الغرب
وخرافة التهديد الاسلامي
بقلم : د. باسل حسين
قد لا نكون
مغالين اذا قلنا ،ان هناك مطلبا عاما في الغرب الاوروبي وامريكا لتأكيد وإبراز
سيادة الغرب وثقافته على البلدان الإسلامية..هذا المطلب الذي كان يظهر تارة على
نحو بارز وتارة اخرى على نحو خفي .
وقد شكلت
احداث 11 سبتمبر علامة فارقة في انطلاق تلك الاصوات المهللة للتفوق الغربي فهاهو رئيس الوزراء الايطالي يقول (( ان
هنالك ثمة عوامل كامنة ادت وما زالت الى تفوق الحضارة الغربية علــى الحضارة الاسلامية))
امـا القس جيري فالويل فقد قال على شبكة ( سي / بي أس ) (( ان الاسلام هو دين سيف ودين ارهاب يقتل كل من يقف في
طريقه)) ومن باب تصوير (العدوانية)
كطبيعة للاسلام والمسلمين, يقول الكاتب الفرنسي (جان كلود بارو) في كتابه (المخلص
الذي لا يرحم ــ حرب الاسلام ضد العالم الغربي) : (ان ما يمكن ان نسميه اشد درجات
الرغبة في اذلال الآخرين موجود في الاستعداد النفسي الأصيل لدى المسلمين ومن أصل
عقيدتهم، فهي عقيدة حربية عدوانية تسعى للسيطرة والتوسع، وتشحن الفرد باحتقار غير
المسلمين, والاسلام في مجمله عدو للغرب لانه يؤمن بلاهوت الغزو والفتوحات
والانتصارات ولا يرضى بلاهوت الهزيمة)، وقد دأبت وسائل الإعلام الغربية على صياغة
مفردات مبنية على اسقاطات استيهامية على الاسلام والمسلمين مثل العدوانية والوحشية والتعصب
واللاعقلانية ورجعية العصور الوسطى ومعاداة المرأة ويلاحظ ان الاعلام الغربي من
محطات وصحف بدأت تتعمد الاساءة الى الاسلام
والمسلمين دون ان تلقي بالا بردود الفعل الصادرة عن المسلمين او مؤسسات
المجتمع التي ينتمون اليها، مستعينة بذلك على تجاهل السلطات الرسمية الغربية ودعم
اللوبي الصهيوني، إذ على الرغم من كل تلك الاساءات فاننا لم نرى رد فعل او مساءلة
سوى بعض الاصوات الشريفة التي تصدر عن استحياء وتضيع في لجة العداء الغربي
للإسلام،والسؤال المطروح هنا هو ما هي الأهداف التي يحققها تصوير الاسلام كعدو
بالنسبة للمجتمعات الغربية ؟
يحفل العالم
بغربه وشرقه على السواء بقيم العنف ومعاداة المرأة والتعصب واللاعقلانية, وتذكرنا
احداث الاعتداءات على الاجانب في اوروبا وامريكاـ بما يختفي تحت قناع حضارتهم اللامعة من اتجاه قوي نحو الدين
والاصولية في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية.. مثل هذه الأحداث لا تعد في
الغرب صراحة جزءا او طابعا مميزا لثقافتهم, بل تزعم انها تجرى خارجه وكأنها لا
تتصل بها وانها مجرد استثناءات، لا ترتبط بثقافتهم بينما تطبق معايير مختلفة تماما
كلما صادفتهم ظواهر مشابهة في الثقافات الاخرى، وخاصة الثقافة الاسلامية، فلا تعد
مجرد نتوءات وانما يتم تقديمها وتقيمها بوصفها وثيقة الصلة بالاسلام وثقافته, ولا
تنفصم عنه ويدعم رؤيتهم تلك جهل تام بالثقافة الاسلامية. وفي هذا الصدد يقول
(ارمجارد بين) و(مارليز فينيد) في دراستهما عن صورة المرأة المسلمة في وسائل
الاعلام الغربية انه(( من الغريب والمدهش حقا هذا التناقض الكبير بين (معرفتنا
بالاسلام) وبين (الثقافة الاسلامية نفسها) وبين (ثقتنا الشديدة في اطلاق الاحكام
عليها) .. حيث لم يحدث ان استنكر احد جهلنا الشديد بالثقافة الاسلامية ولو مرة
واحدة, بل ان النقد والاتهام يوجه باستمرار الى تلك الثقافة دون ادنى حرج. ودائما
ما تتكرر في اي حوار حول الاسلام عبارة: (انني لا اعرف شيئا عن الاسلام, ولكن..
ولا نفيق نحن عند (لا اعرف) هذه, لانها تسمح ببناء تصور عن عالم اخر (عالم اسلامي)
لا يتسق مع الواقع غالبا، والمطلوب من حقيقة الامر هو فصل (نحن) عن (الآخر) , فصل
(الداخل) عن (الخارج) فصلا لا ينمحي، لكي يؤمن حدود الهوية الغربية وحضها)), بمعنى
ان الوجود الغربي يستوجب رسم حدود ثقافته بأي طريقة، وهنا تظهر الكلمة السحرية ذات
الحروف الخمس (اسلام) فتنشر الفزع حسب قول راينهارد شولتسه استاذ الدراسات
الاسلامية والعربية في جامعة هامبورج، ((هذا التصور لا يقلقه او يزعجه غير ملاحظة
التشابه والتوازي بين الثقافتين فالتشابه يعنى التعرف على انفسنا في (الاخر) ويعنى
ان تنمحي خصوصية منظورنا عن انفسنا، لذلك يتم التأكيد دوما على غيرية ومناقضة
البلدان الاسلامية وثقافتها)).
ويصاغ الشرق عموما كنقيض للغرب, بهذا يخلق
المرء لنفسه قطبا مضادا. يؤكد من خلاله ذاته وقيمه، ويشكل في مواجهته مفهوم العالم
الغربي. يحلل هذه الجزئية استاذ السياسة الدولية بجامعة دويزيورج (فرانتس نوشلر)
بقوله: ((لقد تطورت واتضحت معالم الدولة الصناعية الغربية كخصم للاشتراكية
الواقعية في السنوات الاربعين الماضية, وفجرت الحادثة العارضة (انهيار الاتحاد
السوفييتي) التي قطعت ذلك التعريف الخلاق للهوية ضرورة البحث عن بديل وقدّمه
الاسلام نفسه من خلال احداث 11 سبتمبر التي اعتبرت من قبل طرفها الغربي حربا ضد الغرب)).
ويرى نعوم تشومسكي المفكر الامريكي
الى ان (( الشرق مثل شاشة عرض ظهرت عليها قيم سلبية في ثقافتنا, كاضطهاد المرأة,
وهي قيمة موجودة في ثقافتنا ولكنها أوضح في البلدان الاسلامية, لذلك تستوجب النقد
بسرعة وإلحاح. ولا يعنى نقد (تأكيد الذات) من خلال الآخر الاسلامي عدم تباين
الثقافة والمجتمع الاسلامي،بل يعني خطأ ومغالطة العرض غير المتوازن لأوجه التشابه
والاختلاف، والتقييم بالسلب لكل ما يبدو مختلفا عن ثقافتنا بصورة آلية من خلال
وسائل الاعلام، لان ذلك من شأنه الا تتحقق محاولة فهم الآخر، بل من شأنه الوصول
الى أبسط الحلول الممكنة و تقترب من السذاجة والسطحية التي تقـول ببديهية الثقافة الغربية..
اذن هي الافضل!!!)) .
ومن هنا لا
تظهر الدول الاسلامية امام الرأى العام الغربي كنظام ثقافي متكافئ، ينبغي الاقرار
به والتعامل معه وبحث اوجه التباين والتشابه ، بل ان السعي موجه الان نحو صياغة
الاسلام كعدو يوفر عكاز تتكئ عليه الهوية الثقافية الغربية)) وإذ يرتبط العداء
للاسلام بالعداء لعالم الجنوب بشكل وثيق، فتكاد تنطلق من (الجنوب الفقير) هكذا
تصور وسائل اعلام الغرب اخطار وتهديدات ذات طبيعة اجتماعية او سياسية او عسكرية او
ثقافية.. وينتمي العداء للاسلام الى خوف عام من عام الجنوب الذي يبدو بالاضافة
للشرق الاوسط. كمنطقة عدم استقرار وقلاقل وحروب عرقية واهلية وعنف غير مفهوم
وامراض وأوبئة وآفات اخرى لا تحصى.. وتقف المناطق الفقيرة غير المستقرة (في مواجهة
الغرب) دقيق البناء, الغني المنظم وتبرز اهمية رفاهية الغرب من واقع الخطر
والمتاعب في الدول النامية, لذلك يرى الغرب من منظار التفوق الاعمى انه ينبغي
الدفاع عن الرفاهية نفسيا ومعنويا, وماديا . لذلك يمثل المهاجرون القادمون من عالم
الجنوب والعالم الاسلامي تحديدا
تهديدا اكبر من تهديد القادمين من بلاد الجماعة الاوروبية.. وتتمثل احدى
فرضيات الخوف في عدم اطمئنان الغرب لمكاسبه ومنجزاته كما يتمنى، وينطبق ذلك ايضا
على السمة العقلانية التنويرية للمجتمع الغربي, والتي تشكك فيها من حين الى آخر
العنصرية والاساقفة الاصوليون والحروب الدينية والعرقية في يوغسلافيا السابقة او
ايرلندا الشمالية، بل وينطبق ايضا على القيمة الحضارية الاساسية للغرب وهي (الغنى
المادي) , الذي يبدو حاليا موضع شك كبير من خلال شيوع مصطلحات موحية وموجزة مثل:
التشرد الجديد, مجتمع الثلثين (الــ 60 في المائة), فقر كبار السن، الشرق الفقير
(شرق اوروبا وشرق ألمانيا).. أي انه بما ان مستوى المعيشة والرفاهية الغربية مهدد،
فالخوف من الفقر عنصر اساسي ومؤثر, هذا الفقر الذ يمثله عالم الجنوب ودينه الاسلام
(كما يتصور الغرب) فالعقائد الاخرى كالهندوسية وعبادة الطبيعة، بعيدة جغرافيا
وهامشية ثقافيا, والخوف من الاسلام هو المعادل الديني الايديولوجي للخوف من
المستقبل الخاص والذي يتم تفسيره وربطه (بالتطورات الواقعية) المثيرة لعدم
الاستقرار والمقلقة والمكلفة ايضا, مثل الكوارث البيئية، موجات الهجرة واللجوء،
تصاعد وتشدد الحركات السياسية، او السياسة الدينية، فتثير حدة وتنوع الأخطار
وصعوبة السيطرة عليها قلق كثير من سكان الدول الصناعية الذين يتوقعون استخدام
المهاجرين في وقت ما سلاحا في وجوههم ، وينتشر في أوروبا كلها فزع من غزو خارجي
على يد (الاصوليين الاسلاميين ) الافارقة الجياع والهاربين من صراعات عالم الجنوب
كما يزعم فولكر ماتيسى في مقاله عن (العدو الجديد ـ عالم الجنوب) .
وهكذا كما
كانت الماركسية اللينينية في الماضي النموذج الايديولوجي المعادي للغرب، يفهم
الاسلام او الاصولية الاسلامية اليوم. لقد ظل الاسلام لزمن طويل خصما للغرب, وظل
بينهما صراع ثقافي اعمق ما بين الغرب وعالم الجنوب بشكل عام، وكان الشرق منذ 300
عام محددا للهوية الغربية الحديثة, ثم محددا لاوروبا, ثم الغرب.. في هذا السياق
قامت الدائرة الثقافية الشرق اوسطية بأدوار ووظائف مختلفة في نشأة النظام الغربي,
واحتفظ المجتمع الغربي على مرّ مئات السنين بالمسلمات والمقولات والاحكام المسبقة
عن الاسلام والتي انتقلت من جيل الى جيل ونمت جذورها, واصبحت طاقة كامنة يمكن
استثمارها كلما اقتضت الضرورة السياسية, كما حدث في حرب الخليج الثانية ، والحرب
على افغانستان. ولكن.. لماذا يشعر المواطنون في الغرب بتهديد الاسلام، رغم تفوقهم
الذي يؤكدونه باستمرار؟هذا الخوف المتأجج والمبالغ فيه باستمرار يغذي في الشرق عداء
ضد (الغرب المسيحي)، بما يسمح بدرجة كبيرة في تعضيد موقف دفاعي متشدد, وفي تأكيد
واثارة عداوة مضادة. هذه العملية المزدوجة تحمل خطر تناقض الاستعداد للحوار بين
الثقافتين الآن ومستقبلا، وتدعم موقف التناقض في الشرق والغرب على السواء، ما دام
الاخير يرى ان هناك فجوة لا يمكن تخطيها بين الثقافتين.. لقد استخدمت وتستخدم وسوف
تستخدم العداوة على الجانب الغربي
ايديولوجيا, حيث يمكن ان يزيد العداء للاجانب من توظيف العداء للاسلام في
السياسة الداخلية مستقبلا، وليس من قبيل الصدفة ان يعمد (يورج هايدر) السياسي
اليميني النمساوي الى سرد قصة آباء التلاميذ المسلمين الذين طالبوا برفع صورة
المسيح مصلوبا من فصول الدراسة، ويضيف: (اننا لم نحارب الاتراك مئات السنين لكي
يأتي يوم نصحح فيه بطرق ملتوية المبادئ التي كنا ندافع عنها ومن اجلها حين
حاربناهم)) في مثل هذا التوظيف للعداء تجاه الاسلام تكمن اشكالية ضخمة ستواجه
المجتمع الغربي مستقبلا، وهي تتجاوز لاشك ما يسمى بالخطر الاسلامي.ويصف الكاتب
الالماني فرانتس نوشلر هذه الخشية
بالقول ((انني لا أخشى الخطر الجديد الذي يصنعه الغرب بيديه ، بل اخشى ردود الفعل
الناجمة عن صناعته في مجتمعنا, فتثير مخاوفي من سياسة مناهضة اللاجئين التي تدور
رحاها امام اعيننا، اكثر من خوفي تجاه الاصولية الاسلامية, او تجاه تزايد اعداد
اللاجئين, وارى ان العداء للاسلام او للجنوب عموما يربي العنصرية ويشجع على اقامة
بناء اوروبي منعزل، بالاضافة الى انه يدعم الآراء المتميزة، لذلك اعتقد ان
(انسانية اوروبا) معرضة للخطر وليس امنها العسكري ولا رفاهيتها)).
صفوة القول
ان هستيريا معاداة الاسلام المتزايدة في الغرب ، هي هستريا ناتجة من تبني رؤى
مغالطة تعكس سوء فهم او منهجية قائمة على اسس غير علمية ، وأخرى مقصودة تنم عن
نظرة مريضة تجاه الاسلام ، ومالم
يتم تبني رؤية موضوعية تشكل بمجلمها غالبية السلوك الغربي تجاه الاسلام والمسلمين،
فان الغرب سيبقى اسير الخوف المرضي
لما يسمى بالتهديد القادم من الجنوب وتحديدا العالم الاسلامي.