مصلحة البلد

 

 

 

بقلم : علي حتر

 

من الطبيعي ان تكون هناك بعض المقاييس لاهتمام الإنسان بمصلحة بلده وشعبه.. مثل العمل والنزاهة والاستعداد للتضحية وعدم المساس بالمال العام والوقوف بوجه الأعداء الظاهرين والمخفيين ومقاومتهم لحماية ما تبقى من الوطن واسترجاع ما يغتصب منه إلخ...

 

ومن الطبيعي ان تكون مصلحة البلد هي مصلحة الشعب المقيم فيه، بأغلبية طبقاته وفئاته وطوائفه وجماعاته.. ولا يمكن الادعاء بوجود استقرار خارجا عن استقرار هذه الفئات، وهو استقرار نسبي ليس من الضروري ان يعني الهدوء والنوم في أي مكان و«الكسدرة» ليلا على أرصفة عبدون دون خوف.. ويجب ان يكون اي استقرار لاحقا وناتجا عن استقرار هذه الفئات التي تحدد نوعه بنفسها.. وعن رضاها الإرادي لحصولها على حقوقها.. التي يجب ان تنجزها لها الحكومة.. أي حكومة..

 

وفي هذه الأيام.. كلما دق الكوز بالجرة، سمعنا مسؤولا يقول: مصلحة البلد.. وأمن البلد.. وهيبة البلد.. ورحنا نعتقد ان المقصود بهذه الكلمات ان يتحلى الإنسان ببعض ما سبق من صفات المواطنة الصالحة..

 

ونحن لا ننكر ان بعض من يلجأ إلى استعمال هذه الكلمات والمصطلحات هو من أبناء البلد المخلصين.. ولكننا أيضا نعرف ونؤكد ان هناك من يستعملها وهو لا يعني إلا مصلحته الذاتية وأمنه الشخصي..

 

ولهذا فوجئنا ان الصفات السابقة الذكر لم تعد هي المقصودة عندما يجري قياس مسلكيات أي إنسان منا.. بل أصبحت ثانوية جدا.. او حتى لا تذكر..

 

ليس من السهل ان تتحاور حول هذه المسألة مع مسؤول او موظف كبير في يده سلطات وصلاحيات كبيرة.. في غرفة مغلقة تكون فيها انت في قفص الاتهام.. ويكون هو على منصة اتخاذ القرار بسحقك دون حسيب او رقيب.. كلما وافقته ابتسم.. وكلما خالفته تجهم وهدد..

 

أين هي مصلحة البلد..؟؟

 

لقد أصبحت مصلحة البلد تعتبر عند الحكومات العربية، مرتبطة بمقدار قبول سيطرة الحكومة على الأوضاع الداخلية أمام العالم الخارجي، حتى ولو كانت السيطرة محققة بالقمع والقوة، وحتى إذا كان الاستقرار الظاهري ناتجا عن ضعف منظمات المجتمع المدني ومحاصرة الحكومات لها، وعن عجز الشعب عن اتخاذ المبادرات والوقوف لأخذ حقوقه من الحكومة التي تحكمه أصلا من أجل تحقيق هذه الحقوق، التي تكررها في كل أدبياتها.. دون أن تهتم بها..

 

وفي الحالة العربية نرى ان الاستقرار الذي يقصده الحكام التنفيذيون هو استقرار الحكومات ومن يلتف حولها.. والازدهار هو ازدهار مؤسسات أصحاب الأموال الذين يلتفون حول الحكومات.. بغض النظر عن وضع وإرادة المواطنين العاديين الذين يشكلون الأغلبية، والذين إذا أخطأوا وعبروا عن احتجاجهم بأية طريقة، تعرضوا للمساءلة..

 

ومن هنا فقد أصبح المقياس الأهم لاهتمام الإنسان بمصلحة البلد.. عند المسؤولين في الدول العربية، هو مقدار التزام المواطن بتنفيذ تعليمات الحكومة مهما كانت.. عادلة او جائرة.. ولا أقول خططها.. فحكوماتنا لا تملك عادة لا خططا ولا برامج.. ولم يبق الأمر مقتصرا على ذلك، فقد أضيف في السنوات الأخيرة مقياس آخر، في بعض الدول العربية، أصبح هو المقياس الأول للمواطنة الصالحة، وهو مدى استعداده لتنفيذ استحقاقات المعاهدات مع العدو الصهيوني.. وبالتحديد مدى قبوله بالتطبيع والمطبعين، وأصبح تاريخنا يبدأ أو ينتهي عند تلك المعاهدات.. وأصبحنا موجودين فقط لخدمة هؤلاء المطبعين.. وكأن اقتصاد العالم العربي لا ينمو ولا يتقدم إلا من خلال العلاقات مع العدو الأخطر في تاريخنا العربي.. (رغم ان كل المسؤولين الذين يدافعون عن التطبيع.. يقولون بصوت منخفض انهم ضده.. ولكنهم لا يملكون نحوه حولا ولا قوة)..

 

وتبقى هناك حقيقة مطلقة.. يجب ان يعرفها الجميع: محتل الأرض العربية يبقى عدوا.. وتبقى العلاقات معه مخيفة.. لأنه أصلا لص.. إلا إذا كنا نعتبر أن اللصوصية هذه الأيام ليست من الصفات المرفوضة.. وهو جاهز للانقضاض على ما تبقى من الأرض والموارد العربية بكل الطرق.. سواء كانت احتلالا او سيطرة على الاقتصاد والثقافة والمجتمع.. إنه أصلا لص.. فماذا نتوقع منه غير السرقة..

 

وفي هذا السياق، قال لي أحد المسؤولين الكبار في حوار غير متكافئ استعمل فيه صلاحياته لفرض رأيه، ان الأردن دولة لها كيانها أمام العالم، ولا يستطيع هذا العدو الاعتداء عليها!! ولم يكن لي وضع يسمح بالرد..

 

وعدم الرد بوجود هيمنة أمريكية على العالم ووجود عدو مثل امريكا و«إسرائيل».. وضعف عربي رسمي مثل ضعفنا الحالي.. هو خير رد على هذا المسؤول.. أرجو أن يفهمه.. لأنني لا أشك بمواطنته الصالحة.