من المستهدف بهذه الجيوش الجرارة؟

 

 

 

بقلم : د. محمد صالح المسفر

 

(1)

 

سألت نفسي مع إطلالة عام 2003 إلي أين يساق العرب قادة ورعايا أو مواطنين إن شئتم؟

الولايات المتحدة تحشد جيوشها وأساطيلها الجوية والبحرية ناهيك عن القوات البريطانية.

من المستهدف بهذه الجيوش الجرارة؟ العراق عنوانها، والشرق العربي ساحتها. هل الهدف الاستيلاء علي الثروة النفطية فقط أم الهيمنة علي كل شيء وتسليمنا حكاما ومحكومين وبكل ما نملك للهيمنة الصهيونية؟

قلت لذاتي، لو كان الحشد العسكري الجرار حدث في حقبة الخمسينيات والنصف الأول من عقد الستينيات لحاولت إيجاد مبرر لذلك، لان تلك الحقبة من تاريخنا اتسمت بمقاومة الاستعمار وإجباره علي الخروج من كل أقطار المشرق تحت إرهاصات المد الوطني وتأميم المصالح الأجنبية وكان أولها قناة السويس وآخرها صناعة النفط.

واقعنا اليوم لا يحتاج إلي هذه القوات المحتشدة علي أرضنا وفي بحارنا وأجوائنا، لان ولاة امرنا مذعنون دون إكراه. في خليجنا العربي النفطي الأمريكي وقعنا اتفاقيات ومعاهدات تخول لدولة الاستكبار العالمي ما تريد فعله.

وولاة الأمر في مصر الكنانة تنازلوا بمحض اختيارهم عن الدور الذي كان عليهم أن يؤدوه لصالح أمتهم العربية وأذعنوا لمطالب الآخر وشروطه بموجب اتفاقية كامب ديفد الأولي الملعونة.

وفي الأردن العزيزة الحزينة قيدته وجمدت حركة مجتمعه المدني نصوص اتفاق وادي عربة، وسورية الحبيبة أصبحت رهينة موقعها الجغرافي وقلبها السقيم، تنظر حولها والكل مأزوم.

وحتي أهلنا في اليمن الشقيق راحوا يستعينون بالغير لإلحاق الأذي بمن اختلفوا معهم من أهلهم وأعلنوا ذلك علي رؤوس الأشهاد، وكأنهم فعلوا فعلا حسنا.

يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل: إننا موجودون في هذه المعركة من باب المصادفة التاريخية والسياسية والاستراتيجية وليس أكثر..، إن ما يوشك أن يجري في العراق هو عملية ترويض لوحوش دولية قادمة ليس بينهم العراق ولا الأمة العربية... ويؤكد أن ما يجري في العراق يستهدف أساسا الصين وروسيا واليابان وألمانيا ودولا أخري .

في حواري مع الذات... لم اقتنع بما قال فقيه الصحافة العربية الأستاذ هيكل وقلت إذا كانت الصين وروسيا واليابان وألمانيا مستهدفة ولسنا نحن بالدرجة الأولي فان جنوب شرق أسيا وأوروبا الشرقية أولي بالاهتمام والحشود الأمريكية منا فلماذا لم يذهبوا إلي هناك وإذا كانت اليابان مستهدفة أمريكيا لأنها تشكل خطرا اقتصاديا واحتمال عسكريا في المستقبل المنظور فان القواعد الأمريكية تحيط بها وعلي أرضها فلماذا يأتون إلينا ويعسكرون علي أرضنا وفي مياهنا ويخزنون أسلحتهم الاستراتيجية في جوف أرضنا العربية وبالقرب من مضائقنا المائية -باب المندب، مضيق هرمز وقناة السويس-.

في هذا الشأن أكد الذات عدم صحة نظرية ماكندر التي مؤداها أن من يحكم قلب الأرض -أوروبا الشرقية- يحكم العالم، لنقول ان من يحكم مصادر الطاقة وطرق مرورها يحكم تجارة العالم ومن يحكم تجارة العالم يحكم العالم.

 

(2)

 

قال الصديق الذي اعزه: القوات الأمريكية صادقة في نواياها بمهاجمة العراق وإسقاط النظام السياسي هناك واستبداله بقوي ديموقراطية، واقترح أن يتنازل لرئيس صدام عن السلطة حقنا للدماء العراقية وأن يغادر البلاد إلي أي جهة يرغبها.

قلت لصاحبي، هذا اقتراح غير معقول وغير مقبول لا من الرئيس صدام ولا من شعب العراق وأصدقاء شعب العراق والمغرمين بالسيادة الوطنية. إن الأفضل والأحري والأسلم هو أن تخرج جميع القوي الأجنبية من محيط العراق وان يرفع الحصار عن شعبه العظيم وان يعود كل الذين نزحوا إلي خارج العراق طلبا للرزق بعد أن عانوا من شدة أقسي وأطول فترة حصار في التاريخ فرض علي بلادهم، ويعطي النظام فرصة سنتين علي الأقل يتمكن فيها من طرح الدستور الوطني للاستفتاء الشعبي وإعادة الحياة السياسية إلي العراق بمفهوم عصري يتناسب وحال الشعب العراقي العظيم ومحيطه الجغرافي ثم تجري انتخابات برلمانية حرة ونزيهة.

انه ليس من القبول إطلاقا التسليم بمطالب أي دولة أو قوة تريد أن تفرض علي أي مجتمع نظامه الاقتصادي ونظام حكمه كما تشاء.

إن الوثيقة التي وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والتي أصبحت جزءا من ميثاق الأمم المتحدة (روزفلت وتشرشل عام 1941م) تنص في مادتها الثالثةعلي أن تحترم الدولتان حق جميع الشعوب في اختيار شكل الحكم الذي تود هذه الشعوب العيش في ظله، وتودان ان تريا عودة حقوق السيادة إلي أولئك الذين حرموا منها .

فلماذا نسمح أو نقبل أن تتدخل الولايات المتحدة في شؤوننا الداخلية.

 

(3)

 

يردد بعض البسطاء أيا كان مركزهم الإداري أو الاجتماعي أو السياسي ان الرئيس صدام حسين انفق أموالا في بناء قصور فاخرة (السيد راسل، المتحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية) متعددة وانه استخدم القوة ضد شعبه وانه اشتري خمور له ولأعوانه.

بكل بساطة نقول: ليس الرئيس صدام الوحيد فـــي العالم الذي بني قصورا في دولته ونذكر كم قصرا تملــــك ملكة بريطانيا وكم قصرا كان يملك ملوك مصر وكم قصــــرا يملك ملوك وزعماء العالم العربي إلا القلة منهم ... إنها قصوربنيت علي أرض الشعب وليست خارجها، بنيــــت بأيـــد عراقية ومواد عراقية وسكنها ملوك وأمراء ورؤساء عـــرب فـــــي مؤتمر قمتهم في بغداد 1990م. كذلك سكنهـــا كبــــار زوار العراق.

أما بشأن استخدام القوة ضد الشعب فليس هناك نظام عربي أو أجنبي لم يستخدم القوة لضرب حركات التمرد بما في ذلك بريطانيا ويؤكد الكاتب بأنه لا يعطي مبررا لاستخدام القوة ضد الشعب إلا إذا كانت حركات انفصالية أو حركات عميلة لقوي خارج الحدود.

وفي شأن الخمور التي يقول عنها السيد رسل، نذكره بان دراسة نشرت في بلاده تقول الدراسات ان استهلاك اسكتلندة ـ هي جزء من بريطانيا ـ من الخمر في السنة يزيــــد عن 360 مليون جنيه فهل يعقل أن الرئيس العراقي سيشتري لنفسه ومعاونيه خمورا بهذه المبالغ ، إذا صدق العاقل بما لا يليق فلا عقل له.

قد يقول قائل من حق الشعب البريطاني أن يفعل ما يريد لأنه لا يشكو من حاجة كما هو حال الشعب العراقي. نؤكد القول بان أسباب شكوي الشعب العراقي هو الحصار الظالم الذي تفرضه بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية منذ ثلاثة عشر عاما تقريبا.

وآخر القول هل نكف عن ترديد هذه الاسطوانة في كل محفل ونعمل جاهدين بصدق وأمانة تجنيب العراق الحرب ورفع معاناته من جراء الحصار. أرجو ذلك.