على الرغم من ان المشهد العربي بالغ القتامة
والبؤس ولا يبدو فيه غير الوحشة والكآبة والاوجاع الروحية والنفسية العنيفة التي
تستبد بالمواطن العربي، بالنظر لما يتربص بأمتنا من تحديات مصيرية، ستقرر حتما شكل
غيابنا او حضورنا. الا ان هذا لا يعني على الاطلاق ان ندخل العام الجديد الذي
يتوعدنا بمزيد من القتامة والبؤس واليأس والاحباط، دون ان نعلن التمرد على هذا
المشهد الاكثر بؤسا في تاريخنا العربي المعاصر، والذي لا اعتقد ان مواطنا سويا
يمكن ان يقبل بالتعاطي والتعايش معه، بعد ان بلغ بنا، وبلغنا به حدّ السواد الراعب
الذي بات يلون ايامنا وأرواحنا واحاديثنا وكتاباتنا وأحلامنا. من هنا، فانني ارى
ان مسؤولية الخروج من هذا المشهد ومغادرته الى الابد تقع على عاتق المفكرين
والادباء والمثقفين القوميين والاسلاميين وكذلك على عاتق القوى والاحزاب القومية
والاسلامية والديمقراطية في الوطن العربي، اولئك الذين يشعرون ربما اكثر من غيرهم
بخطورة هذه المشهد وثقل وطأته على الروح العربية التي تبدو في اقصى حالات انحسارها
وانهيارها. ولما كان حلم الوحدة العربية، هو وحده القادر على انتشال الامة العربية
مما يتوعدها ويتربص بها، على ايدي اعدائها، فان مهمة استعادة هذا الحلم، ينبغي ان
تكون على رأس اهتمامات هذه الفئة الطليعية من ابناء هذه الامة. واذا كان المفكرون
والادباء والمثقفون الفرنسيون قد اعلنوا بصوت واحد ابان حرب الابادة العرقية في
البوسنة والهرسك قبل عقد من الزمن، ان الوحدة الاوروبية تبدأ من سراييفو التي كانت
معرضة للاستباحة والدمار، على الرغم مما بين الشعوب الاوروبية من اختلافات
وتباينات لغوية وعرقية وثقافية، فما الذي يمنع المثقفين والمفكرين والادباء العرب،
من الاعلان فورا، ودونما تردد، ان الوحدة العربية تبدأ من العراق وفلسطين، بالنظر
لما يتهدد هذين القطرين العربيين من اخطار حقيقية، وبالنظر لما يربط الامة العربية
من وشائج مع هذين القطرين في الدم واللغة والتاريخ والاشواق وكل ما يمكن ان يربط
الروح بالجسد، او الجسد بالروح. ثم ان حماية العراق من العدوان الاميركي الذي بات
وشيكا، وكذلك حماية فلسطين من الاحتلال الصهيوني العنصري الفاشي الذي لم يدخر وسعا
في تخريب هويتها ونهب ارضها واغتيال شعبها، هي المقدمة الحقيقية للوحدة العربية
الحقيقية اضافة الى ان حمايتهما في اول المطاف وفي نهايته، حماية لبقية الاقطار
العربية المدرجة على قائمة العدوان الاميركي الصهيوني، والوحدة العربية لا تحتاج
الى المزيد من الانتظار، والتنظير كما أدخل في روعنا منذ بدايات الحلم بالوحدة حتى
الان، انها فقط تحتاج الى الارادة وقليل من التضحية، والارادة متوفرة في الاوساط
الشعبية العربية على نحو بات هو الهاجس الوحيد لخلاص الامة من هزائمها
وانكساراتها، وكذلك الخلاص من المشهد البائس الذي يلون حياتها. واذا كانت ذريعة
بعض الانظمة العربية التي تحول دون تحقيق هذا الحلم العربي الاهم في حياة الامة هي
الخلافات الايديولوجية والفكرية والسياسية بين اقطار الوطن العربي، فان هذه الخلافات
هي خلافات مظهرية ، وليست جوهرية على الاطلاق، وهي في الاساس خلافات اصطنعها اعداء
هذه الامة، وتلقفتها فئات قليلة ترى ان مصلحتها ومصالحها هي في استمرار تشتت وتمزق
هذه الامة، ليتسنى لها البقاء جاثمة على صدر وروح هذه الامة العظيمة، الخلافات
الظاهرية اذن ليست عقبة في طريق الوحدة العربية، فألمانيا توحدت بالرغم من جوهرية
الخلافات والتباينات بين نظامين سياسيين متعارضين، نظام رأسمالي ونظام ماركسي،
ولكن ارادة الوحدة كانت اقوى من هذه التباينات والاختلافات.
ان الوحدة العربية لم تعد هاجسا رومانسيا
يصلح للغناء ويداعب خيالات الحالمين بوطن عربي كبير يمتد من المحيط الى الخليج
فقط، بل مطلبا قوميا عربيا حياتيا ومصيريا في عالم تحكمه القوى الكبرى والتجمعات
والتكتلات القارية الاقتصادية، رغم ما بينها من خلافات في اللغة والعرق والثقافة
والتاريخ، غير انها تجاوزت هذه الخلافات حماية لوجودها وحفاظا على استقلالها،
وضمانة لحريتها ومستقبلها ومستقبل اجيالها، ونحن في الوطن العربي ربما من اكثر
شعوب العالم حاجة لهذه الوحدة التي من شأنها ان تحول الوطن العربي الى قلعة حصينة
ومنيعة، وعصية على الانكسار حتى في مواجهة اعتى قوى الطغيان والشر والجبروت
الامبريالي الاميركي الصهيوني، ومن المؤكد ان المفكرين والمثقفين والقوى
الديمقراطية الحية في الوطن العربي، هي الاقدر على قيادة الامة لتحقيق هذا الحلم،
بل هذا المطلب القومي المصيري الذي من شأنه حماية وجود ومستقبل هذه الامة.