بقلم : شعبان عبد الرحمن
ما يريدونه للإسلاميين في اليمن اليوم هو نفس
ما يبيتونه لهم في شتي بقاع الأرض...إخراج من الساحة السياسية أو بالأحرى إزاحتهم
من الحياة فلا يبقي لهم اسمٌ ولا رسمٌ.. ولا فرق عند قادة الحملة الصليبية الجديدة
بين إسلامي معتدل أو متطرف فالكل عندهم سواء...وفي الغد القريب سيعلم المنخدعون ان
تلك الحملة لن تفرق وهي تحرق بلادنا بين شعوب وحكومات!
في الأيام القليلة الماضية خيمت على اليمن
نذر الشر إثر مقتل جارالله عمر أمين عام مساعد الحزب الاشتراكي داخل مؤتمر التجمع
اليمني للإصلاح بيد إسلامي معارض للتقارب السياسي بين «الاصلاح» و«الاشتراكي»،
وأعقب ذلك مقتل أربعة من الأطباء الأمريكيين بيد إسلامي آخر معارض للتواجد
الأمريكي في اليمن خاصة انه اتهم المستشفي والأطباء بممارسة التنصير.
وقد جاءت هذه الاحداث فرصة مواتية للمتربصين
بالحركة الإسلامية ليعملوا فيها مخططاتهم النائمة والهادفة لتصفيتها او على الأقل
تحجيمها وشل فاعليتها، الأمر الذي يضع الدولة اليمنية على برميل من البارود لا
يعلم احد الا الله ماذا يمكن ان يفعل.
و التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون)
مستهدف من قوى الاستعمار الجديد بتجربته الثرية والنموذجية في الحكم والمعارضة،
فقد خاض تيار الاصلاح غمار الكفاح الوطني والنضال السياسي باقتدار ومارس الحكم
والمعارضة بنجاح، واكتسب عبر ممارساته في الشارع اليمني -ولا يزال- شعبية واسعة،
وذلك ما فتّح العيون عليه وحرك الغرائز الشريرة لتغييبه عن الساحة بصفته احد
الشواهد الحية على أن الإسلاميين شاركوا في الحكم بهدوء وخرجوا إلى مقاعد المعارضة
دون تشبث بالكراسي أو إراقة دماء، وشاركوا في حرب الحفاظ على وحدة البلاد وانتصروا
دون نهب للمغانم.. وذلك -لا شك- يمثل مستندا حيا ووثائقيا يدحض فرية المرجفين
الذين لا يفتأون يتهمون الإسلاميين بالسعي إلى السلطة متسترين بالدين!
ولنقترب قليلا من الساحة اليمنية، ولنتذكر أن
عدونا يقرأ تاريخنا جيدا ويدرسه دراسة واعية، ثم يقيم خططه بناء على ذلك. بالنسبة
للتجمع اليمني للإصلاح هناك مجموعة من الحقائق الثابتة تاريخيا محفورة في سجله وأبرزها
:
أن هذا التيار صنع ملحمة مشرقة بدماء ابنائه
للحفاظ على وحدة التراب الوطني وهوية الامة عندما خاض إلى جوار نظام الرئيس على
عبد الله صالح غمار حربين داميتين إحداهما : عام 1983م ضد الزحف الشيوعي القادم من
اليمن الجنوبي في ذلك الوقت وكاد يومها ان يدق أبواب صنعاء عاصمة اليمن الشمالي.
وقد تمكن الإسلاميون في هذه الموقعة من كسر شوكة الزحف الشيوعي وتصفيته. وبعد ان
وضعت الحرب أوزارها عاد الإسلاميون إلى شؤونهم دون مشاغبة على مواقع في السلطة أو
مطالبة بمغانم، بل عندما طلبت منهم الحكومة فض معسكراتهم وتسليم اسلحتهم فعلوا ذلك
عن طيب نفس وحفاظا على وحدة الدولة. ولكن أطروحاتهم الفكرية التي تضمنها ما عرف
بـ«الميثاق الوطني» لاقت آذانا صاغية من النظام.
الثانية: عام 1994م عندما تفجرت حرب الانفصال
من قبل الحزب الاشتراكي ويومها اعلن الاسلاميون انحيازهم بوضوح لخيار الحفاظ على
وحدة البلاد وقاتلوا إلى جوار قوات الرئيس على عبد الله صالح، وأبلوا بلاء حسنا
أدى الى تحقيق انتصار حاسم لصالح الوحدة في 7/7/1994م.
ثم دخلوا في شراكة بالحكم مع حزب المؤتمر
الوطني وأبلوا نفس البلاء الحسن فقد صبروا على فتنة الكرسي والحكم ونجحوا فيه بامتياز
حتى انتخابات عام 1997م وعندها قرروا الخروج إلى موقع المعارضة مختارين ودون أدنى
مشاكل.
لكن حزب المؤتمر الحاكم بدلا من أن يقدر لهم
تاريخهم ومواقفهم الوطنية الخالصة في الحفاظ على وحدة البلاد وانقاذها من سيطرة
الشيوعية مارس عليهم التضييق السياسي بكل الوانه أملا في دحرجتهم بعيدا عن الساحة
السياسية رويدا رويدا.. وبدا أن هناك تباعدا يتزايد بين الطرفين... ورغم حرص
الإسلاميين على علاقة الوئام وإصرارهم على المشاركة في عمران البلاد التي خربتها
الحرب إلا أن نظام «المؤتمر» استدار عنهم موليا شطر واشنطن التي كانت ترقب ما يجري
عن كثب وتدرسه بعناية.
وبات من الواضح تماما مسارعة النظام اليمني
نحو تحجيم الإسلاميين على الساحة السياسية وإغلاق الروافد والمؤسسات الإسلامية
التعليمية -بالذات- والتي كان ابرزها إغلاق المعاهد العلمية (المدارس الدينية) قبل
عامين بدعوي دمجها في مؤسسات التعليم العام، وقبل ذلك ألغت وزارة التربية عام
1999م مادة القرآن الكريم وضمتها إلى منهج اللغة العربية..
ذلك في الوقت الذي راج فيه الحديث عن تزايد
التعاون الأمني والعسكري مع واشنطن والذي كان ابرزه ما تردد عن تقديم اليمن
تسهيلات عسكرية للسفن الحربية الامريكية وهو ما عارضه الشارع اليمني بقيادة
الإصلاح.
ثم تطورت العلاقات الامريكية اليمنية إلى
شراكة امنية كاملة تجلت في سماح السلطات اليمنية لطائرة تجسس أمريكية بقتل ستة من
اليمنيين على ارض اليمن بزعم انهم ينتمون الى تنظيم القاعدة! وتلى ذلك إعلان
الرئيس بوش عن تقديم معدات حربية للقوات اليمنية «حتى لا يتحول اليمن إلى
أفغانستان أخرى» (من كلمة بوش في 11/2002خلال إعلان المرحلة الثانية للحرب على ما
يسمي بالإرهاب)
يأتي ذلك في الوقت الذي يجري فيه التربص
بالإسلاميين لإقصائهم عن الساحة، وقد كانت واقعة اغتيال جارالله عمر والاطباء
الأمريكيين فرصة مواتية لمحاولة توجيه ضربة للإسلاميين، بغية تنحيتهم عن الساحة
السياسية تماما، فقد حاولت الجهات الأمنية طوال الايام الماضية عبر الالة
الاعلامية الحكومية الإلحاح على ان القاتلين ينتسبان للتجمع اليمني للإصلاح وإذا
تحقق لها ذلك فإنها ستجد لنفسها المبرر لمنع الإصلاح من المشاركة في الانتخابات
البرلمانية المزمع اجراؤها في ابريل المقبل بمقتضي المادة 130من قانون الانتخابات
التي تقضي بـ«حرمان أي حزب من خوض الانتخابات إذا ثبت ان أي عضو من أعضائه ارتكب
جرما».
ولا شك ان حزب المؤتمر الحاكم يدرك جيدا
تزايد الغضب الشعبي على سياساته الاقتصادية والسياسية والأمنية وعلى تقاربه
المتسارع مع واشنطن، ويدرك في الوقت نفسه ان أي خصم من رصيده السياسي يضاف الى
رصيد تجمع الاصلاح واذا تبقى شيء من الرصيد فإنه يذهب لبقية الاحزاب، ومن هنا ايقن
«المؤتمر» خطورة التحالف الجديد بين «الاصلاح» و«الاشتراكي» على وضعه الانتخابي
ذلك رغم التعديلات الواسعة التي اجراها لصالحه على قانون الانتخابات في يوليو
2001م.
ومن هنا فإن إخراج «الاصلاح» من ساحة
المنافسة الانتخابية المقبلة يريح «المؤتمر» من أقوى منافسيه، ويفرز برلمانا
حكوميا يسهل من خلاله تمرير الاتفاقات والشراكات والقوانين التي تتناسب مع المرحلة
المقبلة، وهو ما يعني في التحليل الأخير حصارا حديديا على الحركة الإسلامية وفقا
لـ«الوصفة» الأمريكية.
الذي يدور على الساحة اليمنية بحق الاسلاميين
والهوية الاسلامية عموما قريب مما يحدث في العديد من البلاد الاسلامية وهو عبارة
عن حملة متعددة الأوجه وذات هدف واحد هو محاولة اخراجهم من الساحة السياسية لنزع
الغطاء القانوني عنهم ووضعهم في خانة المخالف للشرعية وذلك مبرر لشن الحملات
الأمنية المتواصلة عليهم لاجهاض قوتهم وشل حركتهم والنموذج المصري في هذا الصدد
واضح...
كان الاولى بحزب المؤتمر الحاكم -كما هو واجب
كل الانظمة العربية- ان يمد يده للاسلاميين ويستفيد من رصيدهم وخبرتهم وقوتهم في
بناء جبهة وطنية قوية امام الزحف الغربي القادم وهو زحف لن يبقي ولن يذر.
لكن المفروض شيء والواقع شيء آخر!.