إغفال واستغفال
بقلم: د. محمد مورو
رغم اقتناعى منذ البداية، بأن موضوع عودة المفتشين الى العراق لن يقدم ولن يؤخر فى
الموضوع، اعنى موضوع ضرب العراق، ذلك ان العدوان سوف يتقرر حجما وتوقيتا بعوامل
اخرى لا علاقة لها بحسن او سوء نية الحكومة العراقية او امتلاكها او عدم امتلاكها
لأسلحة الدمار الشامل، او كونه نظاما ديمقراطيا او ديكتاتوريا، وفى رأيى ان العامل
الحاسم فى الموضوع، هو: هل هناك قدرة شعبية عربية او عراقية،وقوى حية قادرة على
انزال الخسائر بأمريكا وقواتها ومصالحها اذا ما فعلت ذلك، ومامدى الخسائر المتوقعة
امريكيا وخاصة الخسائر البشرية فى حالة العدوان، وماهو شكل المنطقة المتوقع وكيف
يمكن ترتيب المنطقة بحيث لاتنفجر حركة مقاومة شعبية استشهادية لن تستطيع ان
تواجهها امريكا، وكيفية السيطرة قبل ذلك على الشعب العراقى نفسه بحيث لايقوم
بالكفاح الشعبى المسلح، وهكذا فإن كل خطوة تأخذها بغداد فى اطار تدعيم هذه العوامل
تؤخر العدوان مثل اطلاق سراح المسجونين مثلاً، او اطلاق حق الجماهير فى امتلاك
السلاح الخفيف اللازم للمقاومة، وتسليح الجماهير بصرف النظر عن موقعها من الحكومة
ولكن بشرط وقوفها ضد امريكا ومدى قوة وحركة الجماهير العربية.. الخ، وكذلك التحرك
الامريكى فى اتجاه السيطرة على المعارضة العراقية وبالتالى محاولة السيطرة على
الشارع العراقى والغزل الامريكى التحتى لايران حتى لاتكون عمقا للمقاومة، ومحاولة
استدراج سوريا بزيارة لندن مثلاً عن طريق بلير لتحقيق الامر نفسه وهكذا.
اما موضوع المفتشين والتقرير الذى يتكون من 12 الف صفحة، وقرارات مجلس الأمن، فليس
الا نوعا من افتعال الذرائع واستهلاك الوقت، بل ان الولايات المتحدة تتصرف فى هذا
الموضوع، بطريقة غاية فى الامتهان والسخرية من الجميع وعدم الاكتراث بأحد، فهى
سرقت التقرير منذ وصوله الى الامم المتحدة بطريقة استفزازية، ومنعت توزيعه على
اعضاء مجلس الامن وهو مخالف لقرار مجلس الامن طبعا، ثم هى ترفض امداد المفتشين بما
تزعم انها تمتلكه من معلومات حول اسلحة العراق.
والكلام الاخير الذى قاله المسئولون الامريكيون عن التقرير العراقى من اول الرئيس
بوش الى باول الى كونداليزا رايس الى مسئولى وزارة الدفاع هو نوع من الاستغفال،
فهم يزعمون ان العراق اغفل ذكر انواع من الاسلحة والمواد، ثم اذا تحدثوا عن
التفاصيل تكتشف حتى لو لم تكن خبيراً بالسلاح ان المواد التى يزعم الامريكيون
بإغفالها، لا قيمة استراتيجية حقيقية لها، اللهم الا اذا كان المطلوب تجريد العراق
من كل شئ حتى اوانى الطهى ومكبرات الصوت!!
ومن المفيد هنا ان نتأمل الاحداث.. فقد اعطت الولايات المتحدة الاوامر لقواتها
بالتحرك قبل ورود التقرير اصلاً،وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن هناك 60 الف جندى
قد وصلوا بالفعل، و40 الف جندى قد رحلوا وهم فى الطريق، وهناك تخزين اسلحة، وتحرك
قطع بحرية وحاملات طائرات واستدعاء للاحتياطي، وكذلك بالنسبة لبريطانيا فهل يتم
تحريك القوات، وتخزين السلاح من اجل تصوير فيلم فيديو مثلاً!! اذاً فالعدوان يتقرر
خارج العلاقة مع صحة اوعدم صحة التقرير!!