بقلم : حسين الرواشدة
يطمئننا احد الاطباء النفسيين على صحة
مجتمعنا النفسية، لكننا نقرأ في الاخبار ما لا يصدق من حوادث تقشعر لها الابدان،
فهذه امرأة تجهز على ابنتها وتقطع رأسها واوصالها وتمعن فيها تشويها، وهذا شاب
يحزّ رقبة والده بالساطور، وآخر يفرغ طلقات مسدسه في صدر شقيقته، ورابع يلاحق
ابناءه فيقتلهم واحدا تلو الآخر، ونتساءل: هل صحيح ان »نفسية« مجتمعنا بخير؟ وهل
ما نزال محصنين من هذه الزلازل والانهيارات التي لم يسلم منها احد؟
ثم كيف تسللت هذه »القسوة« الى مجتمعنا،
فأفقدتنا الاحساس بالرحمة، والشفقة والعطف، وجردتنا من انسانيتنا حتى لم نعد
»نرتعد« امام هذه النماذج السلوكية المفجعة، وكأنها اصبحت جزءا من حياتنا او ضريبة
ندفعها - كما ندفع غيرها - دون ان يهتز لنا طرف؟
ومع انني لا اعرف من هو الضحية ومن هو الجلاد
فيما يصلنا من قصص وحوادث، الا ان ثمة ما يدعوني الى الاعتقاد بان مجتمعنا هو
الضحية الاولى لهذا العبث الذي نمارسه واللامبالاة التي نقترفها والاشتباكات التي
اشغلتنا ببعضنا، والا فما معنى هذا الجنوح الذي تجاوز كل ما الفناه، وكيف يتمدد في
تربتنا دون ان نسمع صوتا واحدا يحذر من عقابيله، ولماذا اسندنا مهمة »علاجه«
للتشريعات والعقوبات الرادعة دون ان نفكر بان المشكلة اعمق من »العقاب والمحاسبة«
واخطر من ان تعالج »بالمراكز والسجون«.
لقد قلت اكثر من مرّة، بان ما يحدث في
مجتمعنا من انحرافات، وما وقع فيه من اصابات، يستدعي الحذر والانتباه، واضيف الان
بان اهمالنا للتحولات التي طرأت على مجتمعنا، وفي مقدمتها هذه التعبيرات
»الاحتجاجية« قد اضاع منا فرصة التأمل والتفكير فيما نحتاجه من »مصدات« ومضادات،
بل ان توطأنا مع ما دخل بلادنا من »جراثيم« وافكار وتقاليع عابرة للحدود، ولهاثنا
خلف »اوهام« الحداثة وقوالبها التي اريد منها اعادة صنع مجتمعنا وصياغته من جديد،
كان واحدا من اوسع الابواب التي هربت منه قيمنا واندحرت من خلاله بقايا »العواصم«
التي كان مجتمعنا يلوذ اليها حين تحدث به الكآبة او تتنازعه عوابر اليأس والقنوط.
ان قسوة هؤلاء الذين دفعتهم انحرافاتهم
النفسية او اضطراباتهم العقلية الى فعل ما نستنكره، لا تقل - ابدا - عن قسوة
المجتمع الذي خرجوا منه وعليه، كما ان خيبتنا بهم لا تقل - ايضا - عن خيبتهم بنا،
واذا كانوا بحكم التشريعات والاعراف قد اصبحوا مجرمين يستحقون العقاب، فان جريمتنا
بحق السكوت على »التربة« التي اخرجتهم والمقدمات التي استقوا منها ما آلوا اليه من
نتائج، لا تقل بحال عن جريمتهم.
لقد اخطأ هؤلاء حقا، ولكن هذا الخطأ كان
انعكاسا لحالة نفسية مضطربة يعاني منها مجتمعهم، او هو - ان شئت الدقة - احد
التعبيرات الصارخة والشاهدة - في آن - على توعك المجتمع واعتلاله، اما كيف حدث
ذلك، فاننا لا نعدم من يدلنا على المحطة التي انطلق منها الانحراف، وتولدت فيها
»التعقيدات« والامراض النفسية والعقلية، وهي - على كل حال - تتجاوز الفرد والاسرة،
بل والمجتمع ايضا، لتشمل منظومة طويلة من المهادات السياسية والاقتصادية والفكرية
التي خرج منها كل ما نعانيه من اضطرابات وتشوهات.
واذا كان احدنا يشعر بالاشمئزاز والغضب
والاستنكار من هذا الذي يفعله شاب مجنون، او ام ظالمة، او والد مريض.. الخ بحق
اقرب الناس اليه، فان ثمة شعورا »غائبا« بالشفقة على هؤلاء الضحايا لا بدّ من
استحضاره، ومعه دعوة الى قراءة اعماق المجتمع الذي افرزهم، بكل ما فيه من توعكات
وشقوق واورام، واحسب انها مهمة تستدعي من الباحث النفسي (دعك من السياسي
والاقتصادي) مزيدا من التأمل، لا مجرد الادانة واصدار الاحكام والشعور بالشفقة
والاشمئزاز.