية وان يتجهوا، مخلصين لبناء موقف واحد، ويعملوا على بناء مشروع عربي للمواجهة قابل للتحقيق والتنفيذ فما يتهددهم جميعا جد خطير، واستمرار حالة التمزق والفرقة والتشتت التي يعيشها العرب هي الاخطر وان استمرارها سوف يلقي بظلاله القاتمة على قضاياهم المصيرية ويجعل المستقبل صعبا وقاسيا في ظل استمرار تصعيد العدوان الصهيوني وتهديدات الادارة الامريكية وتحضيراتها لحرب سوف تطال بلهيبها وتداعياتها المنطقة برمتها.