كيف يفرح..؟!

 

 

 

 

 

بقلم :د. عبدالله فرج الله

 

 

وقفة مراجعة ومحاسبة !!

وقفة لا بد منها..

كان الأولون يقفونها كل يوم.. بل لعلهم كانوا يقفونها بعد كل فعل يفعلونه، أو قول يقولونه..

وقفة لا بد منها.. لنجاح المسيرة.. وعلاج أخطائها، وسد خللها، واستئناف انطلاقتها..

وقفة مع النفس.. للمحاسبة والمساءلة، كانت من الأساسيات الرئيسة في حياة الأولين.. إذ كانوا لا يغفلون عن ساعة من ليل أو نهار.. يحاسبون فيها أنفسهم، حساباً دقيقاً، ويسائلونها مساءلة شديدة.. لأن في الغفلة عنها ضياع الدين، وفساد الدنيا والآخرة..

 

وما أكثر الذين ضاع دينهم، وفسدت دنياهم وآخرتهم.. حين أغفلوا هذه الساعة من قاموسهم، فغرتهم الدنيا، فتاهوا في فيافيها، وشربوا من خمرها حتى الثمالة، فأسكرتهم، ولم ينتبهوا إلا وهم على شفير القبر.. ولات حين مناص..

 

نعم.. رحم الله الأولين، الذين علمونا أسس النجاة، وأسباب الفلاح، وقواعد السلامة، ورصفوا لنا الطريق تجارب إيمانية صادقة، وتوجيهات تربوية خالصة، ومقالات ربانية هادفة، وتساؤلات قلبية خالصة.. لكن من ينقب ومن يمتثل؟! ومن يأخذ العظة والعبرة؟!

 

تساءل أحد الأولين ذات يوم فقال في جموع السائرين على غير هدى، الذين ينفقون أعمارهم بغير حساب، ساعاتهم، أيامهم، سنواتهم، أرخص من دنانيرهم ودراهمهم، هذا لا ينفقونه إلا بشق الأنفس، بعد حساب وتفكير، وذاك ينفقونه بأيسر السبل، وأرخص الأثمان، وهم بذلك فرحون، فقال : «كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟! كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟!».

 

...

 

أسوق هذه المقدمة، وهذا القول، ونحن نلج أبواب عام جديد، بعد أن مضى من أعمارنا عام، وزاد اقترابنا من الموت عاماً.

 

فماذا فعلنا، ونحن نودع عاماً ونستقبل آخر؟!

 

هل وقفنا مع أنفسنا وقفة الأولين اليومية؟!

 

هل تساءلنا وحاسبنا أنفسنا؟!

 

هل أحصينا ما لها وما عليها؟!

 

هل عرفنا حقيقة أمرنا.. وفي أي اتجاه سعينا؟!

 

هل أدركنا حقيقة الأيام والسنوات؟!

 

هل راجعنا سجل حياتنا في عام كامل.. فنفتحه اليوم قبل أن يفتح غداً؟! ويا لهول ذلك اليوم الذي يفتح فيه سجل حياتنا؟!

 

هل بادرنا ونحن نودع عاماً ونستقبل آخر.. للتوبة والاستغفار من الذنوب والتقصير في حق الله سبحانه؟! وهل بادرنا إلى الأسف والاعتذار إلى من أسأنا إليهم من خلق الله، من أهلنا وأرحامنا وإخواننا وجيراننا..؟! بل هل بادرنا للعفو عمن أساء إلينا من هؤلاء؟!

 

هل حرصنا أن نلج عامنا بصفاء قلوبنا، ونقاء نفوسنا، وسلامة صدورنا، وعزيمة صادقة على التوبة والاستغفار، وتجديد العهد والبيعة مع الله تعالى؟!!

 

***

 

إن جموع الفرحين بانتقاص أعمارهم، الغافلين عن حقيقة ما هم مقبلون عليه، قد زادت؟!

 

فأين ورثة الأولين؟!

 

أليس لهم مكان يزاحمون فيه، أليس لهم ميدان يصولون فيه، أليس لهم خيول يمتطون صهواتها، أليس لهم بيان تنطلق به ألسنتهم، أليس لهم حجج دامغة يدحضون بها الباطل المنتفش، وأنوار باهرة يبددون بها الظلمات الزائفة؟!!

 

أليس في قلوبهم رحمة وحب.. لإنقاذ الأقربين على أقل تقدير؟!

 

***

 

عام جديد.. لا يحق لنا فيه الفرح أصلاً.. فكيف نفرح استئنافاً؟! وقد أشهر الجزارون سلاحهم لذبحنا.. وأعدت المذابح على أرضنا.. عنوان ذل وألم وحزن؟!

 

نعم، كيف نفرح.. ولماذا نفرح؟!

 

فهلا خجلت إذاعاتنا ومحطاتنا التلفزيونية والفضائية.. وحكوماتنا الكرتونية المهزومة، وأنظمتنا الشكلية المهزوزة، وتوارت بالصمت والسكوت.. وتلحفت بثوب عارها وجبنها..

 

***

 

هذه دعوة للجميع.. لوقفة صادقة مع النفس لمحاسبتها ومساءلتها.. واتخاذ هذه الوقفة نهجاً جديداً نعتمده في عامنا هذا، فلعله يكون آخر الأعوام.. فكم ودعنا وغاب عنا من الصحب الكرام مع غياب العام المنصرم؟!.