بقلم :فرج شلهوب
شعوران متناقضان، لكن النتيجة واحدة، عندما
تغيب العمليات والعمليات الاستشهادية على وجه التحديد، يشعر الشعب الفلسطيني
باليتم، وتتملكه مشاعر الكآبة والبكاء، وعندما تقع عملية استشهادية، تنقلب
المشاعر، ويصحو الامل في العيون، فالفلسطينيون، رغم قساوة الجريمة الاسرائيلية، لم
يرفعوا الرايات البيضاء، ولم يستسلموا لقدر الاحتلال، وليس بوسع «اسرائيل»
بدبابتها وطائراتها ان تجعل مصيرهم كمصير الهنود الحمر في امريكا.
عمليات كثيرة، تحدث لكن الصحو في العيون، لا
يكتمل الا حين تبزغ عملية استشهادية، على غرار عملية تل ابيب المزدوجة قبل ايام،
ذلك انه ليس ثمة سلاح في ايدي الفلسطينيين، اكثر نجاعة واكثر نكاية في الاحتلال من
العمليات الاستشهادية. ومقياس التأييد لمثل هذا النوع من العمليات، لا يمكن قراءته
في تصريحات النخب والمتكلمين عبر اثير الفضائيات، ولكن من خلال الاصغاء لنبض
الشارع الفلسطيني في القرى والمدن والمخيمات، في الضفة وغزة والشتات، في عيون
الفقراء، والاطفال والامهات، وليس عند اي احد غير هؤلاء.
مشهد استثنائي، هذا الذي عكسته عملية تل ابيب
الاخيرة، وقراءته في السياق الاسرائيلي سيكون استثنائياً ايضاً، وليس مهماً تدليس
البعض، هنا وهناك، ان نتائج العملية ستكون وخيمة على مستقبل الشعب الفلسطيني، ليس
مهماً البتة مثل هذا التقييم، لأن العقل الواعي والباطن للاسرائيليين، والامريكيين
من بعدهم، لا يقيم وزناً الا للقوة، وهم لايعترفون الا بما يمس حياتهم وامنهم، ولا
يحفلون الا بمن يقارعهم السن بالسن والعين بالعين.
الفلسطينيون لم يرفعوا الرايات البيضاء، وهذا
دليل استبسالهم في تل ابيب، وشارون بعد هذا لا يمكنه ان ينظر في عيون الاسرائيليين،
ليحدثهم او يعدهم، من جديد، عن جلب الأمن، بعد ان صارت دعواه عن جلب السلام مزحة
ثقيلة لا يصدقها احد. ولن يسع شارون، بعد هذا، ان يزعم ان القوة والقوة فقط، هي من
يملك انهاء مقاومة الشعب الفلسطيني، فالمشهد بعد نحو عامين من استلامه لرئاسة
الحكومة، اكثر بؤساً بالنسبة للاسرائيليين مما توقعوا حتى في احلامهم، فالقتلى
الاسرائيليون الذين دماؤهم في رقبة هذه الحكومة، ينوفون على الخمسمائة، والاقتصاد
والأمن في الحضيض، والفوضى في التفكير وتقرير المصير لدى الاسرائيليين، هي في
اوجها، انحياز لليمين وانعطاف لليسار، في الوقت ذاته، وعلى اكثر من مستوى، ولا حسم
في اي مسألة تتعلق بالأمن والمسار السياسي والاقتصاد.
وعلى الجانب الآخر، يبرز الفلسطينيون،
مذبوحون من الوريد الى الوريد ولكنهم يقاومون، اجيال متعاقبة من الشباب المقاوم
تمت تصفيتها، فوج في اثر فوج، ولكنهم مصممون على المقاومة والاستمرار في المواجهة
حتى انتزاع الحقوق. قد تكون الحرب مكلفة وفوق طاقة الاحتمال، ولكن لا يوجد قرار
شعبي فلسطيني بالاستسلام، وكل الحوارات، وتحت كل الرعايات، لا يمكن ان تجعل من
المقاومة مزاداً للمساومة، ففتح التي تتهم بأنها تسعى للجم انتشار العمليات
الاستشهادية، هي التي نفذت عملية تل ابيب الاخيرة، وجمهورها هو الذي يهتف في هذه
الساعة لتصعيد المقاومة.
لقد توحد الشعب الفلسطيني حول راية المقاومة،
وما عاد هناك ما يخسره الفلسطينيون. والجمهور الاسرائيلي، مل من تغيير رؤساء
حكوماته، ومن اجراء الانتخابات مرة بعد مرة، وتبديل احصنته في السباق، وهو ما لم
تظهر اي دلائل له في الجانب الفلسطيني، الذي بات مصمماً، على انتزاع الاستقلال،
وبأي ثمن، رغم انف الاحتلال وحشودات الاداراة الامريكية وهجومها العنيف ضد المنطقة
المسكونة بالتوالد والخذلان وعدم نسيان الحقوق.