أمريكا وحصان طرواده

 

 

 

بقلم : سليمان نصيرات

 

ان معظم المحللين الاستراتيجيين يرون أن الحشود العسكرية الامريكية المتزايدة في المنطقة موجهة بصورة مباشرة نحو العراق وأن الآلة الاعلامية الامريكية والبريطانية تخدم هذا التصور او التحليل، وربما يكون هذا صحيحاً، ولكن في التحليل العملي الاستراتيجي للأهداف الامريكية المعلنة او الخفية، فإن هذه القوة المتوفرة لا يوجد ما يمنع من استخدامها لتحقيق أهداف سرية غير معلنة في المنطقة في هذه المرحلة، وأن أهداف احداث تغييرات في الأنظمة التعليمية والتثقيفية والتوجهات الاجتماعية واعادة صهر هذه المنظومات الاجتماعية والقيمية وقولبتها في قوالب جديدة من خلال تسريع عمليات التحديث او تغيير النخب الحاكمة بنخب أكثر جرأة في التغيير، ربما يكون وارداً وبقوة، وأن الدلائل والضغوطات والمطالب التي تقدمها الإدارة الأميركية للنخب الحاكمة في العديد من الأقطار العربية والاسلامية تشير الى هذا التوجه، وأن حدود الضغط الامريكي باتجاه التغيير ومداه لا يمكن التنبؤ بها حالياً، ولكن يمكن استنتاجها مع الوقت على ضوء المؤشرات الدالة عليها.

ان ذريعة تغيير النظام في العراق والتي بسببها تقوم أمريكا بهذا الحشد الضخم ربما تكون البوابة لاحداث التغييرات المختلفة التي أشرت لها والتي تتطرق لها مراكز الدراسات والأبحاث في أميركا تحت شعار مكافحة الارهاب او الاصولية الاسلامية، لأن العديد من الذرائع التي تقدمها أمريكا بشأن تبرير غزوها للعراق غير مقنعة وحتى للشعوب القريبة نفسها، وإذا كان الهدف تغيير النظام في العراق بنظام ديموقراطي فإن معظم الأقطار الغربية المحيطة بالعراق والمتحالفة مع أمريكا هي أنظمة غير ديموقراطية بالمفهوم الغربي، لذلك فإن نفس السبب والمبرر ينطبق عليها أيضاً، علاوة على أن معظم هذه الأنظمة هي أنظمة محافظة وهناك نفوذ كبير للتيارات الدينية السلفية موجود فيها، وهذه التيارات وكما هو معروف لا تكن الود للولايات المتحدة، في حين أن النظام العراقي هو نظام علماني وان لم يكن ليبراليا وبخلاف معظم أنظمة وحلفاء أمريكا في المنطقة، فهذه أنظمة ليست علمانية وليست ليبرالية، واذا اردنا ان نتكلم بشيء من التحديد فإن معظم تنظيم القاعدة الذي ضرب بعمق الولايات المتحدة جاء من أقطار شبه الجزيرة العربية، وأن معظم الأسرى المتواجدين حالياً في قبضة الأمريكيين في قاعدة غوانتناموا هم من هذه الأقطار ولا شك ان هذا له دلالاته لدى الادارة الامريكية والاجهزة التي تضع تقادير الموقف حول التهديد الراهن او المحتمل للمصالح الامريكية، وسواء تكلمنا عن هذا البعد أو تجاهلنا الحديث فيه، فإنه موضوع على جانب من الأهمية للادارة الأمريكية وأجهزتها الاستخبارية لذلك لدى دراسة وتحليل الموقف للحشود الامريكية في المنطقة وأهدافها المعلنة او الخفية فينبغي علينا ان نناقش الأمور الأساسية التالية، ومنها هل هناك مصلحة أميركية حقيقية لتغيير نظام علماني متماسك الى فوضى لا يمكن التنبؤ في أبعادها وتأثيراتها على دول المنطقة والمصالح الامريكية فيها؟ وبخاصة ان بعض الأطراف الاساسية في مؤتمر المعارضة الذي عقد في لندن مؤخراً ومنها المجلس الشيعي الأعلى المتواجد في ايران والأكراد وآخرين ولكل من هؤلاء أهدافه الخاصة في ثنايا الهدف العام المعلن للمعارضة العراقية في الخارج والتي تتعارض مع الأهداف الامريكية. ولفرز الأهداف المعلنة عن الأهداف الأخرى بالنسبة للحشد الأمريكي في المنطقة فلا بد من ايراد النقاط التالية:

اولاً: اذا كان هدف امريكا من ضرب العراق هو الحفاظ على أمن اسرائيل وضمان دخول العراق في أية ترتيبات سياسية في المنطقة، فقد تحقق ذلك في مؤتمر بيروت عندما وافق العراق على المبادرة العربية والتي تنص على الاعتراف باسرائيل في اطار تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية.

ثانياً: اذا كان الهدف من ضرب العراق هو تدمير قدراته العسكرية فقد تمكنت أمريكا وحلفاؤها وخلال حرب الخليج الثانية والحصار الذي فرضته على العراق لمدة اثني عشر عاماً من تحقيق ذلك وتقليص قدرات الجيش العراقي ولحد كبير، وأن أي حرب قادمة ضد العراق قد تعمل على تدمير قواته المسلحة وتخرجه من اطار معادلة التوازن الاستراتيجي في المنطقة، وستضطر الولايات المتحدة ان تدخل بشكل سافر بقواتها لاعادة هذا التوازن.

ثالثاً: اما اذا كان الهدف السيطرة على بترول العراق، فإن العراق لا يوجد لديه أي مانع من بيع البترول لأمريكا او حتى منح امتيازات لشركات امريكية في اطار تسوية سلمية مع أمريكا.

رابعاً: أما اذا كان الهدف مقاومة الارهاب فقد ذكرت سابقاً ان لا علاقة لا من قريب أو بعيد للعراق بتلك التنظيمات التي أعلنت الحرب على المصالح الأمريكية وهذا معروف للقاصي والداني.

خامساً: ان اي حرب تشن على العراق ويعمل في طليعتها التنظيم الشيعي الموالي لإيران او الاكراد، يمكن أن يعني في خضم الفوضى أن يصل للحكم نظام موال لايران وهذا ما لا ترغبه الدول العربية وأمريكا نفسها أو أن تفضي الى انفصال الاكراد وهذا ما ترغبه الاقطار العربية وتركيا والولايات المتحدة نفسها.

سادساً: ان عامل الخوف وفقدان الثقة ما بين بعض دول الخليج والعراق يخدم المصالح الامريكية ويقدم مبررات لبقائها في المنطقة، وأن تغيير النظام في العراق بنظام موال لامريكا سيقلل والى حد كبير من مبررات وجود تلك الحشود الكبيرة من القوات الأمريكية في الخليج، كما سيزيد من مطالبات هذه الدول لتخفيف هذا التواجد تحت الضغط الشعبي المستمر، إلا اذا كانت امريكا تخطط فعلاً لايجاد او استفزاز عدو جديد للمنطقة وفي هذه الحالة فإن الخطوة الثانية ستكون ايران، وفي هذه الحالة فإن مبررات تواجد القوات الامريكية ستبقى ومع زوال الخطر العراقي مع ابراز خطر جديد، وربما تكون بداية هذا التحدي تفعيل المعارضة الايرانية في الخارج واحياء قضية الجزر العربية التي تحتلها ايران في الخليج.